أي اتفاق لوقف العنف في العمل السياسي مطلوب في هذه المرحلة الدقيقة من عمر البلاد. فالبديل هو تشجيع المحاربين للاستمرار في طلب السلطة عنوة، أو تشجيع الدولة لسحقهم. ولعل تاريخنا بعد الاستقلال كله كان قد تميز بالحرب ضد الدولة، وفي ذات الوقت تهديد حياة المواطنين في مناطق النزاع، وتعريضهم للخطر. وأهلنا في الجنوب السابق، وفي مناطق النزاع الحالية، ظلوا يدفعون باهظ الثمن للكفاح المسلح. وبالتالي فقدوا أرواحا عزيزة، وأراضٍ، وثروات، وضُرِب وئامهم، وتصعبت عليهم إجراءات الإنتاج الزراعي، والحيواني، ذلك الذي يسهم في ترقية، حياتهم، من جهة، ودعم الناتج القومي، من الجهة الأخرى. 

على أن عملية السلام الجزئية هذه تبدأ بعد التوقيع على الأحرف الأخيرة. ولهذا تكون الجدية في تنفيذها هي الأهم، والمحك، والحلم. بل إن التنفيذ الدقيق لبنود سلام جوبا سيسهم في تسهيل مهمة المفاوضين الحكوميين لاحقا، والذين لا بد أنهم سيعدون العدة للحوار مع الحلو، وعبد الواحد، للبناء فوق ما تحقق. ذلك حتى يكون السلام الشامل قد أسكت صوت البندقية، ثم نكون بعدها قد فارقنا مرحلة الحرب، وخطونا جميعا نحو تحقيق العدالة، والمصالحات، وتعويض المتضررين من مآسي، وأهوال السلاح، وذلك لأجل تسنيد البناء الديموقراطي.
هذا على مستوى الرؤية النظرية.
ولكن على المستوى العملي لا يمكن تحقيق السلام دون مخاطبة الجذور الحقيقية التي أوجدت الحرب. وسلام جوبا - برغم أنه خطوة يشكر عليها وفد الحكومة، ورفاق الكفاح المسلح، ودولة جنوب السودان - ركز على تلبية المطالب، وأخفق في مخاطبة أمور كثيرة توجد ذلك السلام الشامل المأمول.
ولا نخال أن استدامة السلام تتم فقط بالاستجابة إلى تلك المطالب المتعلقة بنخبة الكفاح المسلح، ورفقائهم، وأهالي مناطقهم. فموروث الحرب تغذى بغياب عدالة الدولة، وإهمالها الفقر التنموي لجغرافيات معينة، وتجاوز مفاهيم المساواة، وغمط الحقوق الثقافية والدينية، وغياب الديموقراطية، وتعمق الفساد في القطاع الخاص، ووجود جذور عميقة لسياسة المحاباة التي شكلتها العلاقات العامة للنخب المركزية والإقليمية، وتجاهل التحديث في البنى الفكرية والإعلامية، إلخ.
الحرب وحدها ليست لعينة بلا شك. فاللعينون هم الذين يحضرون حطبها عبر سياسات تكرس الظلم، والاستبداد، والاستعلاء الديني، والإثني. ومتى ظلت مسببات هذا الظلم ميسم الدولة فإنها لن تهنأ بالاستقرار، والسلام، والتسامح. ولذلك دعونا لا نستيأس من الدعوة للسلام الشامل في بلادنا، وتشجيع كل خطوة تضع السلاح أرضا. فما دامت الثورة قد أتت بشعار "حرية، سلام، وعدالة" فإننا نعيد ما كتبناه من قبل بـأن الكفاح المسلح قد انتفى وجوده الآن، إذا كان من الممكن تحقيق المطالب بالكفاح المدني على النحو الذي حققه الشعب السوداني، وهزموا به أعتى الديكتاتوريات في عالمنا المعاصر.
إن ما يجعلنا نقدر خطوة السلام التي تحققت في جوبا هو أن أهلنا في مناطق النزاع، وخصوصا النازحين واللاجئين، والمعاقين بدنيا، ونفسيا، بسبب الحرب، والذين انتزعت أراضيهم، لن يروعوا أمنيا بأهوال الحرب مرة ثانية بتلك الكيفية التي امتدت لنحو عقود. بل سيجد هذا النفر من الأهل في السلام فرصا لجبر الضرر، والاقتصاص لمظلماتهم، وفوق كل هذا لن يتعرض وجودهم لسياسات الإبادة، أو تقصف قراهم بالطائرات، واجتياحها بالدبابات وسلاح الهاون، والخيول، والجمال.
ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. فمن يفاوض يعني أنه سيتنازل هنا، ويكسب هناك. والقبول بالتفاوض - أصلاً - يعني انهزام الرغبة تماما في تحقيق كل الخيارات بالقوة. ولكن ليكن التوقيع على السلام مع الحركات المسلحة فرصة للاعتماد على سبيل التفاوض وسط السودانيين ليتنازلوا هنا وهناك بدلا عن استخدام العنف، والاستبداد، في إدارة شؤون الدولة، وأيضا في التعامل معها. ولعل هذا هو عصر الجماهير التي تملك فيه سلاحا سلميا قويا لإنجاز أحلامها مهما طال ليل البغاة السلطويين. ومشوار الميل يبدأ بخطوة. ولا ننسى مطلقا أن الحوار في زمن الديموقراطية هو الوسيلة الأسرع لتفادي الحرب، ولذلك فالرهان الآن يتم على قدرتنا على القطع مع زمان العنف، والاستبداد، واعتماد حراك، وجدل الديموقراطية، والثقة في قدرتنا كسودانيين على مخاطبة كل الجذور التاريخية، والآنية، لغياب الاستقرار في الدولة. ونأمل أن تسفر المفاوضات المقبلة مع الحلو، وعبد الواحد، عن تقدم لاستكمال خطوة جوبا، والتي أكدت أن قلب الإخوة الجنوبيين ما يزال ينبض بمحبة كبيرة لوطنهم الأم. ولا نعتقد أنه سيكون هناك منتصر، أو مهزوم، في نتيجة هذه المفاوضات، وما يتبعها، ما دام السلام سيرفرف فوق ربوع البلاد عند خاتم المطاف.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.