المدن في السودان (1)

Towns in the Sudan (1)
Robert S. Kramer روبرت كرامر
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذا هو الجزء الأول من الفصل الأول في كتاب "Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahadiyya, 1885 - 1898 مدينة مقدسة على النيل: أم درمان في سنوات المهدية، 1885 – 1898م"، والذي أعمل الآن على ترجمته كاملا.
ويعمل البروفيسور روبرت كرامر أستاذا لتاريخ الشرق الأوسط وأفريقيا بكلية سانت نوربينت بولاية وسيكنسون الأمريكية، ونشر - منفردا وبالاشتراك - عددا من الكتب والمقالات عن تاريخ السودان، خاصة في عهد المهدية، وعن الطريقة التيجانية في غانا.

*********** *********** ********
"لا توجد هنالك فروقات تذكر بين القرى والمدن في هذه البلدان". هكذا كتب الرحالة السويسري جون لويس بيركهاردت عند زيارته للسودان في عام 1814م. "فأي مكان يسكنه بشر مهما صغر أو كبر حجمه يسمى عندهم (بلد)، وأي قرية صغيرة تسمى (نزل). ولا يمكن إطلاق كلمة "مدينة" على أي مكان بالسودان". غير أن بيركهاردت وصف لاحقا في كتاب مذكراته عن تلك الرحلة، بتفصيل شديد، التجارة المزدهرة في شندي وفي ميناء سواكن على البحر الأحمر. ورغم أن بيركهاردت لم يمكث في السودان زمنا طويلا، ولم يزر كل مناطقه، إلا أن ملاحظاته ظلت صحيحة لسنوات قادمات، إذ أن السودان النيلي الشمالي لم يكن قد خرج حينها إلا منذ وقت قريب من عهد يسميه العلماء "سلسلة من الدويلات الزراعية التي لا توجد فيها مدن". وكانت سوبا عاصمة المملكة المسيحية علوة، تلك المدينة العظيمة، قد هدمت منذ عقود طويلة، وطواها النسيان. ووصفها المقريزي، المؤرخ العربي في القرن الخامس عشر، بأنها مدينة " ذات بنايات جميلة، ودور واسعة، وكنائس مزينة بالذهب، وحدائق بهيجة". غير أنه لما رآها ديفيد روبيني (الرحالة اليهودي. المترجم) في عام 1523م، لم يكن فيها غير قليل من الأكواخ. أما بالنسبة لباقي وادي النيل، فقد كان في نظر بيركهاردت وغيره من الأوربيين الذين زاروا المنطقة عبارة عن "سلسلة رتيبة ومملة لقرى صغيرة بائسة" وليس فيها من شيء يذكرهم بأي عاصمة أو مدينة كبيرة1.
ولم يكن بيركهاردت وغيره من الأوربيين على علم بالتغييرات الكبيرة في البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في شرق السودان في تلك السنوات. وكانت دولة الفونج في سنار، التي خلفت الممالك النوبية، قد قامت في بداية القرن السادس عشر بين النيلين الأزرق والأبيض. وفي أقصى الغرب قامت كذلك في دارفور حول جبل مرة دولة كيرا بعد نحو 150 عاما. وحكم هاتين الدولتين حكام سلالة أقوياء، تسيدوا السلطة في مملكتيهما، مع طبقة من النبلاء، واحتكروا التجارة (الخارجية)، وامتلكوا العبيد، وسخروهم للعمل في المزارع والبيوت وغيرهما، وأداروا – دون غيرهم - دفة الاقتصاد في دولتيهما.
