عهدي معاك يا حمام

حبِيْب الرُسل الكرام
رسول الأمراء العظام
عصامي على ما يرام
**
ماب تهدِل في خنادق
ولا ب تقدِل فوق حطام
ولا ب تنزل في فنادق
وسطنا مراعيك قُدَام
**
الشاعر حميد

(1)
لم يكن صغار الضباط أو ضباط الصف وجنود القوات المسلحة أو كبار الضباط الذين انحازوا لثورة الشعب، يرتكبون جرماً إن سلموا السلطة للمدنيين. وتخلصوا هم من عيوب البقاء في القوات المسلحة منكسرين ، وقد قضى على حيادها الإخوان المسلمين. لقد كان التنظيم يتخلص من غير المنتمين، ويتربص بالحياديين لكسر شوكتهم. وآن للعسكريين السماع لصوت الداخل ،ولا يثير اهتمامهم أجندة الخارج رغم الادعاء.

*

الشعب السوداني صبور ومعلم . أثبت أن الجينات تمشي مع العصور، تماماً كمشي الحمام ، رسول الأمراء العظام. لا يخاف الموت المكشر. معلم، فوق كُثبان الحضارات ومراكبها البطيئة في التاريخ. بالأمس انتقلت ثورته السلمية في أكتوبر 1964، إلى فرنسا فرأينا ثورة الشباب الفرنسي التي شهدها وكتب عنها "جان بول سارتر"، صاحب الوجودية.
*
إن إرث النوبة العظيم وممالكها في التاريخ، أثبتت أن دولة مروي دخلت العصر الحديدي ولم تزل مصر في العهد البرونزي. ويشهد الراحل الدكتور" أسامة عبد الرحمن النور"، الباحث والأكاديمي السوداني والمختص في علم الآثار والأنثروبولوجي على ذلك. و هو الذي قام بالعديد من الدراسات العملية والأكاديمية، ورأس العديد من الهيئات والمنظمات والبعثات العلمية ،وأسس موقع إلكتروني يعتبر أرشيفاً لدراسات الأنثروبولوجيا. ومؤسس المتحف الإلكتروني السوداني و مجلة أركماني للآثار و الأنثروبولوجيا السودانية. وهو الذي بدلاً عن تكريمه، فصلته سلطة الإخوان المسلمين حال تسلمها السلطة، ضمن تسعة من الأخصائيين في مصلحة الآثار بتميمة ( الصالح العام ) وأحالت آثار السودان إلى " أصنام " !.
من أين جاء هؤلاء؟!

(2)

في قانون قوات الشعب المسلحة أبريل 1986، أوضحت المادة (47) الآتي: يعاقب بالإعدام أو بأية عقوبة أقل، كل شخص خاضع لأحكام هذا القانون يرتكب أياً من الأفعال الآتية:

أ/ الشروع أو التحريض أو تسبيب أو التآمر مع أشخاص آخرين لتسهيل أي تمرد على السلطة الشرعية.
ب/ المشاركة في أي تمرد.
ج/ أن يكون حاضراً في أي تمرد ولا يبذل أقصى جهده لقمعه.
د/، أن يكون عالماً أو لديه سبب يدعو للاعتقاد بأن هناك تمرداً قائماً أو نية للقيام بتمرد أو مؤامرة ويتأخر عن تبليغ ذلك إلى قائده أو أي ضابط أعلى.
*
لم نورد المادة (47) من القانون العسكري قبل استيلاء تنظيم الإخوان المسلمين للسلطة 1989، من أجل تهديد الضباط العسكريين في القوات المسلحة، الذين انحازوا لثورة الشعب بأن القانون سيطالهم، لأن السلطة السابقة ليست لها مشروعية، لأنها اعتدت على الدستور الديمقراطي بليل وسرقت السلطة، و الوقوف مع جماهير الشعب هو انتماء للشرعية الحقيقية. فليطمئن أركان القوات المسلحة السودانية، فالسودان وأهله بألف خير.

