منذ حين يحاول زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي اللحاق بالوتيرة الثورية المتصاعدة فيفشل في الوصول إلى مرحلة الاندماج مع أهدافها الجوهرية. ولاحقًا يسعى المهدي لتجيير الوضع الجديد الذي أفرزته الثورة لصالح خطاب حزب الأمة بسياسات مناوئة، ولكن هيهات. 

فسودان اليوم ليس هو سودان الستينات، أو الثمانينات، على أقل تقدير، إذ تراجعت فيه آثار زعامة الحزبين التقليديين، شاء المريد أو أبى، وهذه سنة الحياة.
فلو درس الإمام أسباب رفض قادة الحزب الستة الإذعان لنداء التنظيم بانسحابهم من تعيينات الولاة لأدرك الفرق بين نفوذ صادق "الوعد الإسلامي" في الديموقراطية الثالثة ونفوذ صادق "العقد الاجتماعي" في ديموقراطيتنا الأخيرة هذي.
فمنذ "خطاب البوخة" كما درجت على اصطلاحه قوى الشباب الثوري الغاضب على الزعيم حاولت بتأنٍ تأمل خطوات الزعيم الثمانيني في مسار منعرجات الثورة، وهي تتخلق لتحقق بعض مدنيتها. وهناك على طرف المسار الثوري يتذبذب الزعيم بتصريحاته ضد حلفائه حتى خرج عليهم. ولقد تفاديت التعجل في فهم الزعيم حتى توصلت إلى نتيجة مفادها أن قراءاته للواقع السوداني الجديد إما قاصرة، أو أنه يفهم مصباته، وبالتالي يتعمد ضبط هذا الواقع من موقف متعالٍ بوصاية بائنة، والاحتمال الثالث - وأرجو ألا يكون صحيحا - وهو أنه عرف عجزه في فهم وضبط واقعنا السياسي شديد السيولة، وبالتالي يريد فقط عرقلة مسار الانتقال ما دام هو غير قادر على قيادة الدفة.
وفي كلا الحالتين ليس هو مؤاخذ البتة. فأي زعيم سياسي هو مجتهد بالضرورة في تنفيذ أجنداته الايدولوجية، أو البراغماتية، أو الشخصية حتى. ولكن تأتي المؤاخذة على محاولة المهدي تلفيق التهم المجانية في المكونات السياسية وربطها بالخارج لدواع خبيثة، وهو أكثر زعيم راهن على الدعم الخارجي حتى أتى يوما غازيا البلاد بسلاح ليبي. والمؤاخذة الثانية على اتخاذ موقف ضد حق العلمانيين في عقد تحالفاتهم لتحقيق أهدافهم ديموقراطيًا، وهو يدرك من خلال معارفه الوسطية أن العلمانية هي جوهر حكم عشرات الدول الإسلامية المتقدمة. والمؤاخذة الثالثة على مغازلته للإسلاميين بخطاب عاطفي، وتوج ذلك باجتماعاته معهم لخلق الاصطفاف الديني، وهو يدرك أنه ليس هو الأفضل تأهيلًا في الخلق الديني عن الآخرين ومزايداته بأنه أكثر الناس حفظاً لبيضة الدين يكذبها واقع قبوله تكريم البشير نفسه في وقت تتعرض قرى أنصاره في دارفور، وكردفان، لقصف الآلة العسكرية للنظام السابق، بل هو الذي هدد بالدفاع عن البشير في حال تسليمه المحكمة الجنائية الدولية آنذاك.
أما المؤاخذة الرابعة على مناجاته الجيش للاصطفاف معه بما يعني ذلك أنه غير واثق بأن خطابه السياسي سيهزم الخطاب العلماني، ولذلك يتنكر لحجج الديموقراطية بتفضيل الاستعانة بحميدتي، أو البرهان، أو دعم (الخارج العربي الإسلامي)، كما اتضح كل هذا في خطاب العيد، والذي جاء تحشيديا على نسق خطابات الحزب في الستينات تحديدا.