ومع نهايات القرن السابع عشر، بدأت في الظهور سلسلة من التطورات والتحديات التي أفضت لتغيرات شاملة في النظام القديم. ففي سنار على وجه الخصوص، نمت طبقة التجار الذين كانوا جميعا من العرب والمسلمين. وشجعت الصلات التجارية المربحة التي أقاموها على قيام سلطة قضائية مستقلة، وعملات معدنية، وعلى أشياء أخرى كذلك. وشهد القرن الثامن عشر تمدد مدن تجارية صغيرة في سائر المنطقة، ونمو سريع لطبقة التجار المسلمين بنهج رأسمالي يقيم الأرض والعلاقات الإنسانية بالحساب النقدي المحض. وكانت دولة الفونج في أيام زيارة بيركهاردت لها في طور الاحتضار. وكانت كل مؤسساتها السلطانية قد تآكلت من الداخل، وضعفت قوتها بفعل الحرب الأهلية. وبعد مرور ست سنوات بدأ الخديوي المصري محمد علي باشا في عام 1820م في غزو السودان بحثا عن الرقيق والذهب، وسير جيشا بقياده ابنه إسماعيل باشا تمكن من دخول سنار دون مقاومة بعد عام واحد من دخوله للبلاد. وأكمل الجيش التركي – المصري سيطرته على المناطق السودانية حول النيل تقريبا في عام 1822م. وخلال الستين عاما التالية تسارع التغيير في السودان، وشمل ذلك فرض ضرائب نقدية باهظة، وزعزعة استقرار السكان، واعتماد متزايد على تشغيل الرقيق، واعتبار الأرض ملكية خاصة. وصارت كل سلطات البلاد العليا في الخرطوم، حيث ملتقى النيلين (العاصمة الاستعمارية للبلاد الآن)، القريبة من سوبا، عاصمة الدولة المسيحية القديمة علوة.
ومع بداية عام 1881م تضافرت قوى عديدة على صعود نجم محمد أحمد المهدي، وتكوينه لنظام جديد، وهو بالقطع عودة لنظام تليد2.
وقبل قدوم بيركهاردت بكثير، كانت هنالك بمملكة الفونج مدينتان، لفتتتا نظر واهتمام المنطقة وربما العالم أجمع. وأشارت "مخطوطة الفونج" (التي جمعت بين عامي 1504 و1871م) إلى أن الفونج أقاموا مدينة سنار بعد عام 900هـ (تحديدا في عام 910 هـ الموافق لعامي 1504 – 1505م) على يد عمارة دنقس أول سلاطينها. وكانت مدينة أربجي قد أقيمت قبل ذك بنحو ثلاثين عاما. وكانت قوة النشاط التجاري فيهما هي الصفة المشتركة بين المدينتين. غير أنه كانت هنالك بينهما أيضا بعض الفروقات. فقد جعلت سنار مركزا لخزانة الحاكم، ومقرا للمالية، ولكنها لم تغدو العاصمة الملكية إلا بعد مرور قرن بعد ذلك. وسميت السلطنة بأكملها على اسمها. وغدت سنار مدينة (تستحق الاسم) في عام 1700م. وكان من رأي أحد العلماء أن التجارة "كانت واحدة من أشغال المؤسسة المالكة". وكان غالب شركاء سنار التجاريين من المسلمين حتى قبل وقت طويل من دخول الفونج في الإسلام – ومع الإسلام بدأوا في استخدام اللغة العربية وذلك لأسباب تجارية وأخرى استراتيجية. ومع نمو مدينة سنار باضطراد، غدت مدينة أربجي مركزا للتجارة الخارجية التي كان يديرها التجار بأنفسهم بطريقتهم الخاصة. وكان هؤلاء "يشكلون طبقة اجتماعية مميزة ومتفردة في السلطنة". وكانوا يتمتعون بنوع من الإدارة / الحكم الذاتي كميزة خاصة ينفردون بها. وكان من بين أولئك التجار السودانيين بعض الذين أتوا من البجا بشرق السودان. وقد أكد هؤلاء سيادة وسطوة كانوا يتمتعون بها سابقا قبل سيادة الفونج في ميادين التجارة. وما أن جاء القرن الثامن عشر، حتى صار "كل التجار السودانيين الذين هم ليسوا من الفونج يعرفون عند جيرانهم في سنار بأنهم (حضور hudur)، وهي تحريف للكلمة البجاوية (حدرابة Hadariba ) التي تصف قبيلتهم. والفرق الوظيفي بين سنار وأربجي فرق مهم وجدير بالاعتبار. فقد كان من العادة ألا تتم التجارة بشرق السودان (العابرة للمناطق والدول) في سوق العاصمة. "4فهذا الفرق، في صورته الفيزيائية، كان واحدا من استعمالات مؤسسية عديدة، تفرق بين التجارة الخارجية وبين التبادل التجاري على مستوى المناطق المحلية الممارسة في مدينة السلطان"3.
