هي مثل شمس الشرق ( أببا قرمدهن هايلي تسافي )، غربت ونحن وأسرتها في أمسّ الحاجة لوجودها بيننا وفي أرضنا. اشتاقت لها أرض الأمهرا، جبالها ووديانها وشجرها العالي الأخضر وعصافيرها الغناء. غربت شمسٌ كانت رفيقة درب أستاذنا النبيل الدكتور مهندس " يحي عبد الرحيم الحسن ". عندما تلتقيها تعرف أنها أمك، أو كأنها هي، ولكن هي لم تلدك. حانية عطوف، لها نظرة ملائكية تُجبرك أن تكون طفلها المُدلل.

ستعود بإذن واحد أحد، إلى الجنان الباسقة لتحتفل بمقدمها هناك، يسبقها الطيب، تحتفي بها الطيور الملونة المغردة الطروب، وترقص الأزاهر طرباً بقدومها، ونحن نحبس دموع الفراق. كانت بيننا نجمة سامقة وأماً عطوفاً وشجرة لا ينقطع سحرها الدافئ، وهو يتخلل الأنفس التي تتعرف عليها. وإلى نعيم مولاها ترحل و تنعم الجنان بمقدمها، تضيء هي الأمكنة، في حين يمسنا كل الضُر حين نفتقد الأم الرؤوم.
(2)
كأن بين دار مك الجعليين ( نمر) وعشيرته وبلاد الأمهرا، صلة وثيقة، أعطاها التاريخ من عطره العبق، شيئاً أكبر في نفوسنا. حين أحرق المك إسماعيل باشا وقواده، وجاء " الدفتردار" لينتقم . فلجأ المك لأرض الأمهرا. ودارت حروب لعقد من السنوات.
كتب شاعرنا الدكتور مبارك بشير:
نحن أبناؤكَ في الحزن النبيل
ونغني لك يا وطني كما غنى الخليل
مثلما غنت مهيرة تلهب الفرسان جيلاً بعد جيل
ونغني لحريق المك في قلب الدخيل

وعاشر الجعليين بلاد الأمهرا. وتناسلت الأنساب. ولم يزل في الكأس باقٍ، حتى جاء أستاذنا النبيل " يحي عبد الرحيم الحسن " ليحيي تلك الوشائج من جديد. فالتاريخ كاد يعيد نفسه، ولكنه يبعث صورة زاهية براقة، من لقاء اثنين في سبعينات القرن العشرين. ففرحنا وطربنا، فمرحباً بذكرى الشوق وهو يعود من جديد.
(3)
عندما سافر كبير المهندسين " حسن سيد إمام " لليمن ، تم انتداب الدكتور " يحي عبد الرحيم " من قسم هندسة العمارة ، ليصبح كبير مهندسي الجامعة في ثمانينات القرن العشرين .قدم إلينا في " وحدة المباني بجامعة الخرطوم"، وعادت الأشواق القديمة تتجدد بقدومه.
بعد شهر أو اثنين، وفي ذات يوم أحس أستاذنا بوجع في صدره، وتصبب عرقاً. وعند الكشف الطبي تبين أنها نوبة قلبية. لزم الدكتور مستشفى الخرطوم القديم، قسم عنابر القلب. أصرّت طيبة الذكر المهندسة السيدة " إسميليا عبد المعطي "، أن نزوره في المستشفى بثوب جديد على أهلنا. اقترحت علينا أن نزور مزرعة الزهور الوحيدة في منطقة الجريف، كانت قد خبرتها عند تأبين رئيس يوغسلافيا السابقة " جوزيف بروس تيتو "، فقد كانت أزهار الرحيل كلها من تلك المزرعة. أقلتنا بسيارتها إلى المزرعة. واخترنا معها حزمة من زهرات الشفاء، تفتح بتلاتها بعد سويعات من زيارتنا لأستاذنا طريح الفراش الأبيض. هناك كانت السيدة ( أببا ) مع زوجها تلازمه. بابتسام الرضا ودعوات الشفاء وكلمات تنزلق من الشفاه الرطبة، كدرر تنطق بالشكر. حملت الأزهار، وأحضرت قارورة زجاجية وصبت فيها الماء، ونامت زهيراتنا هناك. وشفي المريض بقدرة واحد أحد.
(4)
رحلت (أببا) نجمة سامقة، وخبت كأن الدنيا وقد أظلم وجهها، فكيف أيها القلب يبقى نبضك، وشريك الهوى قد تعبت نفسه؟
تماماً كما قال أبو الطيب المتنبي:
يا أُخْتَ خَيرِ أخٍ يا بِنْتَ خَيرِ أبِ .. كِنَايَةً بهِمَا عَنْ أشرَفِ النّسَبِ
لا يَمْلِكُ الطّرِبُ المَحزُونُ مَنطِقَه .. وَدَمْعَهُ وَهُمَا في قَبضَةِ الطّرَبِ
غدَرْتَ يا مَوْتُ كم أفنَيتَ من عدَدٍ .. بمَنْ أصَبْتَ وكم أسكَتَّ من لجَبِ

(5)
العزاء لأستاذنا الدكتور " يحي عبد الرحيم الحسن " ولمازن وحاتم ومنى. ولكل قلب مكلوم، ودمعة ثكلى وعشق مغموس بالحزن. وإن ذكراها لأجلّ وأعظم، فخيرها سابق حيثما تذهب تجد ثمارها وزهرها لا يذوي أبداً.
عبدالله الشقليني
3 أبريل 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.