ربما يتشكك كثيرون في موثوقية معرفتنا لما كان يحدث في التاريخ على إطلاقه، ومدخل وسائل تدوّين النصوص التاريخية. لن نرغب إعادة كتابة التاريخ، لأن تلك من رذائل أصحاب الهوى وأصحاب الأغراض الذين يرغبون تغيير التاريخ. وأفضل السّبل إلى دراسة التاريخ هو الإحاطة بما كان يجري في زمانه وفي مكانه. إن تدوين التاريخ يتعين أن يتخلّص من حبائل مكر أصحاب الشأن والسلطة من طرف أو المُحبين والكارهين من طرف آخر. لدينا مناظير متطورة لغربلة النصوص التاريخية، والخروج بمعرفة الحقائق قدر المستطاع. التزوير أمرٌ غلبت عليه عواطف الناس بعد مرور دهور على الأحداث. إن الدراسة النقدية تعوّدَها أصحاب إعادة معرفة حقائق التاريخ، ولكن تخليصنا من منظار الفلكلور وآليات مناهجه، ربما لم يعتاد عليها المُدققون عندنا.


(2)
في صلب آلية عمل الفلكلور، هو اكتشاف تضخيم ما نُحب وتضخيم ما نكره على السواء. فتبدو البطولة فيما يحبه الناس مُضخّمةً أكثر مما هي في الواقع الحقيقي، مع كثير من التحوير والتبديل. يضيف الناس لمنْ يحبونه الكثير من الأوصاف، وكذلك تنتشر الأخبار عمنْ يكرهونه، حتى تُحيل الواقعة التاريخية إلى شيء مُقارب للخيال، إن لم تكُن بالفعل محض خيال. إن آليّة النقل التاريخي لها القدرة على التغيُّر والتبدّل مع مرور الزمن، لأن النقل الحيادي لا يوجد في الواقع المُعاش، دعك من الواقع التاريخي. وهذه العيوب لصيقة بمعرفة الآخرين، إذ ينقلون به الأحداث المرويّة، دون التزام الدقّة والحيطة اللازمة، فما بالك بمنْ يهوى أو يكره!. كانت الإضافة سلباً أو إيجاباً، هو المنهاج الغالب لمعرفة التاريخ ودراسته من منظار فلكلور الشعوب. وهو عيب يتعين التخلّص منه.


(3)
مما أسلفنا نعلم أن آلية عمل الفلكلور، قد صارت واحدة من وسائل النقل عن الوقائع التاريخية، وعليه فنحن في حاجة ماسة لمعرفة طرق ووسائل تضخيم وقائع التاريخ حتى نتخلّص منها، لاسيما عندما يتعلّق الأمر بتاريخ المُقدّسات، فإن تضخيم الواقع من طرف المؤمنين به أمرٌ لا مفر منه. بل يصبح التاريخ الذي يكتبه المُعتقدون في المقدّسات أو الشخوص الذين كانوا على علاقة بالمقدّسات، أكبر من خيالنا، ونصطدم دون أن نتحسّب بالمعتقدات، كأننا قد وقفنا ضدها. وقد نصبغ على بعض الشخوص من أبطال القصص التاريخية شيئاً من وهج القداسة وإضاءاتها، كثيرة هي أم قليلة. يهاب المدققون من نبش تاريخ الموضوعات المُقدّسة، فهم ينفضون أيديهم عن الدراسة والنقد والتحليل الذي غايته الخروج بمعرفة الحقائق، لأن التدقيق يخيف الذين يرغبون خوض معارك ضد الذين يؤمنون بالمقدّسات، فيدخلون معارك سوء الفهم، وليس من السهل عليهم دخولها. وبناء على ما تقدم، نقوم نحن بنقل مقتطفات من روايتين تاريخيتين، ونترك للقراء استخلاص العِبر والرأي، بعد أن تغيّر الحال. وبدّلت أمورالحكم والسياسة نقاء الأفراد، والتباس الحق عليهم.

وخيراً فعل أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" عندما حظر على صحابة رسول الله أن يُغادروا المدينة المنوّرة، خوف أن يفتتن بهم الناس في الأمصار البعيدة.
نورد هنا خبرين: أحدهما عن تسامُح "عبدالله بن عباس" مع الشِعر والشعراء
، والآخر عن تصرّفه في بيت مال "البصرة"، وقد كان مؤتمناً عليه.


