مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في الفصل التاسع من كتاب (السودان في طريق التطور Sudan in Evolution) لمؤلفه البريطاني بيرسي اف. مارتن Percy F. Martin (1861-1941)، الذي صدر بلندن في عام 1921م عن دار نشر كونستابل وشركاه. Constable & Company ويتناول هذا الفصل تاريخ السجون بالبلاد في عهد الاستعمار الإنجليزي – المصري. 

للمزيد عن تاريخ السجون في السودان يمكن النظر في مقال ريتشارد اوين المترجم بعنوان "السجون في السودان" shorturl.at/fiktV، ومقالي ويليو بيرديج: "أوجه القصور في سجون سودان ما بعد الاستعمار: من الإصلاح إلى الاقتصاص، 1956 – 1989م" shorturl.at/nvG46، و"الأيديولوجيات الملتبسة والتقييدات في السجون السودانية في عهد الاستعمار" shorturl.at/coAW2.
المترجم
***** ****** *****
وجد حكام السودان في عهد الحكم الثنائي السجون في حالة يرثى لها. وكانت تلك إحدى بقايا آثار بربرية العهد المهدوي السابق. وتطلب إصلاح السجون بالبلاد اهتماما ووقتا. وبقيت السجون مصدرا للشكوى والانتقاد حتى عام 1905م، حين أُقر نظام السجون الحالي. وحدثت بتلك السجون الكثير من الحالات المعقدة العسيرة، ولم يكن المساجين يأبهون بأحوالهم، وبقوا راضين بقسمتهم دون دفع أو احتجاج. ولم يكونوا يأملون بأن يستمع أحد لشكاويهم، التي لم تكن لتجد من يستقصى أحد من المسؤولين صدقيتها على كل حال. وعلى الرغم من أن السلطات كانت ترغب بالفعل في إصلاح السجون ومراجعة قوانينها ونظمها، والفصل في شكاوى المساجين التي تقدم لها، إلا أن عدم قدرة المساجين على تقديم الأدلة على دعاويهم جعل من المستحيل على المسؤولين عمل شيء بخصوصها.
تنقسم سجون السودان لقسمين: سجون مركزية، وأخرى محلية. وأقيم أكبر السجون المركزية في الخرطوم بحري. ويضاهي هذا السجن أي سجن بمصر، أو حتى بأي مدينة أوروبية. وخصص في ذلك السجن قسم للأوربيين وآخر للأهالي، وكان بكل قسم زنازين للحبس الانفرادي.
وكان السجناء (من الذكور والإناث) يوضعون في جزئين منفصلين: الدرجة الأولى، والدرجة الثانية. ففي الجزء الأول يقيد المساجين بالأغلال، وفي الدرجة الثانية يتبع المساجين نظاما صارما نسبيا، ولكنه يوفر لهم حرية أكبر وهم بين أسوار السجن.
أما أكثر السجناء الذين كانوا يلقون معاملة بالغة الصرامة فهم معتادي الإجرام. وكان معظم هؤلاء يأتون من مدينة الخرطوم وضواحيها، وقد ثبت للسلطات أنه ليس هنالك من سبيل لتقويمهم، فهم مجرمون يصعب التعامل معهم. ووجدت السلطات أن الطريق الوحيد للتعامل مع هؤلاء العتاة من المجرمين هو تقليل كمية الطعام المقدم لهم للحد الأدنى الذي لا يضر بصحتهم البدنية، وفي ذات الوقت يمكنهم من أداء "الأشغال الشاقة" التي حُكم بها عليهم. وكان على قسم المراقبة الطبية والصحية بالسجن ضمان عدم وقوع مشقة فائقة أو غير ضرورية على هؤلاء المساجين الخطرين.
كان الطعام الذي يقدم لهؤلاء المجرمين الميؤوس من إصلاحهم يتكون من مئتي درهم dirhem(10 أوقيات) من كسرة الذرة يوميا. وكانوا يمنحون أيضا يوما بعد يوم ستة دراهم من الزبد، وخمسة وعشرين درهما من اللحم، وخمسة وأربعين درهما من الخضروات، وخمسة دراهم من الملح. وواضح من مكونات ذلك الطعام أن أولئك المساجين لم يكن يتعرضون للتجويع قط.