إن الصادق المهدي يطرح نفسه ديموقراطيًا منذ نعومة أظفاره، ولكنه حتى الآن يستبطن عداء محكمًا لأي حزب يتبنى خطابًا علمانيًا، وكأنه يصدر من موقف متوصٍ لما ينبغي أن تكون عليه حرية الفرد، او الجماعات في وطن التعدد، وفي عصر الحريات. فالدعوة إلى تطبيق العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة حق مكفول للفرد والجماعات، ولا يجرمها قانون، مادامت الدولة نفسها أقرت هذا الحق، ونظمت نشاط الأحزاب، وساوت في حقوق دعواتها. بل إن الإله نفسه أعطى الفرد حريته لأن يكفر، فكيف لزعيم يدعي الديموقراطية أن يهدد بالتصدي للتيارات العلمانية حتى لو دعا الأمر عون القوات المسلحة والإقليم الحضاري. إذن ما جدوى الديموقراطية لو أنها تفرض فقط على الأحزاب تبني النهج الإسلاموي الذي يريده المهدي حكما للبلاد؟، وما جدوى التحالف مع الحزب الشيوعي في كل مراحل العمل السياسي إذا كان المهدي يستعين به في كل تحالفاته بينما يسعى لتلطيخ سمعته لاستبطان خطاب لاهوتي يقوم على العداء نحوه كلما حدث التضارب في الرؤيتين السياسيتين؟.
إن اتفاق الحركة الشعبية، جناح الحلو، وتجمع المهنيين السودانيين حول فصل الدين عن الدولة هو عمل سياسي في المقام الأول. والتنظيمان عبرا في أدبياتهما عن هذا الفصل دون أن يملي عليهما أي طرف خارجي. ولعل شكل ومضمون ذلك الاتفاق لا يختلف عن الاتفاقيات التاريخية التي عقدها المهدي مع الحركات المسلحة. وقد كان أبرزها مع الحركة الشعبية، إذ كان الاتفاق صريحا حول فصل الدين عن الدولة. وقد وقع حزب الأمة بقيادة المهدي على هذه العلمانية مع قوى التجمع الوطني، فلماذا يمنع المهدي الآخرين من تقفي أثر أدبياته السياسية التي لم يراجعها، أو يتنصل منها حتى الآن؟، وهل اتهم أحد الصادق يومها بأن اتفاق اسمرا كان مدعوما من الأصولية المسيحية بالغرب أم أن الاتفاق أملته ضرورات التعايش السوداني وفق قناعات الموقعين؟.
إن المهدي يعلم تماما أن القوات المسلحة ينبغي أن تكون على مسافة من القوى السياسية أثناء مرحلة الانتقال، ولكن أن يدغدغ عواطف قادتها بأنه في الموقف الصحيح لحماية الإسلام، وينبغي عونه يتطابق تماما مع خطاب الفلول الإسلامويين. بل إن معظم خطاب العيد هو في الأصل دعوة للاصطفاف الديني ولكن من ضد من، ومن مع من؟
إن الملاحظ في خطاب المهدي، وسعيه السياسي، أنهما يصدران عن انفراد دون قاعدة حزب الأمة، وقد استبان هذا في عدم مشورة الولاة الستة في الانسحاب، وجاء الرفض ليؤكد أصالة موقفهم من دعم الثورة، وهي تسعى لإكمال هياكلها. والحقيقة أن مواقف قاعدة الحزب ومعظم قادته مشهودة بالنضال ضد النظام السابق، وكذلك ظل دعمها للثورة في كل مدن وقرى البلاد معلوما للقاصي والداني، ولذلك استجابت قاعدة الحزب في الولايات لقرار قبول أبنائها المسؤولية بينما خسر المهدي قادة الحزب، وقواعده هناك، في محاولته إفشال مهام الثورة رغم أن حزب الأمة أخذ نصيب الأسد في التعيين الولائي.
إن محاولة المهدي لتحقيق الاصطفاف العقائدي عبر خطاب العيد تصب ضمنيا في مجرى أهداف الفلول بلا أي شك، ولذلك فإنه بهذا يعزل الحزب عن النضال الملحمي للتخلص من تركة الدولة الدينية للحركة الإسلامية من أجل خلق دولة المواطنة التي تفصل الدين عن الدولة بذات المعاني التي وقع عليها الصادق المهدي في أسمرا، أصالة عن نفسه، وليس إملاءً من مادلين أولبرايت.