Ansar al - Sunna and Women’s Agency in Sudan: A Salafi approach to empowerment through gender segregation

ليف تونيسين Liv Tønnessen
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة مختصرة لشذرات مما جاء في مقال طويل (32 صفحة) للدكتورة ليف تونيسين مديرة الأبحاث في معهد CMI وأستاذة العلوم السياسية في جامعة بيرجن بالنرويج نشر في عام 2016م بالعدد السابع والثلاثين من مجلة دراسات المرأة Frontiers: A Journal of Women Studies التي تصدر عن جامعة اوهايو الأمريكية.
والمقال – بحسب ما جاء في باب الشكر والعرفان - هو ثمرة من ثمرات بحث ميداني أجرته الكاتبة في السودان ضمن مشروع بحثي كبير موله "مجلس البحث النرويجي" يهدف فيما يبدو لجعل الحركات الإسلامية (الإسلاموية) أكثر اعتدالا، وبتمويل أيضا من السفارة النيروجية بالخرطوم. وسبق للكتابة أن قدمت هذا البحث لمؤتمرين في أنقرا واسطنبول. وتحصلت الكاتبة على معلوماتها في المقال من مقابلات أجرتها مع بعض أعضاء الجماعة من الجنسين، ومن استبيانات قاموا بملئها، وذلك في غضون أيامها بالسودان، حيث كانت قد قضت بين شهر إلى ثلاثة أشهر بالسودان كل عام بين أعوام 2006 – 2014م. وذكرت الكاتبة في الهوامش أنها حرصت في أثناء مقابلاتها مع قادة الجماعة على التحجب وذلك بارتداء ملابس (محافظة) سوداء واسعة لا تصف ولا تشف، وتغطية قدميها بجوارب سوداء، وألا يرى منها غير وجهها وكفيها. وكانت تحرص على اصطحاب امرأة كبيرة في السن أو شيخ كبير عند مقابلتها لقائد من قادة الجماعة، وألا تنظر في عينيه مباشرة. وكانت ترى أنهم كانوا يهدفون بمقابلتها إلى دعوتها للإسلام.
وللكاتبة اهتمام بحثي بالسودان، خاصة فيما يتعلق بشؤون المرأة فيه. فقد قامت بنشر الكثير من الكتب والفصول والمقالات المحكمة بعدة لغات في تلك الموضوعات. وسبق لها أيضا نشر فصول عن السودان، وكذلك عن بعض الشخصيات الإسلامية المعاصرة في "موسوعة أكسفورد عن الإسلام والمرأة" مثل دكتور حسن الترابي وحسن البنا وغيرهم. ويمكن الاطلاع على بعض كتاباتها في موقع معهد CMI (https://www.cmi.no).
المترجم
**** **** ***
يدور هذا المقال حول جماعة سلفية سلمية تنبذ كل أشكال العنف تسمى "أنصار السنة". وتركزهذه الجماعة، الأقدم والأشهر بين الجماعات الإسلامية الأصولية، عملها على "الدعوة"، أي على التبشير الإسلامي، وعلى الوعظ الديني. وهي تنادي أيضا بعودة إسلام السلف الصالح /النقي/ الصحيح، الخالي من البدع والشرك. وترى أن هنالك إسلام صحيح واحد لا غيره، هو إسلام السلف، كما تفسره عقيدة الجماعة من القرآن والسنة المحمدية. وبهذا الفهم فهي تدعو للفصل بين الجنسين، وتأمر النساء بإرتداء النقاب، وترى أن أي تفسير آخر في هذا الأمر هو تفسير "غير إسلامي".
وتؤدي الجماعة دورها الدعوي عندما يتعلق الأمر بسياسة الدولة عن طريق "النصيحة". وبدأت الجماعة في الفترة الأخيرة في الدخول المباشر في السياسة (التقليدية) عن طريق نوابها في البرلمان، وبترشيحها لعدد من قادتها للمشاركة في الحكومة بعدد من الوزراء. وتؤيد الجماعة الآن الرئيس وحزبه. وجرى انتخاب عدد من قادتها لعضوية البرلمان عام 2010م عندما ترشحوا ضمن قوائم مرشحي الحزب الحاكم. ولكن رغم ذلك لم تتوقف الجماعة عن انتقاد مواقف الحكومة في كثير من الأمور.
