وكم طرقتني نكبة ٌ بعد نكبة ٍ... ففَرّجتُها عنِّي ومَا مسَّني ضرُّ

بَنَيْتُ لهم بيْتاً رفيعاً منَ العلا ... تخرُّ له الجوْزاءُ والفرغ والغَفْرُ
سيذْكُرني قَومي إذا الخيْلُ أقْبلت ... وفي الليلة ِ الظلماءِ يفتقدُ البدر

عنترة بن شداد

(1)

ما أشبه الليلة بالبارحة ، كنتَ سيدي وطناً يمشي بين الناس ولم تزل . أخضر الزراع بما سجلت يداك ، وبما امتهنت من مهنة عزيزة على الأنفس ، غالية يدفع المرء فيها الثمن غالياً . فالنُبل من شيماء أهل العُلا ، وبالفعل " في الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ. كثيرون يتحدثون حول ما آلت إليه القوات المسلحة السودانية، لذا وجب أن نذكر بالخير واحد من قادة القوات المسلحة في ماضيها . ونعلم أننا من دون البشر : ماضينا أفضل من حاضرنا دون شك.

في وقت تداعت الأكلة من الضباع على غنائم السُحت . ما تركوا شبراً أخضر ، إلا جففوه كأمواج الجراد ، تجثم على الحقول وتستبدل الذي هو خير ، بالذي هو من أخس الشرور . نشهد اليوم مذبحة العمل النظامي والعمل العام . بل صعد الضِّباع إلى منظمات العمل المدني ، التي صارت في مناهجهم غنيمة . أقاموا لها كل مرصد ، وصنعوا من قوانينهم أكثر من ألفي منظمة . صادرا بقوانينهم كل المنظمات ، وخلقوا للأغيار سدود وعوائق كي تكون الدولة و الاقتصاد بماله لهم ، كما سقطت في ملكيتهم : القوات النظامية والمدنية ، القضاء ، العمل الدبلوماسي و العمل التجاري الحُر . المناقصات والمزايدات ، بلا منهاج أو شفافية : كلها لهم دون شريك !. ضرائب ومكوس وحيل المكر واستغلال السلطان في أسوأ صورة له ، والحط من قدر الوطن والوطنية ،ونهب ثروات البلاد الظاهرة والباطنة . وسرقة أرضه ، ومشاريعه الإنمائية التي هي ديون على أكتاف أهل السودان البسطاء ، لتصبح لهم ملك يمين! ، بل ولمنْ ورائهم من المنظمات الإرهابية ، التي لا وطن لها ، سوى تتبُع " المافيا " العالمية منهاجاً وسلوكاً . من مُبتدأ تكوين " الأسر " الإخوانية وإلى تجمعاتهم وضيق الأفق و ضعف الطالب والمطلوب . في المدارس الوسطى كانت رعايتهم كأجنّة ، ثم الثانوية فالجامعية ، بل وفي كل الأحياء . دينهم ( الطاعة و الأمن والتدريب العسكري) . وسيلتهم سرقة المال من عامة الناس ، وباسم العقيدة السمحاء . يلبسون لباس النبوة الطاهر ويقولون دون خجل : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...} .
زوروا كل شيء ، ليصبح ما تبقى من الوطن " ملك يمين " لهم للمنظمة العالمية التي ترفع القرآن على أسنة الرماح ، وتُبيح قتل النفس . والهدف " السلطة " لهم ، ليستبيحوا كل شيء . و وقف حركة التاريخ، ليكونوا في سدة الحُكم وفق تصورهم إلى أبد الآبدين .

(2)

لن يقتات العامّة من سرد أصبح معروفاً لدى كل العامَّة من أهلنا الطيبين . انتهى الوطن إلى ضيعة ظنُّوها ستكون مقبرة للذين يخالفوهم الرأي . أصابتهم لعنة " الغنى من مال السُحتْ" . وتدهور الوطن كما هو معروف إلى أسفل سافلي دول العالم . ينعمون في الفساد والرِشوة وضعف الهمّة وسقوط الأخلاق التي يتشدقون بها، حتى صار الأعز في دُنياهم هو الأذل! . وصار أصحاب الكرامة يسكتون من استهجان ، أو يموتون بوجع الظلم . ومعروف أن دولتنا الحاكمة هي مؤسسة مأهولة بشاغلي المناصب " المُترهلة " من كثرتها ، ومن حولها طنين ذباب الزمرة الحاكمة من عديمي الكفاءة والأخلاق .


