لا أعرف كيف تذكرت الملف الذي كتبته في مدونة ( سودان فور أول ) قبل نحو ثلاثة عشر سنة. كانت سيدة السودان الأولى تتمتع بالخجل إذ أنها الزوجة الثانية التي اقتسمت حق الزوجة الأولى، إذ صارت بقدرة قادر من أرملة ضابط عسكري منظم من أبناء التنظيم الأسود، وقفزت إلى عالم السيادة الإمبراطوري. ولا نعرف الآن ماذا حلّ بمصيرها ومصير شركاتها المنهوبة من مال الفقراء ؟

(1)
وقد عرف العالم الروماني - الاغريقي الكنداكات ( الكوشيات): أماني شكتو، أماني تيري، أماني ريناس، وغيرهنَّ... والسيدة التي نتحدث عنها لا تنتمي لهؤلاء، لا شكلاً ولا موضوعاً. ولنقارنها بنساء ظهرنَّ في أوراق التاريخ:
- شجرة الدّر، الملقبة بعصمة الدين أم خليل، خوارزمية الأصل، وقيل أنها أرمينية أو تركية. كانت جارية اشتراها السلطان نجم الدين أيوب، وحظيت عنده بمكانة عالية، حتى أعتقها وتزوجها وأنجبت منه ابنها خليل الذي توفي. و تولت عرش مصر لمدة ثمانين يوماً بمبايعة من المماليك وأعيان الدولة بعد وفاة السلطان أيوب، ثم تنازلت عن العرش لزوجها المعز أيبك التركماني. لعبت دوراً تاريخياً هاماً أثناء الحملة الصليبية السابعة على مصر وخلال معركة المنصورة.
*
- الملكة كليوباترا السابعة، هي آخر ملوك الأسرة المقدونية، التي حكمت مصر منذ وفاة الإسكندر الأكبر في عام 323 قبل الميلاد، وحتى احتلال مصر من قِبَل روما عام 30 قبل الميلاد. كانت كليوباترا ابنة بطليموس الثاني عشر المصري. وقد خلفته كملكة ،مشاطرة عرش أخاها بطليموس الثالث عشر. وقد وصُفـت بأنها كانت جميلة وساحرة. على نقيض ما تبرزها الصور التي وصلت إلينا. أما الرجال الذين وقعوا في غرامها فقد أسرتهم بشخصيتها القوية الظريفة وبذكائها ودهائها.
*
لا أظن السيدة التي نتحدث عنها مثل أولئك الذين ذكرنا، ولكنها بنت طوداً سميكاً من حاشيتها، وتمكنت من الثروة والسلطة، فوق ما كانت تحلم، بينما ظل السودانيون أغلبهم فقراء. بل إن منْ يعمل في وظيفة لديها، يغادر مرقد الفقر، ويصعد مرتبة الغنى مع السلطة.
(2)

ربما كانت سلطة السيدة الأولى سهماً ضد المجتمع المذكر، وهُنا نقف ندعم السيادة ترفيعاً لقدر المرأة خطوة للمساواة بين الجنسين، وإن كانت شكلاً. نُنادي بتنقية الألفاظ من الحُرُمات، والحَريم وأشباه القمع الجندري القديم، ونرى أن الستار المُتقدم للحياة الاجتماعية، يتعين عند إسداله أن نرى المسرح أمامنا مُتقدماً، ومكاسب المرأة إطاراً و مُحتوىً لا صورة مُتلألئة في المُناسبات,
*
ما ورد أعلاه نراه من بعد أن يصير نظام الحُكم ديمقراطياً المرأة كامل حقوقها.
*
سمعت المُذيعة في التلفزة السودانية تقول:
ـ . . . السيدة الأولى حَرم السيد . . . . !
فقلت لنفسي : غلب الطبع التطبُع !!

لا أعرف كيف تجتمع السيادة بالحُرمات! . لكنني سأبدأ وأنتهي باللُغة فهي أصدق صائدة لهفوات العقل الدفين، عندما لا يهتَمَّ القائل أو القائلة بتجويد الكلام المبثوث عبر الأثير والتلفزة.
مُذيعة .. تُذيع أخبار الدُنيا من التلفزة السودانية، والأسماع التي تَعرف العربية السودانية والفصيحة تترصد الأحداث المُكثفة التي انتظمت مدينة الخرطوم في القمة الأفريقية ( 01/2006 م ). تعبر أنت اللغة قفزاً من العقل الواعي إلى العقل الباطن. يتم رصف الذاكرة بمقولات عفا عليها الزمن، يتم إعادتها للحياة، وأنت جالس .. و غافل يهُمك ما آلت إليه القمَّة !

(3)

سوف أدخل من البوابة إلى قِمة اللُغة: لقد استسهلت مُقدمة النشرة الإخبارية وصف اجتماع للسيدات الأُول ( إن صح التعبير). وأعادت التأكيد على ما قالت :
ـ وقد تحدثت السيدة الأُولى حرم السيد . . . . .
قلت لنفسي ماذا تعني السيدة، أهي كما في تُراثنا الغنائي:

سيدة وجمالا فريد،
وخلقوها زي ماتريد ،
وفي خُدُودا وَضعُو ا الريد .