(3)

لدى العسكريين داء وبيل، إلا منْ رحم ربي، فمعظمهم يعتقدون أن العيب في الحياة المدنية بقضها وقضيضها أمرٌ مفروغ منه!. وأن وصف المدني يكاد يصبح سبة. وتلك خصلة يتعين للسادة ضباط القوات المسلحة الخروج من هذا المعتقد، الذي يصف المدنيين بأرذل الأوصاف. ونعرف نحن أن الحياة المدنية غير الحياة العسكرية. إن الضبط والربط وطاعة الأوامر مهما كانت، جزء من المسلك العسكري المحمود. ولكن للحياة المدنية فضائل عديدة، وأهم تلك الفضائل أن الرؤساء لا يملكون الحقيقة المطلقة. وأن النقد جزء مكمل للإنسانية. والتعددية منهاج يسير عليه كل الناس باختلافاتهم. والمجتمع متنوع الثقافات والأعراق، و تتطلب قدراً من التسامح، وديمقراطية تعالج شؤون الأقليات، فلا تجور الأغلبية بالرأي وتحمل عصا القانون لتبطش به.

يقول الكاتب الروائي "الطيب صالح "في إحدى مقابلاته:

{ النقد يجب أن يكون مبنياً على المحبة. أبو العلاء أحب المتنبي وابن جني كذلك أحب المتنبي. وكلمة المحبة يجب أن نصرّ عليها. وأنا يخيقني الناس الواثقين من آرائهم. هل خطر في بال جمعكم أنهم قد يكونوا مخطئين؟. إما أن يفني بعضنا بعضاً وإما أن نجد وسائل للتعايش والدنيا طويلة وتاريخها طويل أيضاً، وليس لأحد مفاتيح الحكمة.}

(4)
إن عزل الأحزاب التي صنعها تنظيم الإخوان المسلمين، وشاركوا النظام البائد في السلطة بوجه من الوجوه أمر طبيعي. ومقولة ( نحن لا نستبعد أحد) مقولة حق أريد بها باطل. فقد كان التنظيم الأسود حاملاً عصا الإكراه، وكان مشبعاً بالإقصائية للآخرين. وهؤلاء جاءوا للسلطة على ظهر دبابة بليل. وإقصائهم ليس بدعة. وهي تتفق مع منطوق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نكتبه كثيراً لأن الكثيرون من أهل العهد البائد لا يعترفون به، وتلك جريرة لا يمكن الموافقة عليها:
*
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وثيقة تاريخية هامة في تاريخ حقوق الإنسان- صاغه ممثلون من مختلف الخلفيات القانونية والثقافية من جميع أنحاء العالم، واعتمدت الجمعية العامة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948، بموجب القرار بوصفه المعيار المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم. وهو يحدد، و للمرة الأولى، حقوق الإنسان الأساسية التي يتعين حمايتها عالميا. وترجمت تلك الحقوق إلى 500 لغة من لغات العالم. ولما كان للإدراك العام لهذه الحقوق والحريات الأهمية الكبرى للوفاء التام بهذا التعهد. فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها.
المادة 1.
يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء.
المادة 2.
لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيِّ وضع آخر. وفضلاً عن ذلك لا يجوز التمييزُ علي أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلاًّ أو موضوعًا تحت الوصاية أو غير متمتِّع بالحكم الذاتي أم خاضعًا لأيِّ قيد آخر على سيادته.
(5)
لا يوجد تمييز بسبب الدّين، والدين نسيج المجتمع الحر، يدين الجميع بحريته وحرية إقامة دوره وشعائره، كما لا تقوم بذلك الدولة، فهو عمل طوعي وكافة أنشطة الديانات تقوم بها المجتمعات وتصدّق الدولة بأراضيها ومبانيها كمنظومة يتعين أن تكون خاضعة للقانون، الذي لا يحجر دين أو جماعة دينية، ولكن للدولة تنظيم فعالياتها، فلا تتجاوز حريات الآخرين.
بناء عليه تناقض دعاوى المتأسلمين قانون حقوق الإنسان، الذي يرى الا تكون هناك أحزاب دينية أو عرقية، ولا سيما ذات التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيِّ وضع آخر. وتلك ليست ممارسة حرية بفرض قوانين يراها البعض دينية. لقد انتهى زمن أن كان الناس رعايا، وآن لهم أن يصبحوا مواطنين لهم كافة الحقوق والواجبات، وألا تعرض حقوق الإنسان للاستفتاء أو الإجازة من البرلمانات حسب رؤية أعضاء تلك البرلمانات. بل هي واجبة النفاذ وأن تصبح مضمنة في الدساتير والقوانين.

عبدالله الشقليني
2 مايو 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.