الثورة جاءت لإعلاء قيمة الضمير، وليس لحمله على النفاق. وأي إنسان حر في اعتقاده مهما كان وضعه في المجتمع. والحرية الفردية مقدمة على حرية الجماعة وإلا لصرنا قطيعا كالأبقار في الحياة. وإذا لم يكن الفرد حرا إزاء تناول قضايا مجتمعه، مهما كان الخلاف معه، فكيف إذن يكون الإصلاح في ظل الاستجابة للابتزاز السياسي، والديني، والثقافي؟. ولذلك يجب علينا جميعا أن نلتزم بشعار الثورة وإلا أفرغنا إسهاماتنا أثناء الانتقال، والانتخاب، من القدرة على التغيير. والتغيير يبدأ من الفرد. ومتى كان الشخص حرا للتعبير عن نفسه استطاع أن يغير الجميع إذا رأى أنهم بحاجة لتنوير. علينا ألا نخاف من ردود الفعل لما نكتب أو نصرح. وإذا كنا نخاف من التعبير عما يجيش في خواطرنا، أو ضمائرنا، فما جدوى الخروج من منازلنا لطلب الحرية؟.

قبل فترة خرج كتاب ونشطاء إسلاميون للتهجم على الأستاذ الرشيد سعيد لا لشئ سوى أنه انحاز لضميره وقال الحقيقة. آنذاك أكد بوصفه متحدثا باسم تجمع المهنيين أن الثورة في السودان خلافا لدول الربيع العربي قامت ضد الإسلاميين، وأنها تعني رفض الدولة الدينية. وتلك حقيقة لا يختلف حولها ثوريان عند لحظة لاعتصام، أو خارجه.

-٢-
وقبل أيام ضجت أقلام منتقدة دعوة وزير الأوقاف الجديد لعودة اليهود، والمسيحيين، الذين هاجروا ليسهموا في بناء الوطن. وقبل أسابيع تعرض مولانا إسماعيل التاج لابتزاز بعد أن رأى بعضهم ما يعني دعوته لمساواة شهادة الرجل مع المرأة. وحين راجعت مقابلته وجدته أنه لم يناد حرفيا بذلك، إذ أشار إلى أن وجود الأستاذة نيكولا في السيادي يعضد حق المرأة في حيازة هذا الموقع، ويساوي بينها وبين الرجل. وحتى إذا قال بذلك فنحن نؤيده في ضرورة مساواة حقوق المرأة بحقوق الرجل في ميادين العمل العام.

وما قاله الزميلان الرشيد، وإسماعيل، وكذلك وزير الأوقاف الجديد الذي دعا لعودة السودانيين اليهود والمسيحيين، يتعلق بأهم المحفزات للثورة، والتي لم تأت إلا لتنهي أسطورة الدولة الدينية للأبد، والتي تعشعشت في خيال الإسلاميين. وتجربتهم أثبتت بالدليل الدامغ أنهم لا هم رجال دولة، ولا نساء دين. كل الذي فعلوه هو نحر معاني الدين لصالح أفراد، وجماعات، منهم، وكذلك لصالح دول في المنطقة، والمخابرات الأجنبية. وإذا كانت ثورات تونس، وليبيا، ومصر، وسوريا، قامت ضد دولة الاستبداد، وليست ضد إسلاميين حاكمين، فإن ثورة السودان قامت أصلا ضد دولة الإسلاميين. وواقعنا أيام التظاهر، واليوم، أكد حقيقة ما قاله رشيد. وبعد لت وعجن اعترف غندور بالثورة التي واجهوها بالرصاص، والأكاذيب، والمؤامرات.

إذن ما هي الخطايا في هذه الأقوال التي تجعل بعض الأقلام تسعى لابتزاز متحدثي التجمع، ورموز المجتمع، حتى لا تكون هناك آراء فقهية، أو غير فقهية، هي ضد ايديولوجيا الحركة الإسلامية، وبعض الجماعات السلفية المتطرفة.
إن التنوير الديني الجديد هو أساس الخروج عن مأزقنا الحضاري بوصفنا شعوب يتجذر فيها الانتماء للمفاهيم الدينية. وقد بذل مفكرو النهضة دورا في هذا الاتجاه، ودفعوا ثمنا باهظا. ولا بد علينا أن ندفع هذا الثمن بدلا من الإزورار، والاستجابة، لشروط الإسلاميين في تفسير الدين، أ عدم الاختلاف مع تفسيراتهم له.

الحقيقة أن هناك أشخاصا يحاولون ترضية الجماعات المتطرفة دينيا بأن لا يواجهونها بالحقائق التي هم مقتنعون بها. وبالأقل فإنهم يرون أن الأجواء غير مهيأة لإثارة هذه الجماعات حتى لا تجد فرصة لتهييج الرأي العام.

-٣-
والحقيقة أن هذا الرأي لا يستند على ساق من المنطق. فالمتطرفون سيظلون يبتزون من نسميهم عقلانيين حتى يحققوا قدرتهم على فرض الآراء التي يقتنعون بها. وسواء احتفظ بعضنا برأيه مخافة أن يثير هذه الجماعات أو صرح به فإن هذا لا يغير في الأمر شيئا. فالمتطرف ليس بحاجة لانتظار الآخر ليحتفظ برأيه. فهو على طول الخط يضمر الرأي المضاد، أو العنف، ضد كل من لا يواليه في وجهة نظر. بل إن قناعاته أصلا تحتكر الحقيقة.

بناء الأمم يتطلب الشجاعة الفكرية، والسياسية لا المواربة في تمرير الأفكار. والاستجابة للابتزاز الديني والسياسي لن يتوقف، وإحداث التغيير ليس أمراً مجانيا. والجبن في الإفصاح عما يشغل الضمير فكريا لا يجلب إلا خيبة الأمل في الكتاب، والمفكرين، ويجعلهم منافقين. إذ يصرحون بشئ في السر، وفي العلن يأتون بشئ آخر.

ما واجهه الزميلان الرشيد وإسماعيل، وكذلك الوزير مفرح، ليس جديدا، ولن يكون آخر تضليل في مسلسل الابتزاز الديني. ولعله انتهى الزمن الذي فيه يتعرض النشطاء، والكتاب، والمفكرون، للوصم بأنهم علمانيون يريدون إسقاط النظام. ولا بد لنا الآن أن نحقق شعار "حرية، سلام، وعدالة" على الأرض، ونجابه أي ابتزاز ديني بالمزيد من الشجاعة الفكرية، وتحسين الحجة في تثبيت قناعاتنا، ودحض الأفكار السلفية ذات الصبغة المتطرفة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.