في أبوظبي :

اليوم أتى الشعراء إلينا في الزمان الذي كنا في حاجة إليهم . فاض بهم الخيال الشِعري ، وعصف بحيواتهم وتألقوا بالبيان والبديع والاستعارة . خرجت المعاني مُبهرة ، مُدهشة .وقد لبست الألفاظ زينتها موسيقى لها رنين صاخب كموج البحر الهائج وهادئ الطبع منساب كطباع الشُعراء حين تحيط بهم الأحداث الجسام . معانٍ مُجلجلة بألفاظ ناعمة أو معانٍ نيّرة وألفاظ عالية النبر . وصخب يتخفى في موسيقى الشِعر . هكذا تبدأ العاطفة العاصفة . وانجلى صبحهم الشِعري بعد ليلٍ حالك السواد. من خواطر تبدو عصيّة على النسيان ، إلى أن اخضرّ عودهم الشعري منذ زمان ، شارك طبعهم صناعة الشِِعر وأجاد.ما عرفنا مكانتهم إلا حين جلسنا برفقتهم . فهم على الإمارات أضياف، ولكن على المهاجرين بعضٌ من زمرة أهلنا الطيبين . عليهم هالات الرضى و الحيوية الشِعرية بادية لكل من استمع ، وقد توقفت عندهم كل بصيرة لتحيا من جديد .
(1)
جاءوا كلهم بعناصر الجمال في الألفاظ وفي المعاني ، تطابقت ومقتضى حال الموضوعات التي تناولتها قصائدهم ، والتزموا بقواعد اللغة وضوابط مفرداتها في تركيب الكلمات وتخُيُر انسابها وفروعها وتصريفاتها . فكانوا جميعاً قد أخذوا من البيان والبديع والاستعارة واطلاعهم على السابقين علامة . ساقوها من موردها التاريخي ، وأنعموا عليها من مفردات لغة عصرهم ، الفصيحة والعامية الفصيحة . وتقلبوا بين المفاتن الشِعرية : شعر التفعيلة والشعر الحديث ، وبعض شِعر النثر ، بغنائية حنينة . وكان إلقاء الجميع تعبير فائق الدقة للمعاني بالألفاظ التي تخيرونها . كل منهم له لونه الخاص ، وأداؤه المُميّز . خرج كل منهم بمحصوله والثمر . لا يشابه أحد منهم صاحبه أو صاحبته . يظهر أنهم قد اطلعوا جميعاً على تجارب الشعراء الأقدمين والحاضرين في الساحة ، من شُعراء العربية في موطنهم السودان ومن الأوطان الناطقة بالعربية شِعراً .

(2)
لم نتحرر من كثير حديثٍ إلا حين لمسنا حوائط ديوان الشعر عندهم ، وقد تراصت فسيفساء أزهاره تُطرِب . الديوان الشِعري المُزجج بالعواطف الغالية في زمن صعب . تحدثوا عن العشق الذي نعرف أنه منذ بدأ قديماً ، لم يتوقف ولن يتوقف ما دامت الأرض والسماء فوقنا. هذه مشيئة الحياة ، نتخفف نحنُ من أثقالها بالشعر . الذي يرتفع بناء عن ضجيج الحياة العادية ، وصخب المعاش الذي يشغل بالنا ، وبال أكثر أهلنا ، حتى نكاد نظن أن العواطف في أنفسنا قد تحجرت ، في وهج الحرّ ،وحُرقة المعاش .تلك الأنهُر العذبة لم يتوقف جريانها أبداً ولن يتوقف .
(3)
إن المصائر كادت أن تختلط علينا ، وليس من السهل التنبؤ بمستقبل ،ما كُنا نحلمُ أن يضيق بنا. لقد توقفنا حيرى عند المنافي : أي الطرق أفضل من غيرها . أنعود حيث دفئ العواطف ولا نعرف أن الناس الذين تركناهم هل لا زالوا كما كُنا نعرفهم أم تغير الحال . نحن مثل الخلايا الساكنة في بطن المهاجر . كلما طال البُعاد ، يعيدنا كالغرباء . حتى يأت الذين هم من أهلنا ، ويفيض بنا الحنين.
ونتعرف إليهم بالشعر ومفاتنه ، وتصحو لدينا عاطفة شِعرية شابة نبيلة من جديد . كأنها قد مسّت أشجاننا بعد الدفق الشِعري الذي سمعناه . عاد الألق ينير قلوبنا بعد أن استيئسنا من نور القلوب . لا وقت هنا لشيء ، حياة نتقاسم مخاوفها والسعادة ترنو إلينا بعيدة المنال. كل يوم العالم كله في شأن ، ونحن نغالب الحياة لنظفر بالقليل.
(4)
جاءت أقمار الشِعر في ليل الثالث عشر من مايو 2017 ، إلى نادي السودانيين بأبوظبي . وقد ذهبوا بكل الشؤم الذي حاق بالرقم (13) . أعادونا إلى التوازن النفسي والعاطفي . ونعمنا برفقة حانية ، وأصابع ناعمة تدغدغ بيوت الوجدان ، وعُدنا ..وعادت القدرة من جديد ، على الشوق وطفولته الشقيّة والألفة والمحبة .
الشُعراء هم :
أبوبكر الجنيد
د. محمد عبد الله عبد الماجد
إيمان آدم خالد
الواثق يونس

وكانت الشاعرة "منال فتحي" ضيفة شرف الليلة ، والتي كانت قد أحرزت مركزاً مُتقدماً في مسابقة " شاعر المليون "
(5)
لهم منا كلمات الوفاء التي يعجز الحرف أحياناً أن يكتبها ، وإن تمرسنا على الكتابة . كان للشعراء الذين أضاءوا ليلنا ، وثبة ناهضة إلى المُستقبل ، يفتحون كوة جمال ، وسط كمٍ من احباط يمسي ويصبح علينا كل يوم ، إلا حين جاءتنا تلك الكوكبة .
والشكر موصول للدكتور " أحمد التجاني ماهل " ، فقد كان له قصب السبق في الاستضافة والتقديم ، ولشعراء أبوظبي الأربعة الذين شاركوا المهرجان الشعري في الختام أسمى آيات الشكر . وللأكرم حسين يوسف ،وهو ممثل لمجلس إدارة النادي بأبو ظبي ، مثالاً للتواضع وكرم الأصل .

عبد الله الشقليني
14 مايو2017

عبد الله الشقليني
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.