(3)
بعد اعتقاله من مكان عمله ببورتسودان وترحيله لسجن " الأبيض " ، قضى العميد الركن " معتصم عبد الله العجب " عاماً كاملاً بدون أية حيثيات . بعدها أُحيل للتقاعد بنظام " الصالح العام " المعمول به منهجاً لتصفية الكفاءات العسكرية . بعدها انتقل لأرض المِهجر. والتحق بالقوات المسلحة البحرية ، لأن أرض الله واسعة . لم تصبر عليه ، حتى لاحقته هناك يدهم الطولى في مهجره الأول ، فغادر مضطراً إلى المهجر الثاني منذ 2016 .

(4)

قدم لنا العميد الركن (م) معتصم عبد الله العجب ، في مهجره الأول ذات مساء ، محاضرة ثقافية متميّزة عن " البحر الأحمر " في يوم الاثنين 20 يونيو 2011 . حوت المحاضرة عرضاً مرئياً وثائقياً ، مدعوماً بالصور الضوئية ، إضافة لتنوير الحضور عن الثروة البحرية المكنوزة في الوطن . عبر قصة التاريخ القديم ، منذ أن كانت " سواكن " هي الميناء التاريخي للبحر الأحمر، وإلى الحكم الثنائي الذي قدم بمجزرة " كرري " يوم 2 سبتمبر 1898، حيث تمَّ عمل مناقصة دولية عامة لمقاولين مقتدرين لتشييد " ميناء بورتسودان " . وظل سيدنا يسرد التاريخ مدعَّماً بالوثائق والصور والإحصاءات المُذهلة والدقيقة لحالة البحر الأحمر وثغر السودان " الظامئ " . و جاء بالمصطلحات التقنية الخاصة بمهنته ، لتعريف الحضور وتقريب هذا العالم الواسع الذي نجهله :

• قدم لمحاضرته اللواء الركن (م) "التجاني علي صالح " ، الخبير وقائد البحرية السابق في السودان، نُبذة تعريفية عن العميد الركن (م) معتصم العجب . وذكر أن له معرفة عسكرية وعملية على طول المياه الاقليمية التابعة للسودان ، بما فيها منطقة " حلايب " .وتحدث عن أهمية البحر الأحمر من الناحية الاستراتيجية والسياحية والاقتصادية مع وجود كنوزها الممتدة من البر إلى البحر ، ومخاطر أن تكون تلك المجالات الحيوية بلا حراسة!. وأوضح أن ذلك يعتبر استراتيجياً خطأ فادح وأمر خطير !. وأوضح أن المحاضر العقيد الركن (م) " معتصم عبد الله العجب " قد تمَّ ابتعاثه لمصر لدراسة البحرية العسكرية ليرفد القوات النظامية العسكرية بأحد أجنحتها الضاربة وفق ما ستكون . و ذكر أنه نال تدريبات متعددة في الهند وفي ألمانيا وهو من أساتذة البحرية ، المشهود لهم بالخبرة الطويلة المتنوعة والممتازة في مجال البحرية العسكرية . وقد عمل في المنطقة لسنوات طوال .وهو من خير المجوّدين معرفتهم بالبحر الأحمر إذ هو من ذوي الاختصاص.

(5)

ملخص المحاضرة :

تناول المحاضر بإفاضة تكوين البحر منذ 20 مليون عام حين انفصلت إفريقيا عن آسيا من جراء الصدع البركاني ،الذي لم يزل يتشكل كما أوضح العالم " جون ولسون " ، والذي تنبأ بأن مناطق من " جيبوتي" و" موزنبيق" سوف تخرج عن قارة إفريقيا . وعن تكون البحر ، تحدث عن أنه بحر راكد من أكثر البحار ملوحة إذ تبلغ 30% . وضع المُحاضر خارطة مفصلة عن مواصفات البحر ، طوله/ عرضه ، متوسط أعماقه ، مساحته ، حجم الماء ، مساحة السطح ...الخ . وتحدث أيضاً
عن أن البحر يطل عليه عدة دول : مصر – إسرائيل – الأردن - السعودية - السودان – أريتريا – جيبوتي – اليمن.
ذكر أن الموانئ الرئيسة : السويس /غيلات/ العقبة / ينبع /جدة / جيزان/ المكلى . وأوضح أنه
ازدادت أهمية البحر من بعد 1869 بعد شق قناة السويس.
قدم المحاضر النقاط الواردة أدناه بتوسع وتفصيل :

محاور المحاضرة :
البحر الأحمــــر:

• التاريخ والخصائص.
• التكوين الجيولوجي.
• الخلفية التاريخية للبحر الأحمر.
• الموقع الجغرافي.
• الصفات والخصائص العامة للبحر والساحل.
• المناخ والأحوال الجو مائية.

