حوى المؤتمر الصحفي الذي عقده د. عبدالله حمدوك بعد أداء القسم رئيسا للوزراء عدة رسائل مهمة. جانب منها متصلٌ بالمؤثرين على المستوى المحلي، وكذلك الإقليمي، والدولي. وبخطاب حمدوك يسدل الستار على مرحلة تسيد فيها تجمع المهنيين قيادة الساحة السياسية، ثم قوى الحرية والتغيير لاحقا، لينتهي الأمر التنفيذي عند مجلس الوزراء قبل أن تؤول المسؤولية السيادية، والتشريعية، والتنفيذية، للحكومة المنتخبة بعد ثلاث سنوات. 

•أولى رسائل حمدوك كانت لقوى الحرية والتغيير. ففي مستهل كلمته حدد استقلاليته لإظهار قوة شخصيته إزاء الجهة الاعتبارية التي رشحته للمنصب. إذ أوحى أنه لن يبصم على كل موجهات قوى الحرية والتغيير لاعتماد واحد من خياراتها الوزارية، وأنه نفسه سوف يملك معياريته في تحديد الشخص الكفؤ. وهذا يعني أنه لن يلتزم بالقائمة المرسلة إليه لاختيار واحد من بين الثلاثة أشخاص المعنيين. هذا يعني بالضرورة أنه لن يقبل أي تذكية من أي جهة تأتي عبر الشباك لتمارس ضغطا عليه خلف الكواليس لاختيار أشخاص محددين. ومع ذلك فقد فتح المجال للتعاون في الشأن الاقتصادي مع قوى الحرية والتغيير.
•ثانيا: أكد حمدوك أنه لن يكون سوى رئيسا لكل السودانيين. وهذه رسالة بليغة أكثر للمشككين، وأصحاب المزايدات التي تصف الثوريين بالإقصاء. ومن ناحية أخرى يعني هذا أنه يضع رسالة في بريد كل التيارات السياسية التي تغلب مصلحة البلاد من أجل التوصل إلى تفاهم وطني لتحقيق نهجه في الاعتماد على شعار أوحد للثورة: حرية، سلام، وعدالة.
•ثالثا: رسالة حمدوك للحركات المسلحة تمثلت في قوله إنالأولوية نمرة "١" هي إيقاف الحرب، ومعالجة موضوع النازحين، واللاجئين دون كل الأولويات، وأشار لعلاقته بمن سماه المناضل عبد العزيز الحلو. وأوضح بتقديمه أولوية معالجة الحرب أنه أحرص على مخاطبة جذور الأزمة السودانية.
•رابعا: بالنسبة للمجلس العسكري أورد إشارات لإمكانية توفير الإرادة بين الأطراف لخلق شراكة غير متشاكسة، خصوصا بعد الفترة السابقة التي شهدت مجادلات حادة قبل اعتراف المجلس بقوى الحرية، وعقب فض الاعتصام، وما صاحب التفاوض من مد وجزر حادين.
•خامسا: أشار حمدوك إلى ضرورة إنجاز نظام تعددي ديموقراطي "نحترم فيه خلافاتنا". ويومي هنا إلى أنه لا توجد مساحة لسيطرة جهات على الدولة لفرض الآراء بالقوة، أو العنف.
•سادسا: الدول المحيطة بالسودان كانت حاضرة في خطاب رئيس الوزراء الجديد. فقد أبان سعيه إلى تبني سياسة خارجية معتدلة تأخذ في الحسبان مصالح البلاد العليا، خلافا لمواقف النظام السابق الذي وظف المحاور الجيو استراتيجية خصوصا لاستمرار وجوده في السلطة. ربما تعني هذه الإشارة النطاق الإقليمي بشقيه العربي، والأفريقي، والذي كان له تاثيرات، ومصالح، لتوظيف الواقع السوداني الجديد قبل، وبعد، سقوط البشير.
•سابعا: الرسالة الأساسية للشعب السوداني لم تكن في شكل تقديم وعود بانفراج عاجل للمعاناة الاقتصادية، بل أكد أن المخرج يتمثل في بناء اقتصاد قوي، ومعافى، يقوم على الإنتاج وحده، وليس الهبات، والمعونات. وهذا يعني ضرورة تأهيل البنيات القومية العميقة الأثر ذات العائد الاقتصادي طويل المدى.
•ثامنا: بالنسبة للمكونات المعارضة لقوى الحرية والتغيير أشار حمدوك في رده على سوال حول "التنسيقية الوطنية" بأن هناك "مناخا صالح للعبور إلى بر الأمان". وعلى ما حملت هذه العبارة من دبلوماسية إلا أن حمدوك يعزز هنا قدرته الفردية في تأكيد امتلاكه مساحة للحرية في وضع بصمته الاستقلالية في التعامل مع المكونات المعارضة.
•تاسعا: المجتمع الدولي لم يكن غائبا عند رسايل حمدوك فقد أكد أنه يعتمد على البراغماتية في النهج الاقتصادي المفيد للدولة، دون إغفال قدرتها على عدم المساومة تجاه قضية الفقر، ومجانية الصحة، والتعليم كما أشار.
•عاشرا: أشار حمدوك إلى الإرث النضالي المجمع عليه سودانيا في تحقيق الاستقلال، وثورة اكتوبر، وثورة ابريل، وثورة ديسمبر. وهو بهذا يضع غالبية السودانيين كصانعين للثورات، وعلى هذا المستوى لن تستطيع جهة أن تقلل من قيمة الثورة في الوقوف ضد الاستبداد، وبالتالي يعني حمدوك أنه إذا كانت الاستقلال هو ضد الاستعمار فإن الثورات الثلاث هي ضد الديكتاتورية، وبناء على ذلك فهو يعني أن مرحلة الثلاثين عاما الماضية ليست إلا الديكتاتورية في أبشع صورها.
•أخيرا: بعد خطاب حمدوك يبدو أننا أبحرنا في مرحلة جديدة من تاريخنا شديدة الخصوبة سياسيا، ومواجهة بتحديات جمة، وتحفها آمال عريضة. إذ تترسم بعض ملامحها هذه الأيام بشكل ناصع بعد أداء المجلس السيادي، ورئيس الوزراء، اليمين الدستورية. ولعل العنوان الأبرز لهذه المرحلة هي قدرة التيارات السياسية جميعها، والجماعات، والأفراد، في توظيف مناخ الفترة الانتقالية لتحقيق التطلعات الوطنية عموما، وخصوصا تلك التي لم تتحقق بأوامر ثورية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.