صعبٌ هو الشعر. صعبٌ حتى الضنى. حين هو “افتعال”، يَـبْلُغ العقل. حين هو “اشتعال”، يَـبْلُغ القلب. وحين هو “اشتغال” يَـبْلُغ القلبَ والعقلَ معاً. ومن يَبْلُغ في قصائده شعرَ الحب يَـبَان ذلك في شعره، فيكون جَديدُه الحقيقيّ فضيحةَ قديمٍ له قِناعيّ كان يدَّعيه حُباً، فيما لم يكن سوى “افتعال” حُبٍّ منقوصٍ أو موهوم، مَحاه الحبّ الحقيقي الذي جاء يكرّس شعره الطالع من “نبضتِها”، حين “نبضتُها” هي الشرارةُ التي تُشعل القصيدة، والتي بدونها لا يَصدُقُ شعرُ حُبّ ولا تكونُ به قصيدة.
هنري زغيب

(1)
فن الاستبداد صناعة رأي ينجرف مع التيار السلطوي، وصنع المال والسلطة المنزلقة إلى مهاوي الرغبات فناً خالصاً للسلطة، لم ينجو من الصنعة والتكلف، فلا نرى في هذا الشعر جمالاً ولا حُسناً، إنما نرى ، كما قال الدكتور" طه حسين": صنعة ثقيلة، وتكلفاً بغيضاً، وسماجة يخفيها الفن ويسبغ عليها زينة كاذبة، وحيلة باطلة، وليس يعدل ما فيها من السماجة الخفية والظاهرة .

(2)
وشعر "فراّج الطيب" ، كان أصدق مثالاً على ذلك، إذ حرق ماضيه التليد بقصيدة يمدح فيها فتية الانقلاب العسكري عام 1989، عندما زارهم " معمر القذافي " في أوائل تسعينات القرن العشرين. والتقى بالبشير في قاعة, أعد اللقاء مبثوثاً على الهوا ء مباشرة. لم نستحضر أبيات المديح الذي قاله، ولكنه وصف ( الكرار بأنه سيف من الله مسلول )، يقصد عضو مجلس انقلاب الإنقاذ ( صلاح كرار)! ، ... حتى قال" القذافي" ( هو تملق)!.
، لقد كان للشاعر " فراج الطيب " انتاج غزير، وهو شاعر متمكن من معاطف اللغة، تراثها كان صاحب ليله ونهاره، إلا أنه لَمْ يُطبع له ديوان شِعر، ولكن طُبعت له قصائد متفرقات، منها: رؤيا عربية على ضفاف الرافدين، دار السلام، ترانيم في محراب الليل، تراتيل في مقام الصديق. وبرنامجه الإذاعي عن " لسان العرب " من إذاعة أم درمان لا تخفي لياليه الطيبات، ولكن ختم حياته الشِعرية حين كشف موالاته لسلطة الاستبداد. وسكن القصر الجمهوري حتى رحل إلى الغيبة الكبرى.
*
لا ندري كيف هدمت الآلات حائط في سجن كوبر عند زيارة "القذافي "، حين ردد القذافي بيتاً من شعر الفيتوي:
أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باق
ثم أعيد بناء حائط السجن في مكانه بعد مغادرة الرئيس الليبي للسودان!

(3)

الفن المصنوع للدكتاتوريين، تَصنع الاستبداد في مصاهرها وفي جوهرها. الفن كآلة الابداع، يغريها كثرة المال. الفكرة ربما تطغى على الجانب الجمالي. لا يشفع الالتزام مع ضعف أصول الفن وتقنيته. يجب أن يقدم الفنانون جودة فنية. كثير من الفنانين قدموا فناً محتشم ، يروق للباس الديني وفق رؤية التنظيم. هنالك فرق بين التزام وبين التزام. كل فكرة تنبع من الفن يتعين أن تنطلق. إذا تخلى الفن والتزم أصول ارتقائه، صار الفن خطرات فوق الديني، وتمجيد المحبة أصل يتعين أن يتحصن به المبدعون.

(4)
هل كان لسلطة الإخوان المسلمين فن شِعري؟
إن انحطاط الفن هو نتيجة طبيعية لغياب المبدعين، عن موضوعات تجتذب الفنون بكل أشكالها. ذلك هو حال سلطة الإخوان المسلمين، فإن أيديولوجيتهم تكره الفنون عموماً لأن الفنون عموماً تعيش في مناخ الحرية. فالفن حرام في نظرهم القاصر. وللإخوان المسلمين عداء تاريخي مع الحرية، لأن الفرد المنتمِ للتنظيم، يُحدَدَ له ما يقرأه، ويتعين عليه الطاعة العمياء لأن أولي الأمر في التنظيم، ينوبون عن المهدي، إن لم نقل عن النبي في الاقتداء به. ينتج عن ذلك شخصية طيعة، تؤمن بالتنظيم على أنه عقيدة أرفع من الانتماء للفكرة.
أصيب الإخوان المسلمين في السودان، بلوثة الخروج من الحصار الذي فرضوه على أنفسهم. فجاء السماح للغناء شريطة اتباع الغايات، إذ أن الهدف هو إلهاء الناس بعد أن انفضوا عن إيديولوجية الإخوان، هو أن تفتح لهم ثغرة في بيت المحرمات حسب ما يعتقدون. ونبت الغناء لكي يشاع. وسادت امبراطورية النقل من السابقين، مما أدى لضرورة مراعاة حقوق الفنانين، وأدى الأخير إلى تمترُس الورثة، يحيطون ميراث أبائهم من أهل الفن بترسانة من الحيطة والأسورة. فشهدنا سيادة المقلدين، الذين اشتروا حقوق الغناء!.
أزمة خيال في عالمهم أزمة مستفحلة. نحن مجتمع تلقيني، والتراث مقدس، والفكر غير مقبول ، ولا ينبغي الخروج عنه. ثقافتنا شفاهية. نحن نعاني من كبح جماح الخيال. بيننا وبين التسامح بيدٌ دونها بيدُ. كل إنسان يعيش في بيئتنا مشروع دكتاتور، لا نستثني أحد إلا من رحم ربي من المتصوفة الحقيقيين، الذين ديدنهم السماح عند الاقتدار. يقبل عليهم كل أصحاب الذنوب والذين يحتاجون لنظرة عطف وحنان رحم مفقود.

(5)
يذكر التاريخ عن الصحابي الجليل " عبدالله بن أبي رواحة" قوله وهو يستعد للحرب:
يا حبذا الجنة واقترابها
طيّبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
كافرة بعيدة أنسابها
**
ولا نجد من الإخوان المسلمين، إلا أنهم استبدلوا ( الروم روم ) بـ ( أمريكا روسيا ). فليس لهم في كافة الفنون باع ولا حتى فكرة كما أسلفنا، ولو قليل من أسباب الفنون، ولا أخفها وطأة وهي المجاراة في القصائد، مثل ما فعل في تاريخنا: أبو الروس والعبادي وسيد عبد العزيز وعبيد عبدالرحمن، بل هجموا هجوم الجياع على القصعة، يبتغون الإشباع!.

عبدالله الشقليني
27 مايو 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.