* من هي الشخصيات الرسمية التي سيقابلها د. حمدوك؟ وهل في الأفق لقاء مع الرئيس ترامب؟

* الولايات المتحدة التي تستمد سياستها من البراغماتية تنتظر المسؤول السوداني لتسمع منه ما يجعلها تطمئن على مصالحها في البلاد، والمنطقة بأثرها

* هل يسعى حمدوك للبناء فوق نتائج زيارة البدوي التي ركزت على الجوانب الاقتصادية وزيارة وزيرة الخارجية على ما يتصل بنزاع إقليمي؟

* كيف نقرأ التصريحات الامريكية الإيجابية والوعود بأنها ستدعم التغيير الجديد نحو الديموقراطية، ولماذا التأني في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟

* في انتظار حمدوك ملف يتعلق بإدارة العملية السلمية في مناطق النزاع مع هشاشة الوضع الأمني السوداني الذي أدى إلى تصنيف البلاد ضمن قائمة الدول الأكثر فشلاً

* محددات القرار الأمريكي تتعلق بالمشرعين في الكونجرس، وتقارير التقييم لطاقم الخارجية، ووكالة الاستخبارات، والمراكز البحثية التي تعين التنفيذيين في واشنطن بما ينبغي أن يكون عليه التوجه نحو السلطة السودانية الجديدة

يترقب السودانيون الزيارة التي يزمع رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك القيام بها لواشنطن مطلع ديسمبر القادم للتباحث مع دوائر القرار الأميركي حول الملفات الساخنة المتصلة بعلاقة البلدين. وتأتي الزيارة في خضم تحديات جمة تواجه حكومته، أو بالأحرى السودان كله. فمن جهةٍ تمثل الزيارة، الأولى من نوعها لمسؤول قيادي كبير سوداني للعاصمة واشنطن بعد انتهاء حقبة نظام الحركة الإسلامية، الذي ترنح وسقط تحت ضغط مظاهرات الثوار الذين فرضوا نظاماً سياسياً جديداً يقف حمدوك على رأس سلطته التنفيذية. ومن ناحيةٍ أخرى فإن الولايات المتحدة التي تستمد سياستها من البراغماتية المعززة بالحيل السياسية تنتظر المسؤول السوداني لتَسْمَع منه ما يجعلها تطمئن على مصالحها في البلاد، والمنطقة بأثرها. ومن جهةٍ ثالثة سيحاول حمدوك ـ ولا بد أن يفعل ـ التركيز على قضيتين أساسيتين تتعلقان باقتصاد بلاده، وكذلك قدرتها على تجاوز التصنيف الأميركي الذي وضعها في قائمة الدول الراعية للإرهاب. أما القضايا الأخرى المتعلقة بالسلام، فإن واشنطن حتماً ستطرحها على طاولة المفاوضات مع المسؤولين السودانيين المرافقين، خصوصاً أنه كان لدى الولايات المتحدة اهتمام بالغ بأمر الأمْنِ في البلاد، وساهمت في دعم اتفاق السلام بين الشمال والجنوب، وكذا لديها اهتمامها بأمرِ السلامِ عند مناطق النزاع في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق.
قبل الزيارة المرتقبة، زار واشنطن ثلاثة وزراء من الحكومة الجديدة هم وزير المالية، ووزيرة الخارجية، ووزير الري والموارد المائية. وبالتالي سيسعى حمدوك للبناء فوق نتائج تلك الزيارات في تواصلها الخفيض مع تنفيذيين أمريكيين. وبالرغم من أن زيارة د. إبراهيم البدوي ركزت على الجوانب الاقتصادية فيما ركزت زيارة الاستاذة أسماء محمد عبد الله ود. ياسر عباس على الجوانب المتصلة بالنزاع حول مشروع سد النهضة، إلَّا أن زيارة حمدوك تعد رسمياً أولى الخطوات بين البلدين لبحث هذه الملفات وغيرها التي تربط علاقتهما.