(4)
أورد " أبو الفرج الأصفهاني " في كتابه الأغاني:
قال عمر الركاء: بينما ابن عباس في المسجد الحرام، وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه، إذ أقبل "عمر بن أبي ربيعة " في ثوبين مصبوغين مورّدين، حتى دخل وجلس، فاقبل عليه ابن عباس، فقال: أنشدنا، فأنشده:
أمِنْ آل نُعمِ أنتَ غاد فمُبْكر ... غداةَ غدٍ أم رائحٌ فَمُهَجَّرُ
حتى أتى على آخرها، فأقبل عليه نافع بن الأزرق، فقال: الله يا ابن عباس، إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد، نسألك عن الحلال والحرام، فتتثاقل عنا، ويأتيك غلام من مُترفي قريش فينشدك:
رأتْ رجلاً أماّ إذا الشمسُ عَارضتْ ... فيضحى وأمّا بالعشِي فَيَخْسرُ
فقال ابن عباس: ليس هكذا قال. قال: فكيف. فقال: قال:
رأتْ رجلاً أماّ إذا الشمسُ عَارضتْ ... فيضحى وأمّا بالعشِي فَيَخْصَرُ
فقال: ما أراك إلا وقد حفظت البيت. قال: أجل وإن شئت أنشدك القصيدة، أنشدكَ إياها. قال: أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها.
وفي غير رواية عمر، أن ابن عباس أنشدها من أولها إلى آخرها، ثم أنشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة، وما سمعها قط تلك المرّة صفحاً. قال: وهذا غاية الذكاء. فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قط. فقال: لكني ما رأيت أذكى من علي بن أبي طالب عليه السلام. وكان بن عباس يقول: ما سمعت شيئاً قط، إلا رويته، وإني لأسمع صوت النائحة، فأسدّ أذنيّ كراهة أن أحفظ ما تقول. قال: ولامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة ( أمنْ آل نعم ..). فقال: إنّا نستجيدها.
*
قال: أبي المؤمل: قام رجل إلى ابن عباس، فقال: أي الناس أشعر، فقال ابن عباس: أخبره يا أبا الأسود الدؤلي. قال: الذي يقول:
فإنك كاللّيل الذي هو مُدْركيّ ... وإن خِلْتُ إنّ المُنتأى عنك واسع


(5)
ابن عباس وبيت المال:
أورد الدكتور" طه حسين" في كتابه الثاني عن " الفتنة الكُبرى":
كتب الخليفة "علي بن أبي طالب" إلى عامله وابن عمه "عبد الله بن عباس " بعد أن كان عامله على البصرة، عندما أخذ من بيت مال المسلمين في البصرة ما يقارب الستة ملايين درهم لنفسه، وذهب إلى مكة ليعتكف بها، وقد كتب إلى الخليفة "علي بن أبي طالب" يستعفي نفسه:

{ أما بعد. فإني كنت أشركتُك في أمانتي، ولم يكُن في بيتي رجل أوثق في نفسي لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليّ. فلما رأيت الزمان على ابن عمِّك قد كَلب، والعدوَّ عليه قد حَرب ، وأمانة الناس قد خَرُبت، وهذه الأمّة قد فُتنّت، قلبتَ له ظهر المِجنّ!، ففارقته مع القوم المفارقين ، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، وخنتّه مع الخائنين. فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديّت، كأنك لم تكُن لله تُريد بجهادك، أو كأنك لم تكُن على بيّنة من ربّك. وكأنك إنما كنت تكيد أمّة محمد عن دنياهم أو تطلب غرّتهم عن فيئهم. فلما أمكنتك الغرّة أسرعت العدوّة، وغلظت الوثبّة، وانتهزت الفرصة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، اختطاف الذئب الأزّل دامية المعزى الهزيلة، وظالعها الكبير. فحملت أموالهم إلى الحجاز رحيب الصدر، تحملها غير متأثِّم من أخذها، كأنك، لا أبا لغيرك، إنما حزت لأهلك تراثك عن أبيك وأمك. سبحان الله ! أفما تؤمن بالمعاد ولا تخاف سوء الحساب؟ أما تعلم أنك تأكل حراماً وتشرب حراماً ؟ أو مَا يعظم عليك وعندك أنك تستثمن الإماء وتنكح النساء بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم البلاد؟ فاتق الله وأدّ أموال القوم فإنك والله إلا تفعل ذلك، ثم أمكنني الله منك لأعذرنَّ إلى الله فيك حتى آخذ الحق وأرده وأقمع الظالم وأنصف المظلوم. والسلام}
ورد عبدالله بن عباس على كتاب الخليفة "علي" بكل استخفاف :

{ أما بعد. فقد بلغني كتابك تُعظِّم عليّ إصابة المال الذي أصبته من مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت المال لأعظم مما أخذت منه. والسلام }
*
انظر كيف ردّ الخليفة " علي ابن أبي طالب" على ابن عمه " عبدالله ابن عباس ":

{ أما بعد. فإن من أعجب العجب تزيين نفسك لك، أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين. ولقد أفلحت إن كان ادعاؤك ما لا يكون، وتمنيك الباطل يُنجيك من الإثم. عمّرك الله ! إنك لأنت البعيد إذاً. وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطناً وصيَّرتها عَطَناً واشتريت مُولَدَات المدينة والطائف تتخيَّرهنّ على عينك وتُعطي فيهنّ مال غيرك، والله ما أحب أن يكون الذي أخذت من أموالهم لي حلالاً أدعه ميراثاً، فكيف لا أتعجّب اغتباطك بأكله حراماً. فضحّ رويداً. مكانك قد بلغت المدى. حيث ينادي المُغتّر بالحسرّة، ويتمنى المفرط التوبّة، والظالم الرجعة، ولات حين مناص. والسلام }

المراجع :
- الأغاني لأبو الفرج الأصفهاني.
- الفتنة الكبرى (2) للدكتور طه حسين.

عبدالله الشقليني
5 يوليو 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.