وترك لنا الرحالة الأجانب أوصافا قيمة لمدينتي أربجي وسنار. ففقد وصف الرحالة الفرنسي جيزوي شارل بريفيدا، الذي زار السودان عام 1699م، مدينة أربجي بأنها "واسعة، ولكنها قليلة السكان، وتزخر بكل المواد التموينية في وفرة كبيرة". أما زميله شارل بونسيه فقد توسع في وصف سنار، وكان من ضمن ما كتبه عنها التالي: "هذه المدينة، التي تبلغ مساحتها فرسخا ونصف، مزدحمة بالسكان ...، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب المئة ألف نسمة. وبيوتها مبنية بطريقة سيئة، وكلها من طابق واحد. غير أن أسقفها المسطحة مناسبة جدا... وكل الأشياء رخيصة في سنار. فالجمل لا يزيد ثمنه عن سبعة أو ثمانية ليرات (الليرة livreعملة فرنسا بين عامي 781 و1794م. المترجم)، والثور مئة بينس، والخروف 15 بينس، والدجاجة بينسا واحدا. ويقام السوق يوميا في وسط المدينة، حيث تباع فيه كل المواد التموينية والبضائع المتنوعة. وهنالك سوق آخر يقام أمام قصر السلطان. وفي هذا السوق يعرض الرقيق للبيع". ولا ريب أن أفضل من وصف مدينة سنار هو الرحالة الألماني فرانسيسكان ثيودور كرمب، الذي زار السودان بين عامي 1700 و1702م. وعرج كرمب على أربجي وهو في طريقه للعاصمة سنار، ووصف أربجي بأنها "مكان لطيف وجذاب، يتجمع فيها الجلابة (التجار) لعبور النهر". وكتب أيضا: "... وبالإضافة لذلك، توجد في مملكة الفونج هذه، بعض المدن الكبيرة المكتظة بالسكان، خلافا لمملكة النوبة، التي لا يجد فيها المرء إلا قليلا من البيوت المتراصة على ضفاف النهر". وبعد أن وصف مجمع القصر الملكي (الذي يمكن للمرء أن يطوف بكل أجزائه في ثلاثة أرباع الساعة) شرع كرمب في وصف مدينة سنار: "يجب أن نعلم أن سنار ربما كانت من أعظم المدن التجارية في كل أنحاء أفريقيا، وإلى أقصى الشمال حيث بلدان المغرب العربي. فقد كانت القوافل التجارية تقدم إليها باستمرار من القاهرة ودنقلا وبلاد النوبة، وعبر البحر الأحمر من الهند وإثيوبيا ودارفور وبورنو وفزان وكثير من الممالك الأخرى. هذه مدينة حرة تماما، ويمكن لأي رجل من أي جنسية أو ديانة أن يقطن فيها دون أدنى عائق. وكانت الثانية بعد القاهرة من حيث عدد السكان. ويقام فيها يوميا سوق عام في ساحة بوسطها، يَؤُمّه الكثير من الباعة والمتسوقين. ويسود سوق سنار النظام والترتيب. ففي جانب محدد منه تباع السلع التجارية والخُرْدوات. وفي جانب آخر منه يباع العاج. بينما تباع الحيوانات مثل الحمير والخيول والجمال في جانب آخر. وهنالك مكان مخصص في السوق لبيع الأخشاب، وآخر للخضروات مثل البصل والتمر والقمح والذرة (التي تخمر وتصنع منها الكسرة)، وتغذى بها الماشية. وتجد في السوق أيضا قصب السكر والقش (علف الجمال). وهنالك مكان مخصوص لبيع اللحوم والدواجن. وهكذا خصصت في ذلك السوق أمكنة خاصة لكل نوع معين من البضائع. وفوق كذلك، خصص في ذلك السوق اليومي مكان مخصوص لبيع البشر كرقيق، حيث يجد المرء الكثير من الذكور والإناث - من كل الأعمار - يباعون كالماشية".
وانتقل كرمن بعد ذلك لمناقشة موضوعات متنوعة (شملت بيع الرقيق، والخلافة في السلطنة، والجزية التي يدفعها حاكم قري الخ). ثم قام بوصف العملات في سنار، فأورد التالي: "وهنالك أنواع أخرى من العملات في سلطنة الفونج، وكذلك في مملكة النوبة، وفي الواقع في أفريقيا والمغرب العربي. وهذه العملة تتكون من قطعة من القماش القطني طولها 24 ذراعا وعرضها شبرين. ويسمي العرب تلك القطعة في لغتهم "توب الدمور".