كان أولئك المساجين يقومون دوما بأعمال بالغة المشقة، وكانوا يُميزون عن غيرهم من المساجين (العاديين) بلباسهم الأسود وبالأغلال التي تقيدهم. وكانوا ينامون في أماكن مختلفة منفصلين عن بعضهم البعض، وليست لهم أي حقوق في الحصول على إفراج مشروط. ولعل تلك كانت هي الطريقة الوحيدة لمعالجة أولئك الذين اعتادوا على الاجرام. غير أن تلك المعاملة البادية القسوة لم تجد نفعا، للأسف، في ردعهم. ولا ريب أن أمثال أولئك المجرمين يشكلون مصدر يأس وقنوط للمسؤولين ولدعاة الإنسانية على حدٍ سواء.
وعلى الجانب الآخر، إن أبدى المسجون أي رغبة أو نزعة نحو الإصلاح الأخلاقي وحسن السير والسلوك في غضون فترة محكوميته، فمعاملته ستكون أكثر رفقا ولينا. وكان كل من يحكم عليه بستة أشهر أو ما فوقها يُشغل في إصلاح الطرق العامة، وحمل الماء، أو ردم شاطئ النهر. وقد يتلقى تدريبا عمليا في مهن كالخياطة أو النجارة أو الغسيل أو صناعة الطوب أو الجلود والحبال والفُرَش أو غير ذلك من الأعمال اليدوية. ولا يساعد مثل ذلك التدريب المهني على إيجاد مهنة شريفة للمسجون بعد خروجه من السجن فحسب، بل يمنح المسجون جزءًا من الأرباح التي تجنيها من عمله محلات بيع أعمال السجناء. وعادةً ما تتجمع للسجين مبالغ ليست بالقليلة عند خروجه من السجن نظير عمله فيه. ويوزع نحو 10% من الأرباح بتلك الطريقة، بحسب مهارة السجين ونوع صناعته. وأفلحت تلك الخطة بلا شك في تحفيز السجين لتطوير أدائه وزيادة مهارته في مهنته. غير أن إدارة السجن كثيرا ما كانت تكتشف أن بعض السجناء يدخلون السجن وهم عاطلين عن الموهبة أو القدرة على تعلم أي مهنة جديدة، وأن بعضهم كسالى لا يرغبون في التعلم أو التدريب، وأن بعضهم غير مكترث بما ستصنع بهم الأقدار. وهنا يخطر للمرء المقولة المأثورة: "ليس بوسعك أن تعلم الكلب العجوز حيلاً جديدة".
والتفتن إدارة السجن إلى معاملة الأحداث فأولتهم عنايةً خاصة. ففي حالات المخالفات أو البسيطة يعاقب الحدث الجانح بالجلد الخفيف. وقد يراه البعض ممن شاهدوا عملية الجلد وعلموا ما أرتكبه الحدث المعاقب أن ذلك الجلد أخف مما ينبغي. والخرطوم والمدن الكبيرة الأخرى مليئة بالمشاغبين والمزعجين من الأولاد (ولكنهم ليسوا بالضرورة أشراراً بالفطرة). وإذا لم تضع السلطات يدها عليهم باكرا، فقد يغدون في سنوات قليلة من أخطر المجرمين بسبب فقدانهم للرعاية والتوجيه والاشراف.
وفي السجن يحبس أولئك الأحداث في غرفة منفصلة عن غيرهم من المساجين البالغين، ويبقون دوما تحت إشراف سجان خاص. وتحرص إدارة السجن على إبعاد أي بالغ من المساجين عن هؤلاء الأحداث. ويتلقى الأحداث تعليما مدرسيا لساعتين كل صباح، ثم تعليما مهنيا للتدريب على صنعة ما عند الظهيرة. ويتلقون أيضا تدريبا رياضيا على يد معلم ماهر في مختلف ضروب الرياضة من أجل الحفاظ على صحتهم، وليغدوا لاحقا أعضاء فاعلين في مجتمعهم. ويتلقى الواحد من هؤلاء الأحداث طعاما مغذيا يعادل تقريبا ما يناله المسجون البالغ، إلا أن كمية الكسرة في طعامهم أقل.
وماذا عن مصير الأولاد السيئين الذين لا يرجى إصلاحهم بعد خروجهم من السجن؟ من الواضح أنه ليس بمقدور السلطات فعل أي شيء أكثر من تقديم الرعاية لهم والمحافظة على سلامة أوضاعهم الصحية والأخلاقية في غضون مدة محكوميتهم في السجن. وبمجرد خروجهم من تلك المؤسسة فهم يقفدون تلك الحماية، ويفعلون ما يريدون في حياتهم. وكثيرا ما لا يكون لأولئك الأولاد بيوت يعودون لها، أو قد لا يرضى الآباء بعودتهم إلى الأسرة. وليس بمقدور الحكومة أن تحل محل الأبوين (in loco parentis) في رعاية من يتم إطلاق سراحهم من أولئك الأحداث، رغم أنها تبذل ما تستطيع لإيجاد عمل شريف ومستدام لهم عندما يتطلب الأمر ذلك. ولا شك أن دخول البالغ أو الحدث للسجن يشكل "وصمة" للسجين في أعين أفراد المجتمع، ويقلل من فرص إيجاد عمل له، رغم أن هذا يحدث في السودان بصورة أقل مما يحدث في دول أخرى كثيرة.