* هنالك وعود وتأنٍ في تنزيلها، لماذا؟

الحقيقة أنه في كثير من التصريحات التي بدرت من الحكومة الأميركية حول التعامل الدبلوماسي مع السودان بعد مثول الوضع الجديد، لاحظنا أن ثمة وعوداً أميركية كثيرة بأن واشنطن ستدعم التغيير الثوري الجديد نحو الانتقال للديموقراطية. ولكن في ذات الوقت لاحظنا وجود تأنٍ فيما يتعلق برفع العقوبات الاقتصادية كليةً، وكذا رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وليست هناك دهشة لموقف إدارة دونالد ترمب إذا فهمنا أن الولايات المتحدة خسرت ـ عند استهلال السلطة السودانية الجديدة تنفيذ الحكم المدني ـ تعاون النظام السابق الذي كان حليفا للإدارة الأميركية في ما يتعلق بمسائل الأمْنِ القومي الأميركي المتمدد حتى غابات وصحاري المنطقة. إذ تُمَثِّل مساعي مكافحة الإرهاب بالتعريف الأميركي أولوية قصوى في الشرق الأوسط، والقرن الأفريقي، ومنطقة البحيرات العظمى، والحزام السوداني، فضلا عن أن الإدارات الأميركية لبوش، واوباما، وترمب، علقت آمالاً عريضة على دور سفارتها في الخرطوم بعد توسيع مهامها في الإقليم. وذلك حتى تكون قادرة على مراقبة الوضع عن كثب في تلك المناطق أثناء فترة نظام البشير الذي كان قد أسهم في تعاون استخباراتي حيوي وكثيف، لصالح الجانب الأميركي في عقديه الأخيرين. بل كانت العقوبات الاقتصادية، والتجديد السنوي لوضع اسم السودان في قائمة الإرهاب يُمَثِّل عصا غليظة ترفعها واشنطن كلما تناءت حكومة البشير عن الاستمساك بالجزرة، أو عضها. ولهذا تأخر الدعم الأميركي لحكومة حمدوك الجديدة بحجة أن هذه الأمور تحتاج إلى إجراءات تتعلق أيضا بمداولات المجلسين التشريعيين، واستيفاء الاطلاع على تقارير التقييم لطاقم الخارجية، ومستشارية الأمن القومي، ووكالة الاستخبارات، والمراكز البحثية التي تعين التنفيذيين الأمريكيين بما ينبغي أن يكون عليه توجه ترمب نحو السلطة السودانية الجديدة.
الأمر الثاني في هذا السياق هو أن التغيير الذي حدث في السودان أفرز تأثير حلفاء الولايات المتحدة، خصوصا الإمارات، والسعودية، ومصر. وبالتالي لابد أن واشنطن تستهدي بتقارير استخباراتية، ومشاورات مع التنفيذيين في هذه البلدان المهمة بالنسبة لصانع القرار الأميركي، خصوصا أن التدخل السعودي ـ الإماراتي في إخراج التغيير يأتي من خلفيات تتعلق بالموقف من تحجيم تنظيم الإخوان المسلمين دوليا، وكذلك إيران، ومحاصرة أسد سوريا. ولذلك يُفْهَم تصريح وزير الخارجية الإماراتي الأخير بشأن مساعدة بلاده السودان في رفع العقوبات الأميركية في هذا المحور. وهذا يعني ضمنياً أن حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط يملكون الجرأة للتلويح ببعض المفاتيح في إعانة السودان في ترطيب علاقته بالولايات المتحدة، أو عرقلة التطبيع المأمول بين البلدين. وربما يلعب الخليجيون دوراً وراء حجاب للضغط على واشنطن في هذا الاتجاه، وتطمينها بضرورة عون السودان اقتصادياً، على النحو الذي فعلوه مع حكومة حمدوك، إذ قال وزير المالية السوداني إن البلدين سيضخان نحو ثلاثة ملياراً لدعم حكومة بلاده خلال الانتقال.
ويبدو أن الإمارات والسعودية، اللتين ألقيتا بثقليهما الاقتصادي تجاه السودان، يعضدان استراتيجيتهما الجيوسياسية عبر امتلاك مصلحة في استقرار الوضع الجديد. ولكن كيف يتماشى موقف الدولتين هذا مع تردد الحليف الأميركي في دعم سلطة حمدوك التنفيذية وسُلْطَة عساكر السيادي كما بدا خلال الثلاثة أشهر التي تم فيها تجديد وضع اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب؟ قد يبدو أن حمدوك الذي زار الرياض، وأبو ظبي، بعد عودته من نيويورك قد حث الدولتين لدعم السودان في هذا الاتجاه، وإن لم يفعل فربما طرح عليهما الإمكانية لفعل ذلك في محاولة لاستقطاب حكومته مثلما فعلا إزاء المكون العسكري في السيادي.