وبعد سبعين سنة من زيارة الرحالة الألماني كرمب زار سنار الرحالة الأسكتلندي جيمس بروس في سنوات احتضارها. ورغم ذلك كتب بروس عنها ما يلي: " المدينة مكتظة بالسكان، وبها عدد كبير من المساكن الجيدة ذات الطابق الواحد، مشيدة من الطين اللبن على النمط المعتاد في هذه المنطقة. وهنالك أيضا قليل من بيوت كبار الضباط المبنية من طابقين". وفي طريق عودته لمصر قضى بروس يومين في أربجي، والتي وصفها بأنها "قرية كبيرة لطيفة"، وفيها "كمية وافرة من المؤون".
وبعد 11 سنة من ذلك، أي في عامي 1783 – 1784م، قام الحاكم العبدلابي محمد الأمين وجنوده بمسح أربجي من على ظهر الأرض. وأَبَّنَتها "مخطوطات الفونج" بالقول بأن أربجي" كانت مدينة ذات مَبَانٍ جميلة، وأرض صالحة للزراعة والتجارة أيضا، وأطْعِمة وأَشْرِبَة فاخرة راقية. وفيها رجال علم وتُقًى، ومدارس قرآنية (خلاوي) يدرس فيها الصبية علوم الدين ويحفظون القرآن. ومن يتعلم فيها سيخبرك بكرامات شيوخها".
وقدم الرحالة والمغامر الأمريكي جورج إنقلش، الذي رافق حملة إسماعيل باشا عند غزوه لسنار عام 1821م، وصفا لما رآه وسط أنقاض المدينة، ولاحظ أن مسجد سنار كان مبنيا من الطوب، ومحافظا على حالته الجيدة، ونوافذه مغطاة بحواجز شبيكة برونزية جيدة الصناعة، وأبوابه منحوتة بطراز غريب وبديع. وقدر جورج إنقلش محيط دائرة المدينة بثلاثة أميال، وذكر أن بها الكثير من البيوت ذات الطابق الواحد، المبنية من الطوب المحروق بالنار، أو المجفف تحت أشعة الشمس. وأشار الرجل الأمريكي إلى أن ما لفت نظره فعلا في سنار هو" جمال الصناعة في أبوب بيوتها القديمة، والتي كانت تتكون من ألواح خشبية مستوية، وأخرى ذات مفاصل، ومزخرفة في كثير من الأحيان بأشغال منحوتة، ومقواه ومرصعة بمسامير كبيرة الرأس. وكل ذلك لا يُضاهَى بما لدى سكان سنار اليوم"4.
ويوجد إلى الشمال من سنار وأربجي عدد من المدن الصغيرة والقرى المهمة الواقعة على ضفاف النيل. وبحسب ما هو شائع تراثيا، فالفضل يعود في توحيد شمال السودان النيلي إلى عبد الله جماع، الزعيم العربي الذي تحالف مع الحداربة بشرق السودان. وقيل إن جماع اتخذ من قرية قري الواقعة على ضفاف النيل (شمال الخرطوم) عاصمة له قبل أن يهزم النوبيين المسيحيين إلى جهة الجنوب (الذين يطلق عليهم العنج). ويزعم بعض المؤرخين أن أربجي كانت قد أقيمت كمركز تجاري في غضون سنوات حكم جماع، وكانت بمثابة الحدود الجنوبية لدولته الموحدة، والتي ورث حكمها من بعده من العبدلاب حاكم يطلق عليه لقب المانجل (المانجلك)، كان يحكم منطقته باسم سلاطين الفونج. ومع مرور السنوات غدت قري مركزا سياسيا مهما بعد إحكامها السيطرة على ممالك النوبة الصغيرة في شمال البلاد. ورغم أن قري لم تكن بالقطع "مدينة"، إلا أنها كان نقطة جمارك مهمة (وغنية افتراضا)، إذ أنها كانت تتحكم في مرور تجارة القوافل القادمة من مصر وسواكن والمتجهة لسنار. وبدت قري للرحالة الفرنسي جيزوي شارل بريفيدا في عام 1699م كـ "قرية كبيرة". أما الرحالة الألماني كرمب، فلم يكن لديه الكثير ليقوله عن قري سوى أن محيطها بدا مثل "حديقة بهيجة زرعت فيها أجود أصناف المحاصيل وأشجار الفاكهة". وقدر الرحالة الأسكتلندي بروس بأن "قري بها نحو 140 من المساكن ذات الطابق والارتفاع الواحد، التي تتميز بجودة البناء والنظافة والتنظيم والسقوف المسطحة". وربما انتقلت عاصمة العبدلاب في أخريات القرن الثامن عشر إلى الحلفايا (الحلفاية)، قرب ملتقى النيلين، التي كانت آهلة بالسكان منذ وقت طويل، ويعتمد اقتصادها على نسج قماش الدمور، ولعل ذلك هو سبب تسميتها بـ "حلفاية الملوك". ووصف الرحال الألماني كرمب الحلفاية بأنها "مكان واسع رَّحْبُ، وتشبه طبيعة البيوت فيها ما هو مشاهد في بلاد النوبة، إلا أن مساكن الحلفاية أكبر مساحة، وأجمل منظرا، وأشد نظافة. كذلك تمسح جدران البيوت في الحلفاية بطبقة من الروث أكثر نعومة من تلك التي على بيوت النوبة". ووصف الرحالة الأسكتلندي بروس الحلفاية بأنها "مدينة لطيفة واسعة... بها نحو 300 من المنازل ...".
