منذ سعي اللورد هوراشيو هربرت كتشنر لتأسيسها، لم تصارع الدولة السودانية أمواجا عاتية لتحافظ على بقائها مثلما هو حادث الآن. هذا التحدي لا يمكن حله فقط بالمنهج السياسي الواحد، أو حتى بوجهات النظر الفردانية للزعماء مهما تخيلت أنها أوتيت حكمةً، ورشداً، وبصارة. ولكن الحل يكمن في تداول النخبة السلمية والعسكرية معا ًلشحذ التفكير حول ما ينبغي أن تفعله في الحاضر. فعل يتجاوز التمترس العصبي لنخبنا تجاه مناهجها السياسية، والأيديولوجية، والمطلبية، وينحو إلى معرفة قدرتها المتحالفة على العبور بالقوميات التي تشكل الدولة نحو آفاق الحلول العملية للتعايش السلمي، وإعادة بناء الدولة، واستدامة استقرارها.
لقد ولى العصر الذي فيه يملك القائد الملهم الأعظم وحده فكرة استثنائية للحلول، وكذلك انتهى عصر الحل المنهجي المبني على أسطورة سياسية صمدية، وكذا انتهت هيمنة الفكرة الواحدة التي تصيغ الحلول للجميع. فمع توفر آليات المعرفة، والإعلام، والقدرة على تنظيم القوميات لنفسها لمقاومة سلطة الدولة القطرية، لم تتبق هناك إمكانية لحمل المجتمع على اتباع طريق واحد، كما كان يحدث هذا حتى مطلع الألفية الحادية والعشرين للميلاد.
لقد تعقدت مشاكلنا الداخلية المرتبطة بنهج السوق الحر، والمحاور الأيديولوجية في المنطقة، والأطماع النظرية للتوسع الإمبريالي. وتبعا لذلك تعقدت زوايا النظر السياسية في محاولتها لفهم التصورات العامة لظواهر الأزمة الوطنية التي ربطتنا بالأحلاف الإقليمية، والدولية. وليس هذا وضع السودان فحسب، فمحيطنا العربي، والأفريقي، يواجه ذات المصير، إذ تتشابه القضايا، وتتداخل بين دولة وجارتها. هذا فوقاً عن ارتباط هذه القضايا بجزر البحث العلمثالثي للخروج من عنق الدولة الكولونيالية التي فرضت نخبا حاكمة متصلة برأس المال العالمي، خادمة له، وبه يتعزز نفوذها السلطوي، وثرائها الفئوي، وقوتها المعنوية.
-٢-
حتى الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ كانت الدولة التي رسم أعمدتها اللورد كتشنر تمتلك كثيرا من تماسكها العضوي، بوجود خدمة مدنية وقوات مسلحة رغم تراجع دورهما بالقياس لمراحل سابقة. وأضف إلى هذا قدرتها آنذاك في تطبيق السياسات الثقافية، والإعلامية، والتربوية، التي تعمق معنى الانتماء القومي، وفي ذات الوقت تجيره نحو الأهداف القطرية العليا. ولكن الإنقاذ - انطلاقا من اعادة صياغة الإنسان السوداني - هدمت بناء الخدمة المدنية، والقوات المسلحة، وبقية النظامية، وحولتها إلى مستودع لتحقيق تطلعاتها المتعلقة بأسلمة المجتمع. ولما فشلت بشكل ذريع في تحقيق كل تطلعاتها في السيطرة على الدولة بترت الجنوب مرغمة، وأسست ميليشيات للحفاظ على وجودها في سدة الحكم، وإحكام قبضتها الحديدية على الأطراف. ولما غلبت التحديات العظيمة التي واجهت الحركة الإسلامية، واستمر الأمر في تراجعهاجاء التغيير على النحو الذي لم يهدم الإطار المؤسسي لدولة الإنقاذ فقط بل كادت الدولة تصل إلى مراحل تشظيها. ولولا حمل الأطراف الإقليمية والدولية على طرفي النزاع على الاتفاق الذي وُقِع بين حماة الدولة العسكريين وقوى الحرية والتغيير لانفرط عقد البلاد. وما زال التغيير الذي تم يعاني من إشكالات عضوية يحاول عبر المجلس السيادي وحكومة حمدوك وأطراف من قوى المجتمع المدني ينشد الاستقرار بعد التسوية التي رعاها الإثيوبيون وأطراف من المجتمع الدولي.
-٣-
المشكلة الأساسية أن التحالفات السياسية التي رمت لمواجهة العسكرتارية، وعزل القوى التقليدية، وتوطين الديمقراطية، طوال مرحلة ما بعد الاستقلال عجزت عن تحويل دولة كتشنر إلى دولة وطنية مستوعبة للتحولات التي حدثت في نصف القرن الماضية. ويبدو أن آخر تحالف من هذا النوع يعاني تصدعا مخيفا حتى بعد نجاحه في أن يكون الراعي الأساسي للتغيير الذي حدث بعد سقوط البشير. ما لم يتم نشره عن هذا التصدع، أو بروزه كحقيقة ماثلة، هو أن الكتل التي شكلت قوى الحرية والتغيير تتربص ببعضها بعضا فيما تتربص أيضا فصيل ضد آخر داخل الكتلة الواحدة.
إن هذا التصدع انعكس على أداء الحكومة التي جأر رئيسها بالشكوى من غياب البرنامج الإسعافي بعد مضي شهر ونصف على تشكيل الحكومة، وكذلك تبودلت الاتهامات هنا وهناك حول تقصير قوى في الخروج باتفاق مرضٍ، واحيانا تعلو اتهامات كتلة ضد أخرى، بل إننا نسمع عبارات التخوين ضد كتل، وأحزاب، وأفراد. هذا فضلا عن عمد معرفتنا بالخطوات التي اتبعت لاختيار أعضاء المجلس التشريعي. وقد بقي شهر لتكوينه بناء على الجدول الزمن لاستكمال أعمدة السلطة الانتقالية.
إن ثقل الفترة الانتقالية على الحكومة التي شكلتها بالأساس عزيمة كتل الحرية والتغيير، وكذا اختيارها الأعضاء المدنيين للسيادي، يستلزم دعم حكومة حمدوك إذا رجحنا النظرة الاستراتيجية. فالبديل هو المزيد من التعقيد للفترة الانتقالية، ومنح القوى المتربصة بالتغيير فرصة ذهبية للانقضاض على كامل الوضع.
صحيح أن التغيير الراديكالي - فوقا عن صعوبته - لم يكن متاحا حتى ترث قوى التغيير كامل التأثير في المشهد السياسي بعد سقوط البشير. ولكن التحدي الأساسي الآن هو كيفية حفاظ القوى الثورية على وحدتها لإكمال التغيير المنشود. أما إلقاء فصيل اللوم على ثانٍ مثله مع اتخاذ خطوات سلبية ضد الحكومة التي أنجبها ضعف حيلة التحالف الجبهوي فهو نوع من الهروب من المسؤولية الجمعية.
في ظل التحديات الشرسة لحكومة حمدوك، وبطء حركتها، وتربص جهات محلية واقليمية لها، ينبغي دعمها لدواعٍ استراتيجية. وفي ذات الوقت يجب مواصلة نقدها بشكل بناء، وحريص، على إصلاح خطواتها حتى تعيد بناء الدولة. فاستسهال غسل اليد عن ما جرى، والوقوف في المنطقة الرمادية، يعزز فرص القوى الظلامية لإعادة الكرة، لإنتاج وجودها بشكل جديد، إن لم تستهدف تفجير البلاد بعدد من المؤامرات التي تقضي على الجميع.