الأرضية الصلبة التي وطدها تجمع المهنيين السودانيين لنفسه في المشهد السياسي لا بد أن تؤهله لإكمال رسالته كجهة تمثل نقطة التقاء لغالبية السودانيين. وهذا الدور يتم متى أحسن التجمع مراجعة التجربة، وأخضعها للنقاش الداخلي المفتوح، وكذلك أشرك المهتمين بأمره.

وربما يتفق الناس بحدة حول المثالب الكثيرة لمعظم كياناتنا السياسية، ولكنهم من خلال عهدهم بالتجربة القصيرة للتجمع لا يختلفون إزاء فاعليته، من حيث اطمئنانهم نحوه كضامن - ما يزال - لتحقيق مطالب الثورة أكثر من أي جهة أخرى. ومهما استعلى دور قوى الحرية والتغيير على التجمع بعد الحادي عشر من أبريل فإن التجمع ما يزال يمسك بخيوط أساسية وسط الراهن السياسي. ولا يظنن الذين طالبوا بانتهاء دور التجمع ـ تحت نشوة التأثير السياسي الآن ـ أن الشارع الذي يضع كل مصداقيته في التجمع لن يستأنف مواكبه المليونية إذا اضطر الناس لذلك.

إذا تجاوزنا كل الحديث الإيجابي حول صلابة الموقف الوطني لقيادة وعضوية التجمع، وتنظيمها البديع للحراك الثوري، فإن دور تجمع المهنيين يعيد الذاكرة الوطنية لدور واعد طمح إليه قادة اتحاد الخريجين في العشرينيات. إذ كانوا شبابا غض الإهاب يحملون هم بناء، وتعمير البلاد الراسفة في التخلف، ويحلمون بالقطع مع زمانها القائم على العشائرية، والقبلية، في تلك الفترة المبكرة من التاريخ السوداني. ولو أننا وقفنا على الأخطاء الجوهرية التي ارتكبها قادة اتحاد الخريجيين فإن تجربة التجمع، شأنها شأن أي تجربة نقابية مسيسة، لم تخلو من أخطاء، ولقد عكفنا على إعداد دراسة نقدية متكاملة سترى النور قريبا، تأكيدا للشفافية مع الرأي العام ما دام التجمع هو ملك الذين التفوا حول رسالته.

على أن السؤال الأساسي الآن ليس هو فقط حول كيفية تطوير تجربة التجمع باتجاه لا يجسد دوره كمجرد حارس للمرحلة من أجل إنجاز أهداف الثورة، وإنما حول السقوف التي ينبغي أن تؤطر عمله ليكون المرجع السودانوي، لا على مستوى العمل السياسي فحسب، ولكن حول دوره أيضا في تحديث البنى الفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والصحية، والإعلامية، والزراعية، والتربوية، إلخ، خصوصا أن التجمع نشأ أصلا كمنصة نقابية جمعت المستنيرين، والمهتمين، بشأن الإصلاح النقابي في خصوصيته، وكذا بشأن الإصلاح السياسي.

وقدر شباب التجمع مماثل لقدر شباب الخريجين، والذين كانوا، على ما في تخصصاتهم من تعدد آنذاك، يملكون حسا وطنيا عاليا لمسناه من خلال كتاباتهم، ومواقفهم حول ما ينبغي أن تكون عليه السودنة. ولو كانت الظروف قد خدمتهم كما فعلت مع التجمع لكان أمر البلاد اليوم مختلفا عما هو عليه الحال. ولاحقا كما نعلم أن جزءً من أحلام الخريجين طبقها جيلا اكتوبر، وأبريل، إذ كان عمادهما الشباب أيضا، وبالتالي تمكنت فترتا ما بعد نوفمبر 1964 وأبريل 1985 من إرساء أعمدة الحرية، والديموقراطية، والتنوير. ولكن لم تكن تياراتنا السياسية في حجم التحدي، وبالتالي عدنا للديكتاتورية التي قضمت 54 عاما من عمرنا بعد الاستقلال في مقابل 12 عاما لفتراتنا الديموقراطية الثلاثة. وحتى إن جاءت ديكتاتورية دموية للإسلاميين برز السؤال حول ما إذا كانت هناك جهة منظمة، وفاعلة، وحريصة، على عدم التسوية مع الاستبداد الذي كان سمة تلك الأعوام. بل حريصة تلك الجهة أيضا على عدم التسوية مع الجيوب المجتمعية المهيمنة على الدولة تاريخيا، والتي ظلت تعرقل الإصلاح السياسي، والديني، والاجتماعي، وتمارس الفتيا، أو الفيتو، ضد كل الإصلاحيين الوطنيين.

ينبغي الاعتراف بأن تطوير تجربة التجمع بأي تصور وضعناه يواجه تحديات موضوعية، وذاتية، وعملية. بل إن هذا التطوير الذي تفرضه هشاشة البنية السياسية الماثلة يحتاج لتقييم التجربة أولا ثم بذل الذهن لوضع أوراق عمل يشارك فيها المعنيون بأمره، وكذا الذين ليس لديهم الارتباط المباشر بعمله. فالتجمع مظلة مطلبية متصل عملها بكل أصحاب المهن الحديثة والقديمة، سواء الذين تلقوا تعليما، وتدريبا، نظاميا، أو لم يتلقوا. وعلى هذا الأساس فإن أمر تطويره يستلزم مشاركة كل فئات المجتمع، إذ هو يمثلها من خلال النقابات، والاتحادات المنضوية له، وكذلك من خلال الكيفية التي طرح بها نفسه كمساهم في التغيير السياسي والاجتماعي ذي الصبغة الحديثة.