واستسلم شيخ العبدلاب في عام 1821م للجيش التركي – المصري بقيادة إسماعيل باشا. وزعم الرحالة الفرنسي فريدريك كاليو أن عدد سكان الحلفاية (الرجال) "تناقص بسبب الحرب من ثمانية أو تسعة آلاف إلى ثلاثة أو أربعة آلاف"، وأن "محيط الحلفاية كان يبلغ ما لا يقل عن أربعة أميال". وذكر أنه لم تكن هنالك في الحلفاية شوارع منتظمة، وأن كل البيوت مبنية من الطين ومكونة من طابق واحد عدا بيتين أو ثلاثة5.
وإلى الشمال من قري عبر النيل تقع شندي، التي كانت مدينة تجارية مهمة، حيث تمر بها القوافل المتجهة لغرب كردفان ودارفور، ومناطق جنوب سنار، وشمالا لمصر أيضا. وأكد أحد الكتاب بأن شندي "ليست مجرد عاصمة إقليمية مثل دنقلا أو بربر، بل هي مدينة تجارية مركزية تمتد صلاتها بمناطق بعيدة مثل سواحل بحيرة تشاد والجزيرة العربية والهند، ومن مصر وأوروبا إلى الحبشة. لقد كانت أكبر المدن بشرق السودان، وهي التجارة بين سنار وكردفان ودارفور في اتجاه، والقاهرة ومكة والحبشة والهند في اتجاهات أخرى. غير أن بروس لم يعجب بشندي بصورة خاصة عندما زارها، بل وصفها بأنها "مجرد قرية كبيرة، تعد عاصمة لمنطقتها، وتتكون من نحو 260 بيتا، يمكن لقليل منها أن يعد سكنا يمكن احتماله". أما الرحالة السويسري بيركهاردت فقد كان لديه الكثير ليقوله عن شندي:
"بالإضافة لسنار وكوبي (في دارفور) فشندي تعد المدينة الأكبر في شرق السودان. وهي أكبر – بحسب روايات التجار - من عاصمتي دنقلا وكردفان. وتتكون شندي من عدة أحياء، تفصل بين كل واحد منها "أمكنة عامة" أو أسواق. وبها على وجه الإجمال بين 800 إلى 1000 من المنازل... وهذه المنازل شبيهة بما يراه المرء في بربر، غير أن شندي فيها مَبَانٍ أكبر من تلك التي توجد في بربر، وعددا أقل من الخَرَابات. غير أنك قلما تجد في شندي شارعا مستقيما، بل تنتشر فيها الشوارع (الضيقة الملتوية) في فوضى عظيمة. ولم أر في أي مكان في هذه المدينة بيتا مشيدا بالطوب المحروق. غير أن بيوت حاكم شندي وأهله المقربين كانت بها ساحات (حيشان) واسعة مساحة كل واحدة منها نحو عشرين قدما مربعا تحيط بها جدران عالية ... وحكومة شندي تفضل حكومة بربر في شيء واحد. فالسلطة الكاملة (في شندي) هي عند المك، ولا يقف في وجه سلطته تأثير العائلات الكبيرة المشهورة (كما هو الحال في بربر) ... ومصدر قوة سلطة المك المطلقة هي تنوع القبائل العربية التي تقطن شندي، وليس من بين أي منها قبيلة لها القوة الكافية لمجابهة عائلة المك بفروعها المتعددة. وكانت أكثر الطبقات احتراما بين سكان شندي هي طبقة التجار، وبعضهم أتى للمدينة من مناطق أخرى مثل دارفور وسنار وكردفان ودنقلا. وكان أكثر هؤلاء الوافدين التجار من الدناقلة، ولهم حي كامل خاص بهم".