والحق بإدارة السجون المركزية مكتب سمي مَكْتَب الأَدِلّةِ الجِنَائِيّة (bureau of criminal identification). ويقوم هذا المكتب بتسجيل بصمات أصابع المجرمين وعلاماتهم المميزة، ويوزعها على مختلف أقسام الشرطة بالبلاد للاستعراف على هوية المجرمين عند وقوع جرائم. ويقوم هذا المكتب بمهامه بصورة جيدا، وتزداد قيمة هذا المكتب ومهارات العاملين به (في الخرطوم وبورتسودان) مع مرور الأيام. وتنفق الحكومة مبالغا مالية كبيرة سنويا على إدارة السجون ومَكْتَب الأَدِلّةِ الجِنَائِيّة وتطويرهما.
وتعد المباني الحالية للسجون المحلية كافية، عدا في أماكن قليلة. ففي مديرية بحر الغزال مثلا أقيم سجن المديرية في مدينة واو. ويستقبل هذا السجن كل من حُكم عليه بأكثر من سنة. وليس من الممكن استقبال المساجين المحكوم عليهم بأقل من ذلك في سجن واو بسبب بعد المسافات وسوء الطرق واستحالة التنقل عبرها في بعض شهور العام. أما سجن مديرية النيل الأزرق بمدينة واد مدني فهو صغير نسبيا، ولا ينعم فيه المساجين إلا بنصف المساحة (المكعبة) التي ينبغي توفرها لكل سجين بحسب التوصيات الطبية المعروفة. ورغم هذا العيب، تعمل السلطات المحلية على إبقاء ذلك السجن في حالة ممتازة من حيث النظافة والرعاية. ويبدو المساجين في هذا السجن في حالة نفسية طيبة.
ويصنف سجن دنقلا المحلي بحسبانه من أوسع السجون بالبلاد مساحةً وأفضلها إدارة. ولا تتغير أعداد المساجين في ذلك السجن إلا قليلا. وفي زيارتي لذلك السجن وجدت أن به عشرة فقط من المساجين، وكان يخلو تماما من النساء. وعلمت أنه تم حديثا إرسال رجلين من ذلك السجن لسجن الخرطوم بحري المركزي لقضاء محكوميتهما الطويلة نسبيا.
ويُعد سجن مدينة كسلا من أفضل السجون السودانية المحلية من ناحية المباني والموقع الصحي. وإن كان هنالك سجن يمكن وصف حالة المساجين فيه بـ "السعادة والرضا" فهو سجن كسلا. ويعمل غالب نزلائه في تسوية الأرض، وردم الحفر، وصيانة المباني الحكومية بالمدينة. وبُني سجن أصغر حجما بنفس المديرية في مدينة القضارف. ويماثل هذا السجن نظيره في مدينة كسلا من حيث النظافة وحسن الإدارة والرعاية.
أما سجن سواكن فهو صغير جدا في الوقت الحالي، ولكنه يكفي لأداء مهامه، مثله مثل سجن طوكر. وأقيم في ذات المديرية سجن كبير المساحة وكثير المباني في مدينة بورتسودان (ثغر السودان). وهو أقرب للسجن المركزي المقام في الخرطوم بحري، ويرسل إليه أحيانا المحكوم عليهم في الخرطوم بمدد طويلة.
وهنالك حاجة ماسة لتوسيع سجن الأبيض (عاصمة كردفان) نسبة للزيادة المضطردة في أعداد المحكوم عليه، خاصة عقب الاضطرابات التي أحدثها رجال قبائل النوبة المتعبين المزعجين (troublesome. هكذا! المترجم).
وتحتاج مباني السجون في كل من مديريتي سنار وجبال النوبة لإصلاحات عاجلة. فهي مبانٍ طينية ضيقة وليست صحية تماما. ولا تجهل السلطات المحلية هذه العيوب في ذَيْنِكَ السجنين.