لقد عاصرنا تجربة التجمع الديموقراطي الذي لعب دورا أساسياً في إسقاط سلطة مايو، وساهم بفاعلية في رعاية الفترة الانتقالية، ولكن تراجع دوره نسبة لعدم بروز الحاجة لتطويره آنذاك بعد انشغال قادته بالمناصب. وقد أدى هذا الخلل إلى تسللل عناصر الحركة الإسلامية داخل الفترة الانتقالية، وبالتالي ساهموا في تجيير المجلس العسكري بقيادة سوار الذهب، ومجلس الوزراء بقيادة الجزولي دفع الله لتفصيل التشريعات التي تساعد في دعم الإسلاميين انتخابيا. لا نريد أن تتكرر هذه التجربة بأن ينتهي تأثير التجمع بانتهاء دوره في الحراك الثوري، وتشكيل الحكومة، وتفرغ بعض قياداته لشؤون المجلس التشريعي. ولذلك فلا سبيل لتفادي أخطاء الماضي إلا بجعل التجمع من خلال استمساكه بالقوة النقابية درعا لكل السهام التي توجه لاختطاف الوطن سواء من جهات ايديولوجية، أو انتهازية - طفيلية، أو تقليدية، داخلية أم خارجية.

من حظوظ التجمع أن المنظومات التقليدية التي وأدت مؤتمر الخريجين سيتراجع دورها مع الزمن تحت ضغط تنامي الوعي، فضلا عن تراجع تأثيرها، وافتقادها لكاريزما القيادة. وهذا يعني أن الفرصة سانحة أمام التجمع لينهض كتيار نقابي - وطني أكثر من كونه منصة للسياسات البديلة التي قام عليها مؤتمر الخريجين. ومع ذلك فإن تلك الجهات التقليدية التي يسوءها أن تتوحد رايات الجيل الشاب - وهو نصف الحاضر وكل المستقبل - حول أي تيار إصلاحي جديد ستسعى إلى تعويق حركة التجمع. لا شك في ذلك. ولكن كل المؤشرات تدل على أن هذا الجيل الناشئ المنفتح على آفاق المعرفة الإنسانية بغير سقوف قد حدد خياراته في الانعتاق من الأفكار، أو التفسيرات، الكلاسيكية المتعلقة بدور الدين، وشؤون المجتمع، وأولويات الوطن، مثالا.

صحيح أن هناك من دعا إلى تطوير التجمع ليتحول إلى حزب. ومع نبل هذا الحلم فإن تكوين الحزب المؤدلج، وغير المؤدلج، يجعله دائما منغلقا على عضويته، وحريصا على تحقيق أجنداته على حساب الأحزاب الأخرى. بل عاصرنا بالتجربة أن معظم الأحزاب التقليدية اتخذت مواقف لصالح تنفيذ أجنداتها أكثر من تقديم مصلحة الوطنية. والأكثر من ذلك أن التجمع بطبيعة مكوناته النقابية التي تضم حزبيين من كافة ألوان الطيف، ومستقلين، يمثلون عامل إثراء لعمله. ومؤكد أن تعدد الأصوات الفكرية، والسياسية، لعضوية المكونات النقابية للتجمع يمثل جماع القومية في النظرة، فضلا عن ذلك فإن هذه العضوية تتحدر من كل بيئات السودان وهذا عامل يسهم أيضا في تمثيل كل السودانيين. وكذلك كان حال مؤتمر الخريجين في العشرينيات، وجبهة الهيئات في الستينات، والتجمع النقابي في الثمانينات.

ما لاحظناه في تجربة التجمع القصيرة هو أنه ليس بالكاريزما القيادية وحدها تنجح التجارب في العمل العام. فالعلاقة الأفقية التي جمعت بين عضوية وقيادات الكيانات النقابية المنضوية للتجمع ساهمت في إثراء الحوار الداخلي الحر. وبالتالي لم تكن هناك هيمنة في القيادة، أو انفراد بالقرار، يسمح بنشوء كاريزمات تقدس، أو تهاب. فكل ممثلي النقابات هم قادة في التجمع من خلال مواقعهم، وأدوارهم، مهما صغرت يصدرون من مواقعهم القيادية. وهذا الشكل من العلاقة الذي حكم نقابات التجمع، على ما فيه من صعوبة في التوصل إلى قرارات عاجلة، يمكن أن يطور بحيث تتم المزاوجة بين الاعتماد على العلاقة الأفقية وبين الرأسية لضمان تفعيل القيادة، ومنحها فرصة لتقدير الموقف ما دام أمر الثقة فيها محسوم.

المهم من كل هذا هو هل يبقى التجمع محصورا في غاياته التي حقق بعضها، أم ترى القيادات النقابية الممثلة فيه ضرورة للنظر لدور هذا التنظيم بالقدر الذي ينمي هيكلته الحالية ويخصب فاعليته عبر مهام جديدة، تلك التي تحافظ على تحقيق أهداف الثورة بصورة تمنع التراجع عما تحقق في مشهدنا السياسي؟. اعتقد أن هناك مجهودا ذهنيا هو مطلوب من كل المعنيين لتحقيق حوار جدي في هذا الموضوع.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.