ربما تيسر لنا أن نحتفي بأعياد استقلال السودان بصورة مُغايرة ، فنحن نتلمس الحسّرة على الحاضر ، تُطلّ بأحزانها على الجميع ، مما ترك البعض يكفرون حتى بالاحتفال بالإستقلال . وبعضهم يشعر بعدم المُبالاة لما يحدث الآن. ولكن ذلك لن يمنعنا من مد جسورنا مع أبطالنا في التاريخ الوطني ونحتفي بذكراهم .

كتب الشاعر الدكتور " مبارك بشير سليمان " قصيدته التي لحّنها المبدع " محمد عثمان وردي " وغنّاها في بداية الدقائق الأولى من بعد الساعة الثانية عشر مساء، عند دخول اليوم الأول من يناير 1982. وبقيت مشهورة بسبب الأغنية الوطنية . نذكر بعض أبياتها الشِعرية :

نذكر الآن جميع الشهداء
كل من خط على التاريخ سطراً بالدماء
نذكر الآن جميع الشرفاء
كل من صاح بوجه الظلم لا لا
نحن أبناؤك في الفرح الجميل
نحن أبناؤك في الحزن النبيل
ونغني لك يا وطني كما غنى الخليل
مثلما غنت مهيرة تلهب الفرسان جيلاً بعد جيل ...
ونغني لحريق المكي في قلب الدخيل ...
للجسارة حينما استشهد في مدفعه عبد الفضيل

(1)

قامت مظاهرات في أم درمان والخرطوم والخرطوم بحري وبورتسودان ودنقلا وسلسلة إضرابات في مدني وعطبرة وبورتسودان ، خلال ثورة 1924. اختلف كثير من السودانيين حول وسائل التخلّص من الاستعمار . بعضهم نادى بالإستقلال . وبعضهم فضّل النضال تحت شعار وحدة وادي النيل مع مصر، فقد كانت " مصر " شبه مُستعمرة بريطانية ، بعد أن ارتفعت مديونيتها على البنوك منذ أواخر القرن التاسع عشر، الأمر الذي أسهم في تنازل مصر من سيطرتها على قنال السويس لبريطانيا ، ويأتمر قصر ملكها بواسطة الإنكليز في القاهرة .

(2)

اختلفت الفئتان ، فالفئة التي طالبت بالاستقلال ، كانت ترى أن الإستعمار الإنكليزي أفضل من شريكه الضعيف مصر . وأن الإستعمار قد نفذ بنية تحتية لسكك حديد السودان ، تربط أطراف الوطن المترامي بحوالي 5500 كيلومتر من خطوط السكك الحديدية من "الخرطوم" إلى "عطبرة" ومنها إلى "بورتسودان "، ومن "عطبرة "إلى " أبوحمد " ثم "كريمة" ، ومن "أبوحمد"إلى "حلفا" .ومن "الخرطوم" إلى "مدني" و" سنار "و"القضارف" و"كسلا" إلى "بورتسودان" . ومن "مدني" إلى " سنار " و "الأبيّض "حيث مركز الصمغ العربي العالمي. وأنه في ذلك الوقت بصدد تنفيذ أكبر مشاريع الري الانسيابي في العالم ، وهو "مشرع الجزيرة " حيث مددت خطوط السكك الحديدية من " سنار" إلى " الدمازين ". وأنه أقام ميناء" بورتسودان" بديلاً عن ميناء "سواكن" التقليدي المحدود ، وذلك عبر مناقصة عالمية، للتمهيد لربط مناطق الانتاج بميناء الصادرات. وأن الاستعمار الانكليزي ، نقل القرى السودانية من البيوت العشوائية والطرقات الضيقة المُتعرجة ،إلى تخطيط ملكيات الأراضي ، وتمديد الطرق ووضع مقاييس لها . وحدد بواسطة مسّاحيه حدود السودان مع جميع الدول عدا "مصر". هذا العمل القسري الدءوب من قبل المستعمر الإنكليزي ، هو الذي دعى رائد " المهدية الجديدة " السيد " عبد الرحمن المهدي " في مُقبل أيامه أن ينادي بأن السودان في حاجة لبقاء الإنكليز مدّة أطول لتطوير المجتمع السوداني ، وللتعلم من الإنكليز .

(3)

قامت أيضاً حركة من فئة ثالثة منظمة أسّستها العناصر الأفريقية ثقافة وعرقاً . وهي تختلف عن الفئتين اللتين ذكرنا ، تنادي بأن في السودان قوميات وشعوب متنوعة أصلها إفريقي ، وليسوا أصحاب ثقافة عربية ولا أعراق عربية . وهم ضد الجماعات التي لا يهمها أمر تكوين وطن يضم أصحاب الثقافة الإفريقية المُغايرة . ولكن تلك الحركة التي بدأت أواخر أربعينات القرن العشرين ،تقلصت وتلاشت بسبب قلة عدد أفرادها في شمال السودان ، وهيمنة رؤى الفئتين اللتين سبق أن أشرنا إليهما .