ولاحظ بيركهاردت أن حاكم شندي (المعروف بالمك) قد أفلح في توحيد وجمع "كل أفرع السلطة في شخصه، بمساعدة أقاربه مع نصف دستة من رجال الشرطة، وكاتب وإمام، وخازِن، وحراس شخصيين (جُلّهم من الرقيق)" ولاحظ بيركهاردت أيضا أن سكان شندي أحسن هِنداما، وأنظف ملابسا، وأكثر ثراءً من سكان بربر، فهم يلبسون ذهبا أكثر، ويمتلكون رقيقا أكثر من أهالي بربر.
وكتب بيركهاردت عن التجارة في شندي، وفسر ازدهارها بأن المك "لم يكن يفرض أو ينتزع أي نوع من الضرائب من التجار". وبتفصيل شديد أتى ذلك الرحالة فيما كتب عن التجارة في شندي على الموارد الطبيعية التي تمتع بها المدينة وثروتها النباتية والحيوانية، وعلى تنظيم سوقها، والعملات المتداولة فيها، والبضائع العديدة التي ترد لها من البلاد القريبة والبعيدة على حد سواء، وصناعاتها اليدوية الخ. وفسر سبب توسعه في ذكر تفاصيل التجارة في شندي بالقول إن التجارة في هذه المنطقة "تمثل روح المجتمع بأسره في هذه المناطق، إذ ليس هنالك عائلة واحدة لا ترتبط – بصورة من الصور – بفرع من فروع التجارة، سواء أكانت تجارة جملة أو بالتجزئة. ويبدو أن أهل بربر وشندي (أهل تجارة لا عيش لهم إلا منها).
وانتقل بيركهاردت من التجارة معلقا على "طباع السكان وصفاتهم"، وقال إنه استغرب "من شيوع السُّكْرُ (drunkenness) والعربدة والفسوق (debauchery) بينهم. (لا ريب أن وصف الرحالة لمن لقيهم في تلك المنطقة بأوصاف متعجلة أمر لا يليق. فلا يمكن إطلاق مثل ذلك الحكم الجُزَافي على الجميع فقط لكونه لقي نمطا محدودا من الأفراد. المترجم).
وكان سكان منطقة شندي خليطا من القبائل والعرقيات المختلفة، خاصة الوافدين من دنقلا (وهم أحد تجار المنطقة ذكاءً وفطنة) والحدرابة من سواكن (وهم أكثر التجار ثراءً وعددا)، ومجموعة من المصريين والعرب الذين يعملون في تجارة الرقيق. وكانت شندي في أوج ازدهارها عندما زارها بيركهاردت. وبعد نحو تسع سنوات من زيارته (أي في عام 1823م) كانت المدينة قد هدمت تماما على يد الضابط التركي محمد بك الدفتردار، صهر الخديوي، انتقاما لمقتل إسماعيل بن محمد علي حرقا بتدبير من المك نمر في العام السابق. ولما زار الرحالة الأمريكي بياراد تايلور شندي في عام 1852م، وجدها في حالة تعيسة بائسة. ولم يجد الرجل فيها من مبنى لائق واحد غير دار تاجر يدعي دونقولا، ولم تكن للمدينة صلات تجارية بالعالم الخارجي سوى مع الجزيرة العربية عن طريق سواكن. وقدر تايلور (ربما بتخمين لا يخلو من جموح) أن عدد سكان شندي في ذلك الوقت كان لا يتجاوز 10000 نسمة6.