وكما ذكرنا، عادة ما تستقبل السجون المحلية المحكوم عليهم بمدد قصيرة نسبيا (نحو نصف سنة أو أقل). ولكن هذه ليست بقاعدة عامة أو دائمة، خاصة في بعض المدن الصغيرة، التي تجد في سجونها المحكوم عليهم بمدد طويلة وأخرى قصيرة. ويعتمد الأمر في نهاية المطاف على توفر الزنزانات الفارغة، وأيضا على بُعد المدينة عن عاصمة البلاد أو عاصمة المديرية.
كان العثور على سجانين مناسبين يمكن الوثوق بهم واحدا من أصعب مهام إدارات السجون بالسودان. وكان الاختيار في البدء يقع غالبا على من عملوا بالجيش. غير أنه ثبت أن ذلك لم يكن اختيارا موفقا بالنظر لعدم قدرة أولئك الحراس على حفظ النظام وميلهم لتلقي رَشَاوَى من السجناء أو أصدقائهم نظير السماح لهم ببعض الامتيازات الخاصة (مثل زيادة كمية الطعام المقدم، أو تحسين جودته، أو "تهريب" طعام لهم من خارج أسوار السجن خلسةً). وفوق هذا وذاك، كان هؤلاء الحراس من كبار السن وكانوا عاجزين عن أداء كل مهامهم بالكفاءة المطلوبة.
وكان من أكثر أخطاء هؤلاء الحراس فداحةً هو السماح بإدخال مواد ممنوعة للسجناء مثل التبغ ومشتقاته. غير أن هذا يحدث حتى في أكثر سجون العالم انضباطا في العالم، ويستحيل منعه تماما. ولكن يلقي السجين في كل الحالات أشد العقوبات المسموح بها عند اكتشاف وجود مواد ممنوعة في حوزته.
وأُدخل مؤخرا نظام جديد لتعيين حراس السجون من الرجال الصغار السن الذين يتم تدريبهم جيدا قبل استلامهم لعملهم. ولا يخلو اختيار قليل من هؤلاء من الأخطاء، ولكنهم قلة قليلة على أية حال. ويمنح الحراس، بصورة عامة، مرتبات مجزية قد تفوق ما يناله نظرائهم (في القوات النظامية الأخرى).
لا زالت عقوبة الجلد تمارس في السجون السودانية، ولكن بمعدلات أقل مما كان عليه الحال قبل خمسة عشر سنة مثلا. ومن غير العملي توقع منع تلك الممارسة بالكلية، إذ أنها تبدو العقوبة الرادعة الوحيدة التي تردع المساجين المجرمين المداومين على مخالفة نظم وقوانين السجن. ومعروف أن السجناء كانوا يخشون الجلد أكثر من خشيتهم من الحبس الانفرادي.
وكانت أقصى عقوبة توقع على المدان بعد الإعدام هي عقوبة السجن المؤبد. غير أن مثل تلك العقوبات كانت قليلة نسبيا لحسن الحظ. وكانت عقوبات السجن تتراوح في العادة بين سنتين وخمس سنوات (عام إلى عامين كانت هي العقوبة الأكثر شيوعا). وكان الافراج وتقليل مدة العقوبة يعتمد على تقارير حسن السير والسلوك أو بناءً على تقارير طبية معتمدة. أما حالات الهرب من السجن فقد صارت نادرةً جدا في السنوات الأخيرة، بعكس ما كان يحدث في السنوات الماضية. وكانت حالات الوفاة بين السجناء قليلة أيضا، مثلها مثل حالات العفو عن المساجين. وكانت نسبة النساء للرجال في السجون لا تزيد عن 2.5% (12 امرأة مقابل كل 500 رجل).
لا يتم احتجاز السجناء العسكريين ولا المحكوم عليهم بالسجن لسنوات طويلة في السجن المركزي بالخرطوم بحري، بل يرسلون لسجن سواكن أو سجون المناطق البعيدة. ولا يوجد الآن في سجون المناطق البعيدة الا القليل من السجناء العسكريين، وهم يقضون فترات سجن قصيرة. أما المحكومين من العسكريين لارتكابهم جرائم خطيرة فيقضون فترات سجنهم في السجن العسكري بأم درمان أو الخرطوم، حيث يحبسون في زنازين منفردة، ولا يسمح لهم بالاختلاط ببقية السجناء.
وهنالك نوع آخر من السجناء تجدهم أحيانا في سجون السودان، وهم السجناء السياسيين (أطلق عليهم الكاتب المذنبين السياسيين political offenders. المترجم). ويعامل هؤلاء بكثير من الرفق والرعاية، بما يتماشى مع الحفاظ على السلامة العامة.