(4)

كتب الأستاذ" حسن نجيلة " هذه الوقائع لإعدامات ضباط ثورة 1924، والتي طالت من بقي حياً نتيجة المعركة المسلحة التي خاضها الوطنيون في الخرطوم ضد الجيش الإنكليزي، وسقط من شهدائها الضابط" عبدالفضيل ألماظ " وكذلك سقط من الشهداء مجموعة قاتلت ببسالة. وقدم الأستاذ " حسن نجيلة " صورة حية مؤثرة لتلك الوقائع التي وردت في سفره القيّم "ملامح من المجتمع السوداني " ، فإلى تلك الصفحات حيث يأتي الحديث على لسان اليوزباشي" قسم السيد خلف الله " كالآتي :

{ في الفضاء الواقع بين ثكنات الجيش ووابور الماء ببري رأيتهم قد ركزوا أربع خشبات كل واحدة منها على شكل صليب . و عرفت في الحال أنها خصصت لإعدام زملائي الأربعة. واحتشد كبار الضباط البريطانيين في العاصمة و على رأسهم " هدلستون باشا " والذي أصبح فيما بعد حاكما عاما للسودان. كما حضر بالأوامر بعض الضباط السودانيين لحضور المشهد كل منهم يمثل بلوكا وهم الضابط المرحوم" أحمد عقيل" و المرحوم" بلال رزق" و"حامد صالح المك" و "عبدالله خليل " . و كلهم في أزيائهم العسكرية. وعلى بعد قليل من خشبات الإعدام رابط عشرون جندياً سودانياً من فرقة "السوراي" التي كانت ترابط في شمبات خلال الثورة حفاظاً على الأمن واستعدادا للطوارئ . وخلف هؤلاء الجنود رابطت قوة من الجيش الإنكليزي مدججة بالسلاح، وعلى أهبة الأستعداد للطوارئ، فيما بعد لو رفض جنود "السواري" إطاعة الأوامر أو أية احتمال آخر. و حوالى السابعة صباحاً جيء بالضباط الأربعة: " حسن فضل المولى " و "ثابت عبدالرحيم " و" سليمان محمد" و "على البنا" ، تحرسهم ثلة من الجنود البريطانيين ، شاهري السلاح بالسونكي وقد قيدت أيدي الضباط بالسلاسل. أما أرجلهم فكانت طليقة وقد أرتدى كل منهم حلّته العسكرية وعلى رؤوسهم قبعاتهم تحمل علامات فرق الجيش التي كانوا بها وعلى أكتافهم الدبابير التي تشير إلى رتبهم العسكرية .

كانوا يسيرون في خطى ثابتة ورؤوسهم شامخة عالية ،كأنهم يتحدون الموت وكانت أبصارنا تتبع كل خطوة من خطواتهم العسكرية الثابتة .وبودّنا أن نفتديهم من هذا المصير الرهيب!
وتقدم صول أنكليزي أسمه"جلبرت" من الضابط "حسن فضل المولى" أولاً و قاده إلى أول خشبة. ونزع عنه قبعته ثم جعل ظهره موالياً للخشبة ،ثم مدد يديه خلف الخشبة ودلاهما إلى أسفل وربطهما عمودياً على الخشبة. وأخرج قطعة قماش كانت في جيبه وعصب بها عيني الضابط و لفهما بخيط رفيع ، ضمانا لتثبيت القطعة. كل هذا والضابط الشهيد البطل رابط الجأش مثلاً أعلى للثبات والرجولة ،لم يغير وقفته العسكرية ولم تختلج من جسمه قطعة، وكذلك كان كل زملائه مثل موقفه وشجاعته.وبعد أن تم ربط الضباط الأربعة على النحو المذكور وضع الصول"جلبرت" قطعة قماش سوداء مستديرة على القلب من جسم كل منهم ليصوب الجنود رصاصهم عليها.

واستعد الجنود لإطلاق الرصاص ،فإذا بنا نفاجأ بالصول الإنكليزي "جلبرت" يهرع نحوهم ويفك وثاق الضابط "على البنا "وينحيه بعيداً . حيث علمنا فيما بعد أن حكم الأعدام قد عُدل إلى عشر سنوات سجناً . وبقي الثلاثة الأبطال يرقبون لحظة تنفيذ الإعدام ، وهم أرسخ من الجبال ثباتاً ، لا حركة لا خلجة . وأطلقت كل مجموعة من الجنود رصاصها على الضابط المعني كدفعة أولى . وهرع الطبيب الأنكليزي إليهم وكشف عليهم فوجدهم مازالوا أحياء. وأعيد الضرب مرة أخرى بدفعتان من الرصاص فأستقر في جسد كل منهم عدد غير قليل من الرصاص. وفي هذه المرة وجد الطبيب أن أرواحهم الطاهرة صعدت إلى بارئها في رحاب جنانه الواسعة ،عوضا عن هذا الشباب الغض الذي وهبته راضية مطمئنة لوطنها. ولكن يشير الطبيب بأن الضابط " ثابت عبدالرحيم" مازال حيا. فيفرد أحد الضباط الأنكليز مسدسه ويصوبه نحو البطل وينهي حياته ببضع رصاصات من المسدس..!

وضعت جثثهم على لوري كبير كان معداً لهذا الغرض فيه عدد من الجنود و المساجين . حيث أعدت لهم مقبرة لدفنهم بدون أن يكون بجانبهم أحداً من ذويهم .وحُرِّم على أي شخص الإقتراب من تلك المقبرة والتي سويت مع الأرض ،إمعانا في أزالة أي معلم يخبر عنهم. وحرم على أهاليهم البكاء عليهم أو تلقي العزاء فيهم. و كان الجنود يطوفون بمنازل ذويهم ليتأكدوا بأن ليس هناك مأتم و معزون.}

عبدالله الشقليني
5 فبراير 2018


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.