كما أشعَر أحد شُعراء الحقيبة ؟ أم هي السيادة الحقيقية، أم السيادة بالزواج ؟
يقولون كُلهُن حصلنَّ عليها بالزواج. أسأل أهي حرم السيد، كحَرم ( سي السيد )
كما أوحى بها إلينا كاتب القَّص نجيب محفوظ ؟ أم هي حَرَم بمعنى زوجة ؟
يقولون لك حَرم السيد تعني في العربية الرسمية امرأة الرجل السيِّد. إذن ..نرجع للعربية ومصادرها للتقصي:

(4)

يقول معجم العربية عن السيادة :
( السَّيدُ ): الذَّئْبُ. الجمع: سِيدانٌ وهي سِيدَة. ( السَّيدانَةُ ): السَّيدَةُ. والسَّيدانَةُ: المرأَةُ الجريئة. الجمع: سِيدانٌ (سَادَ ) سِيادةً، و سُودَداً. وسُؤْدُداً: عَظُمَ وَمَجُدَ و شَرُفَ.
و سَادَ قومَهُ أو غيرَهُم: صارَ سيِّدَهم. و استَادَ منهم سيِّدةً أَو تزوَّجَ سيدةً من عقائلهم.
(السُؤدَد): السيادة. والسُؤدَد المجد والشرف. ( السيَّدُ ): المالِكُ و السيِّد المُتَوَلِّي للجماعة الكثيرة. و السيِّد: لقب تشريف يُخاطَب به الأشراف من نَسْل الرسول الكريم.
(حَرَم ) فلاناً الشيء حَرَمَ حرماناً: منعَه إياهُ. ( الحَرَامي ): فاعل الحرام.
(الحَرَم ): حرم مكة، والحَرَمان: مكة والمدينة.
( الحُرمَة ): ما لا يَحِلُّ انتهاكه من ذمة أو حق أو صحبة.
و الحُرمَة: المرأة
( الحَريم ): ما حُرِّمَ فلا يُنتَهَكْ.

(5)

رأيت أن حُرمة، في معنىً من معانيها ( المرأة )، فقلت لنفسي، ذلك إسقاط مجتمع رعوي قديم ، ربط المحارِم بالمرأة، ونحن نبحث في سيادة المرأة ( المرأة الجريئة ) ! .فكيف تستقيم سيادة لشخص وهو في الأصل من المحارم إلا على سي السيّد، أو بأصدق التعبير من شبه المُمتلكات الخفية الخاصة بالسيد !.
هنالك اشتباك، بل صراع في حاجة للتبيان:
بين ( حَرَم ) و تبعيتها للسيد ( مُكاورة)، والسيادة الأولى لزوجة رئيس، إذ تتقدم بها
على جميع سيدات المُجتمع وفق العبارة الإعلامية، بما فيهن من ملكت السيادة بالأصالة.
هذا أراه مُجحِف في شؤون التوصيف. أتكون الأولى لأنها زوجة الرقم السياسي الأول
صاحب السلطة، أياً كان مصدرها يا ربي؟
أهو منفذاً لاسترجاع العدالة الجندرية المفقودة في المجتمع المذكر؟
*
للمرأة تاريخ في النهوض بالجسارة في الرأي والثقافة والسياسة والمال والعمل الخاص والعام ، وأعباء البيوت المسكوت عن شبه العبودية الخفية فيها، تحت ستار الزوجية عندنا، إلا منْ تنعَّم زوجها من نعيم الدُنيا، فيُعينها بمن يُخفف ثقل الأعباء التي تحني الظهور.

(6)

أتكون سيدة من السيادة والسُؤدَد، ثم تتراجع وتعُود حرماً ؟
( حرماً .. جمعاً ) يا ربي أم ماذا ؟
أم هي كما يقول بيت شعر من المدحة المشهورة لحاج الماحي:

حرمو وسرورو نعقد نشوفو
*
أم أنها ترتفع بالسيادة ثم تتدهور إلى حرم من ( المحارِم )، والحُرمات، تمَّ استحَلال صورتها المُتحَركة على بلور التلفزة من بعد مَشُورة الفقهاء المُجتَهِدِين لخِدمة السلاطين:
( أوكى شرعياً ) !
(7)
ربما جرياً على عادة سيدة مصر الأولى: جيهان السادات، التي نُودِيَّ بها كأول حالة في مصر ( الجارة اللصيقة ) في سبعينات القرن الماضي على ما أظن. فقبلها كانت زوج جمال عبد الناصر سيدة في دارها و ربة منـزل، وكان الريس ( الله يَرحَمُو ) زوج تقليدي رغم برامجه السياسية غير التقليدية .!
*
ربما سعياً وراء نهج بيزنطة الجديدة:
( السيدة الأمريكية الأولى ..) .. لكن، أيمكننا أن نقول مثلاً :
(السيدة الأولى حَرم الرئيس بوش) !!
يقولون ربنا قادر على كل شيء، يجمع المحارم مع السيادة . !
وكما يقول المثل ( المَصارين في البَطُن بِتصَارَعَنْ ! )
( خلطة التقدم والتخلُف ) أو ( حِلو مُر )السياسة الرمضانية!.
*
نختم برجوعنا إلى السيدة وجمالا فريد:
(قطعاً )... ، والضحك هُنا ممنوع ! .
قطعاً قد تزوجها ( السيَّد ) على سُنة الله ورسوله ، وخاف زوجته الأولى، وأخطر أبيها.
مثنى أو ثلاث. أو ربما لم تكُن هي ما عَنينا، وكانت المقصودَة بنشرة التلفزة :
زوجة أحد الرؤساء الأفارقة الآخرين التي حضرت فعاليات قِمَّة السيدات الأُوَل . . . . . . . .

و العَتَب على السَمَع والنظر!. ولكننا نُفصح الآن أنها ( الدكتورة) زوجة رئيس البلاد السابق الثانية!.

عبد الله الشقليني
1 مايو 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.