وعلى الجنوب من شندي، قبل التقاء النيل مع نهر أتبرا، تقع مدينة الدامر، تلك المدينة ذات الأهمية الاقتصادية، والمعروفة أكثر بأنها مدينة عائلة المجاديب الدينية التي اشتهرت في كل أرجاء البلاد بالورع والعلم والتعلم. وفي غضون سنوات سلطنة الفونج كانت الدامر قد عرفت بأنها "مجتمع مستقل للشيوخ ... وخير مثال موثق للكبير والصغير من الجماعات الدينية المشابهة" على طول نهر النيل. وبالإضافة لذلك، كانت تلك الجماعات الدينية معفاة من الضرائب وما تفرضه الدولة من التزامات أخرى. ولم يكن مسموحا لمسؤولي الدولة بالدخول في مدن وقرى تلك الجماعات الدينية دون إذن. ومن الطريف أن المَدينين وجدوا في الدامر ملاذا آمنا من ملاحقة الْمُدِينين والشرطة والسجون، وحيلة لبدء حياة جديدة، الأمر الذي أثار حنق الحكومة. وكان لمجتمع الدامر الديني مخازنه (مطاميره) المليئة دوما بالحبوب، ويتحكم شيوخها في أسعارها وأسعار الأغذية الأخرى لمصلحة المزارعين. وقضى بيركهاردت خمسة أيام في الدامر في عام 1814م، وكتب بتعاطف شديد عما أسماها "هذه الدولة الهرمية الصغيرة". وكان يعد الدامر "قرية كبيرة، أو "مدينة صغيرة" بها نحو خمسمائة من البيوت الطينية. وأضاف بأن الدامر "تتميز بكثرة المباني الجديدة المنتظمة والشوارع المستقيمة، وعدم وجود خرابات بها"، ووصفها أيضا بأنها "أكثر تنظيما وأشد نظافة من بربر القريبة. ولاحظ بيركهاردت كثرة الأشجار الظليلة في أماكن كثيرة من الدامر ... و"في المدينة الكثير من المدارس (الخلاوي) التي يتوافد عليها الشباب من مناطق بعيدة مثل دارفور وكردفان وسنار ومناطق أخرى من السودان لتعلم العلوم الشرعية (في الأصل القانون. المترجم)". وخلافا لشندي، وجد بيركهاردت مسجدا في الدامر ووصفه بأنه: "يقوم على أقواس مبنية من الطوب، وأرضيته مفروشة بالرمل الناعم النظيف. وهو أبرد مكان في الدامر، ويقبل عليه زوار المدينة والغرباء للنوم على رماله الباردة لساعات، خاصة بعد صلاة الظهر. وتوجد حول الساحات المحيطة بالمسجد بعض الغرف التي تستخدم كفصول لتدريس الصبية. ولكثير من الشيوخ/ الفكيا (جمع فكي) مُصَلَّيات صغيرة بالقرب من مساكنهم. غير أن صلاة الجمعة تقام دوما في المسجد الجامع الوحيد بالمدينة.
ولاحظ بيركهاردت أيضا أن الزراعة مزدهرة جدا في الدامر، بأكثر مما هو موجود في أي مكان آخر بين شندي ودنقلا. وتنتج حقول الدامر المروية محصولين في العام. وتشمل تلك المحاصيل الذرة، والقمح، والبامية، والفلفل، مع كميات وفيرة من القطن والتبغ. وتشتهر الدامر كذلك بنسج الدمور. ولا يستبعد أن يكون اسم ذلك القماش مأخوذا من اسم المدينة. والدامر مدينة تجارية تمر بها القوافل التجارية القادمة والمتجهة نحو سواكن ودنقلا وشندي. ولا تفرض الدامر أي مكوس على البضائع في تلك القوافل، الأمر الذي شجع تجار القوافل على المرور بها.
وعلى الرغم من شهرة المجاديب كرجال دين وعلم وتقوى وزهد، وهي صفات حميدة جعلت العرب الرحل من حولهم ينظرون إليهم بعين الاحترام والرهبة، إلا أن بيركهاردت زعم أنه أصيب بدهشة كبيرة لاكتشافه في الدامر وجود محلات للسُّكْرُ والعربدة والفسوق (لعل المقصودة هي "الأنادي". المترجم) كان قد اعتاد على رؤيتها في بقية المدن السودانية الأخرى التي زارها. وربما دل ذلك على أن سلطة الشيوخ، حتى في دول هرمية صغيرة، لم تكن سلطة مطلقة، بل سلطة تعرف حدود قدراتها.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.