* مناطق النزاع، ولقاء في المكتب البيضاوي إشارة لها ما بعدها:

الملف الآخر الذي سيُفْتَح أمام حمدوك سيتعلق بإدارته العملية السلمية في مناطق النزاع في ظل التخوفات الاميركية المستمرة من هشاشة الوضع الأمني السوداني ما أدى إلى تصنيف البلاد أكثر من مرة ضمن قائمة الدول الأكثر فشلاً. وربما رأى خبراء أمريكا المعنيون بالنزاع السوداني ـ السوداني وجود تمظهرات عديدة لمراكز السلطة بعد الإطاحة بالبشير الذي كان يمسك سياسياً بمركز البلاد، ودانت له السيطرة أمنياً في مناطق النزاع بعد تكوينه مليشيات الدعم السريع. ولعل الإدارة الجمهورية برئاسة ترمب، والتي ظلت تتقفى أثر إدارات أميركية سابقة لدعم قضايا مناطق النزاع سوف تنظر بعين التفحيص إلى خطة حمدوك، والمكون السيادي، إزاء وضع حد جاد للتنازع التاريخي بين مركز السلطة السودانية وأطرافها.
هذا الملف يجد أولوية قصوى لدى الإدارة الأميركي لكونه متصلاً بمصالحها القُطْرِيَّة في المنطقة. فمن جهة ترى الولايات المتحدة أن الحالة السودانية لها درجة من الخصوصية الأمنية، وذلك لتأثيرها الكبير في دول الجوار كما دَلَّت تجربة الثلاثة عقود الأخيرة. فإذا وضعنا في الحسبان الدور الأمريكي القوي في سريان اتفاقية السلام الشامل ثم انفصال الجنوب السلس، وكذلك دورها في إنجاز سلام أبوجا، والدوحة، وتأثيرها في المفاوضات السابقة حول المنطقتين في أديس أبابا، فإن الولايات المتحدة ترى أن استقرار الحالة السودانية يحتاج لتسوية بأي ثمن ـ كما حاولت واشنطن سابقا ـ حتى لا ينفرط عقدها ثم تلقي هذه الحالة - لاحقا - بظلالها السالبة على أمْنِ المنطقة، وهذا ما كان يخيف الأمريكان من غياب البشير، انطلاقا من حسابات استراتيجية خاطئة اعتمدتها الخارجية الاميركية، وضغطت بها إدارتي اوباما، وترمب.
واضح جداً أن حمدوك الذي يعد الآن جيداً لهذه الزيارة المهمة يملك عقلية براغماتية مَرِنَة. ولكن المشكلة الوحيدة التي تقف أمامه هي كيفية تسويق ما يقبل به من شروط أميركية للأطراف المعنية في السلطة الانتقالية. أضف إلى ذلك أن الأمريكان يدركون تعقيدات صنع القرار الحكومي السوداني، وكذلك تعقيدات القبول به على مستوى قاعدة الحكومة غير المتآلفة ايديولوجياً، وسياسياً. ولهذا ربما تفرز نتائج الزيارة مواقف جديدة لحمدوك في إعانَةِ براغماتيته بقرارات ثورية ضد الدولة العميقة، وتوابعها الاقتصادية في القطاع الخاص، خصوصا أن المصادر أشارت بعد زيارة وزير المالية السابقة لواشنطن إلى أن هناك تخوفات أميركية حقيقية من وقوع الدعم الأمريكي بعد رفع العقوبات في أيادي ممثلي الدولة العميقة، وشركاتها عابرات القارات التي قد تحصد النتيجة. ومهما تكن درجة تحقق تلك التوقعات فإن واشنطن لا تجد حرجا في التحجج بكل شيء يدعم مصالح براغماتيتها التي تخفيها بطرق متعددة. ولعل حمدوك يعرف صحة هذه الفرضية جيداً من خلال خبرته السابقة في التعامل مع المنظمات الدولية التي لا يمكنها تجاوز أهمية إرضاء الولايات المتحدة.

* حول البعد الاقتصادي لزيارة حمدوك لواشنطن:

ليس لدى حكومة حمدوك، بل السودان جميعه، من حلول اقتصادية عاجلة تتجاوز الدعم الدولي الذي يسهم في استقرار سعر الصرف، أو ميزان المدفوعات، أو توفير المشتقات البترولية. صحيح أن هناك بدائل اقتصادية قوية طرحها اقتصاديون إلَّا أنها تتطلب مُضي وقت ليس بالقليل لتدعيم الواردات للخزينة العامة. ومن هنا فإن البعد الاقتصادي لزيارة حمدوك لواشنطن يكتسب أهميته في ظل تلويحات وزير المالية وحمدوك نفسه برفع الدعم في حال رضا الشعب السوداني. ولا بد من التذكير بأن واشنطن التي تملك مفاتيح العون الاقتصادي، والإنساني العالمي، يمكن أن تسهم في إنجاح إدارة حمدوك للفترة الانتقالية إن رغبت. فالثابت أنه بمجرد رفع الأمريكان الحذر فإن هذا يمثل فرصاً للسودان للاستفادة من دعم البنك الدولي وصندوق النقد، بالشروط التي حددها حمدوك نفسه في أول خطاب له للأمة السودانية حين عاد للبلاد.
من المؤشرات الأولية أن اجتماع حمدوك بترمب، إذا تيسر عقده في البيت الأبيض بواشنطن، فإنه يمثل بادرة بشارة لدعم حكومة السودان. فاللقاء في المكتب البيضاوي إشارة تقليدية تدل على أن الرئيس الأميركي السائد يولي اهتماماً خاصاً لزائره. والزائر هذه المرة محمل بأمنيات شعبه، وهو الراغب للتَطْبِيع مع المجتمع الدولي بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية، وضياع الفرصة السودانية في توظيف العلاقات الدولية لصالح تنمية البلاد سياسياً واقتصادياً.
على المستويات الأخرى للسلطة الأميركية فإن رئيس الوزراء السوداني سيكون على موعد لتلبية طلبات للتحدث في الكونغرس، وبعض المراكز البحثية، وبيوتات مؤثرة لضخ الأفكار، مثل المجلس الاطلنطي الذي وزع رقاع الدعوة للقاء. وحتما ستهرع الميديا الأميركية نحو حمدوك لاستطلاع رأيه حول عدد من الموضوعات التي تشغل بالها.
ومن المتوقع أن يكون ضمن جدول أعمال حمدوك مخاطبة السودانيين المقيمين في المنطقة للحوار حول معضلات الفترة الانتقالية. والحال هكذا فإن رئيس الوزراء السوداني الآتي من خلفيات اقتصادية دولية سيضع في الحسبان وعدا بأن تمهد اجتماعاته الأمريكية للقاء مثمر بمسؤولين في البنك الدولي وصندوق النقد، عقب اللقاءات التي أجراها وزير ماليته مع كبار المسؤولين في المؤسستين الماليتين الدوليتين.
على أن التقاء براغماتية ترمب اليمينية ذات التوجه المالي ببراغماتية حمدوك ذات التوجه الليبرالي اليساري لا مناص من أن تمنح السودان دوراً جديداً لتعزيز ديمقراطيته الوليدة في المنطقة، وتجعله شريكاً مهماً للأمن والسلم الدوليين وفقا لمقتضيات اللعبة السياسية الكوكبية. وبالعدم فإن تَخَيُّر أي دروب أخرى ذات توجهات أيديولوجية سيعمق أزمة الانتقال السوداني نحو الديمقراطية. بل ولا توجد ضمانات لسلامة التوجهات المعاكسة لتيار الليبرالية الغربية، خصوصاً بعد أن صارت أصولية السوق الحر هي الأعلى ضجيجاً في حقل العلاقات الدولية.
حمدوك، كونه خبيراً اقتصادياً بمجريات هذا السوق العالمي، وسره الذي يكاد يتحول لأيديولوجيا في مقابل الأيديولوجيات اليمينية واليسارية القديمة، ليس أمامه، وهو يبحث مع الأمريكان ملفاته التي يحملها ـ وهناك ملفاتهم الجاهزة ـ سوى الإذعان لشروط أميركية لرفع العقوبات، وإزالة اسم السودان من القائمة التي تضمه مع دول مارقة. غير أن نُقَّاد حمدوك الكُثُر، والذين تتنوع خلفياتهم الأيديولوجية، وتشغلهم الآن كيفية تحقيق أجنداتهم في الفترة الانتقالية سوف يجدون في ما يتفق حوله حمدوك مع الأمريكان، مادة خصبة لدفع حججهم الصاخبة، والهادئة، وحتى المكشوفة.
لا ريب أن النتيجة المهمة الأولى لهذه الزيارة أنها قد تفرز أقوى دفعٍ لترسيخ الديموقراطية حتى وإن لم يجعلها التشريعيون والتنفيذيون في واشنطن، سبباً جوهرياً لدعم الوضع الجديد في البلاد. عدا ذلك فلنصل لله أن ينخفض سعر صرف العملة الأميركية مقابل رصيفتها السودانية، وأن يملأ خزينتنا بالدولار بعد انقضاء أجل زيارة حمدوك لواشنطن.
* نقلا عن صحيفة (الوطن)