وتهدف حكومة السودان - ككل الإدارات سامية المبادئ – لاستخدام السجن كمكان للاحتجاز، أكثر منه للعقاب. ولا تنطبق كلمة "عقاب" البتة على حالة السجناء السياسيين. ما أشد اختلاف أوضاع السجون في هذا العهد الحالي عنه في العهود التي سبقته! ففي عهد المهدية مثلا كانت معاملة المعارض السياسي بالغة الشدة، وتفوق في قسوتها كل الجرائم الأخرى.
ومن الملاحظات اللافتة للنظر مقارنة ظروف سجن العهد الإنجليزي - المصري لبعض رجال العهد السابق، الذين كانوا إبان سطوتهم قد ارتكبوا الكثير من الانتهاكات في حقوق معتقليهم ممن اتهموهم بارتكاب "جريمة" الاختلاف السياسي، أو حتى ساورهم شك في ذلك. وهنا نتذكر القول المنسوب لرجل الدولة الفرنسي جوزيف فوش Joseph Fouché: "لقد كانت أكثر من مجرد جريمة ... كانت غلطة سياسية".
إن أهم سجين سياسي في السودان ما زال على قيد الحياة هو عثمان دقنة، وهو رئيس جماعة/ شيخ قبيلة chieftain، وأمير في المهدية لبعض السنوات. لقد كان ذلك الرجل يسيطر عمليا على كل مناطق شرق السودان ويحكمها بعنف وقسوة.
سبق لدقنة أن عمل في تجارة الرقيق بسواكن، حيث اشتهر باستخدام وسائل بالغة القسوة، وعده البعض "زبير شرق السودان". ثم غدا من أهم قادة المهدية، وأكثرهم نشاطا وهمة، مما دعا الخليفة لمنحه سلطات مطلقة على الشرق. وأفلح الرجل في الانتصار على القوات الحكومية بقيادة بيكر باشا في معركة (التيب) بالقرب من طوكر في فبراير من عام 1884م، حتى عندما كان غردون باشا في طريقه للخرطوم. وكان له دور مهم في عمليات الهجوم على جنود "حملة النيل"، قبل وقوع المعركة الحاسمة بأتبرا في الثامن من أبريل 1898م. وبعد هزيمة القوات المهدية في تلك المعركة استطاع عثمان دقنة الهرب والاختفاء عن أنظار مطارديه.
لم يبق ذلك الرجل المتوحش (هكذا! المترجم) وفيا حتى لجماعته، إذ أنه خدع ثم هجر قائده محمود علي أحمد (محمود ود أحمد)، الذي كان من المتوقع أن يعمل معه سويا في تلك المعركة. ويعزو البعض انتصار السردار كتشنر في تلك المعركة لفرار عثمان دقنة منها في رفقة عدد من الفرسان. ويبدو فراره وكأنه ما يحدث عادةً عند اختلاف اللصوص فيما بينهم.
يقبع الآن عثمان دقنة في سجن وادي حلفا منذ سنوات عديدة، أي منذ إلقاء القبض عليه بمرتفعات ورايبا في يناير من عام 1990م. لقد طعن الآن في السن، ولكنه ما يزال على حاله العبوس القديم، ملتزما للصمت، وممتنعا عن تبادل الكلام مع أي شخص، ورافضا أن يطلب من المسؤولين الحكوميين الافراج عنه. لعله يخشى أن يكون يوم الافراج عنه هو يوم مقتله، فللرجل أعداء كُثر، مارس ضد معظمهم الكثير من الفظائع والانتهاكات في أيام حكمه. ورغم أن وقع انتهاكات العهد المهدوي قد بدأ يخف مع مرور السنوات، إلا أن حالات التعذيب والفظائع الدموية التي أرتكبها "أمير الشرق" لا تزال باقية في حوافظ الكثير من أبناء تلك المناطق، وهم على استعداد للانتقام منه يوم اطلاق سراحه. ولا شك أن ذلك الرجل المسن في حال لا يحسد عليه، وهو يتأمل في وحدته الموحشة ما اقترفته يداه في حق شعبه من فظاعات. غير أني لا أعد هذا عقابا كافيا لذلك الرجل المتوحش عديم الرحمة.
****** ****** ******
(لا يخفى بالطبع تَحامُل الكاتب على عثمان دقنة. ولعله فاق في التحامل ما أورده الإداري البريطاني هنري جاكسون في كتابه المعنون "عثمان دقنة" الذي صدر عام 1926م، وستصدر ترجمته للغة العربية قريبا. المترجم).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.