الأهمية الاستراتيجية الدولية / الاقليمية / الوطنية للبحر الأحمر

• الأهمية الاستراتيجية الدولية والاقليمية للبحر الأحمر.
• الأهمية الاستراتيجية الوطنية للبحر الأحمر.
• الأهداف الحيوية للدولة بالمياه الاقليمية.
• الاهداف الحيوية للدولة بالساحل

ساحل البحر الأحمر السوداني

• السمات والخصائص.
• تحديد المياه الإقليمية والاقتصادية.
• الموارد والثروات بالساحل والبحر.
• الإمكانات السياحية بالساحل السوداني.
• توصيات استثمارية واقتصادية للبحر والساحل.

أمن البحر الأحمر

• خلفية تاريخية عن التهديدات وخطط التأمين العسكرية للساحل.
• التهديدات الأمنية والخروقات الماثلة علي المياه الاقليمية والساحل.
• توصيات أمنية وعسكرية.


(6)

السيرة الذاتية للعميد الركن (م) معتصم عبد الله العجب :
الاسم : معتصم عبد الله العجب إبراهيم.
المراحل الدراسية: العِزبة الأولية بحري / الأهلية الوسطي بحري / الخرطوم الثانوية القديمة.

اسم التأهيل أو الدورة ، المكان:
• بكالوريوس الدراسات البحرية جمهورية مصر العربية.
• دورة ملاحة بحرية وتوجيه جمهورية الهند.
• دورة أساليب ووسائل تدريب حديثة جمهورية الهند.
• دورة طوربيد ومكافحة غواصات جمهورية الهند.
• دورة قيادة وأركان صغرى كلية القادة والأركان / السودان.
• ماجستير العلوم العسكرية كلية القادة والأركان / السودان.
• دورة أركان حرب بحرية كلية القادة والأركان /ألمانيا الاتحادية.
• دبلوم لغة ألمانية معهد اللغات الفدرالي/ألمانيا ألاتحادية.
• دورة كمبيوتر معهد الأمل الدولي.
• دورة نظم تدريب منهجي (سات) تمهيدية شركة داسكام.
• دورة نظم تدريب منهجي (سات) تحليل شركة داسكام .
• دورة نظم تدريب منهجي (سات) تصميم شركة داسكام .

المؤهلات العلمية
الخبرة العملية:
• ضابط أول زورق مرور 73- 1974 / السودان
• قائد زورق مرور 75-1976 / السودان .
• قائد سفينة إبرار 1977 / السودان .
• مدرب بالمدرسة البحرية 77- 1979 / السودان
• قائد مجموعة زوارق المرور 82 – 1985 / السودان.
• ركن عمليات وتدريب التشكيل البحري 85 – 1986 / السودان .
• مدير فرع تدريب قيادة القوات البحرية 88-1989 / السودان .
• ركن تجارب بحرية – شعبة الإنشاءات البحرية – 1996- 2004.
• ركن تحليل بفريق تطوير التدريب بقيادة مجموعة حرس السواحل منذ سبتمبر2004 .

الأنشطة الاجتماعية :
• عضو مجلس إدارة نادي العملاق الرياضي الاجتماعي - بورتسودان / نائب رئيس أتحاد كرة القدم المحلي بالبحر الأحمر 1988 – 1992 .

تحية له من على البُعد ، فقد كانت غُدوةً في مجال تخصصه . طيب النفس. عال الهِّمة. على خلق نبيل ، ويتكئ على رصيد من الثقافة يُجبرك أن تُفكر وأنت تحاوره . وهو كما كان عهد السودانيين في مواضي أيامهم . يعتز بالوطنية ، لم ينتم لحزب ، ولا لطائفة . قدوة هو في العمل الاجتماعي العام ، في كل الدروب الشائكة التي عبرها بطمأنينة الراضين بقدرهم ، والممسكين الجَّمر ، والمتأملين عودة وطنهم إلى جادة ما نهوى جميعاً أن يكون الوطن سيداً من جديد .

عبد الله الشقليني
16 يونيو 2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.