ولم أقع على كثير من الدراسات المنشورة حول هذه الجماعة وموقفها من قضايا المرأة والفصل بين الجنسين. فلم أجد في ذلك المبحث سوى فصلين في كتابين، أحدهما لنوح سالمون (2009م) والآخر لسلمة (سلمى؟) أحمد نجيب (2007م). غير أني الاحظ أن تلك الجماعة، وهي في سعيها لإدخال مبدأ "الفصل بين الجنسين" قدمت (ربما عن غير قصد) فسحة لتمكين المرأة. فعند هذه الجماعة يفضي اختلاط الجنسين إلى مفاسد منها الفتنة (الإغواء الجنسي) والفوضى الأخلاقية. ولهذا فهي ترى أن تقوم النساء بواجب الدعوة في وسط النساء الأخريات، ويقوم الرجال بأداء ذات الدور للرجال الآخرين. وحتى الآن يظل عندهم عبء مشاركة الجماعة في السياسة (بمعناها التقليدي) حكرا على الرجال دون النساء. غير أنها ترى أن الدعوة (التي يقوم بواجبها الرجال والنساء، كل على حده) تشكل جزءا مهما من مشروع أكبر لأسلمة المجتمع السوداني، والذي تنتقد الجماعة أساليبه الحالية التي أفسدها الاختلاط بين الجنسين، وعدم الالتزام بشرط النقاب وغير ذلك.
وأنشأت الجماعة في عام 2008م مركزا خاصا بالدعوة النسوية، تقام فيه المحاضرات والندوات والدروس للنساء. ولعل هذا ما مكن المرأة من الدخول في "صناعة قرارات" الجماعة، على الرغم من أن الإيديولوجية الغالبة عند قادة الجماعة (الرجال) هي أن المرأة لا يمكنها المشاركة في سياسة الدولة التقليدية لأنها أشد عاطفية من الرجال، وأقل منطقا وحجة.
غير أن نساء "أنصار السنة" في مركزهن لا يجمعن على ذلك الرأي، مما قد يعني أن تلك العقيدة السلفية فيها من الديناميكية بأكثر مما يعرف عنها العامة من شهرة الجمود والسكون، وأن فيها مجالا للاختلاف وبسط الآراء المتنوعة.

المشاركة السياسية للمرأة
لم تعزل المرأة السودانية رسميا عن المشاركة في السياسة قط، كما هو الحال في الدول الإسلامية الأخرى. وأتاح دستور 2005م للمرأة السودانية أن تصبح رئيسة للجمهورية. وصرح حسن الترابي (الزعيم المذهبي الإسلامي، وأحد كبار من خططوا وقادوا انقلاب 1989م) في مقابلة لي معه عام 2009م بأنه "بمقدور المرأة أن تغدو قائدة، أو رئيسة للدولة، أو وزيرة. بإمكانها أن تصبح أي شيء متاح للرجل".
ويبيح الإسلاميون مشاركة النساء في الحياة السياسية والاقتصادية استنادا إلى نصوص إسلامية. ففي عام 1973م أصدر حسن الترابي كتيبا (صدر من "الدار السعودية للنشر والتوزيع" بجدة، في 38 صفحة) عنوانه "المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع" طرح فيه أسس الإيديولوجية الإسلامية فيما يتعلق بالجِنْس (الجندر)، وأدلة سماح الإسلام بمشاركة المرأة في الحياة العامة. وشرح في ذلك الكتاب أن النساء في العهد النبوي كن يصلين الجماعة (مع الرجال)، ويشاركن في الغزوات العسكرية، ويطفن بالبيت في الحج بجانب الرجال، ويشاركن في الاحتفالات العامة، وكن يستقبلن الضيوف في بيوتهن. ويسمح الإسلام للمرأة المسلمة بالتعليم ويعطيها حق التملك، والمشاركة في حياة المجتمع الاقتصادية. وشاركت النساء في المشاورات التي جرت لاختيار الخليفة الثالث بعد اغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وذكر الترابي أيضا أن بيعة المرأة في الإسلام كانت كبيعة الرجل، وأن إسلام عدد من الصحابيات كان دون أهلهم وذويهم. وباختصار تؤيد كثير من النصوص والشواهد الدينية دخول المرأة في مختلف ضروب الحياة العامة ومنها بالطبع السياسة.
وبكل ذلك التاريخ، لم يكن من المستغرب أن يعيد ويؤكد دستور السودان لعام 1998م الحقوق السياسية المتساوية التي وردت في دستور 1973م. وجاء في مسودة ذلك الدستور منح المرأة ما نسبته 25% من مقاعد المجلس الوطني (البرلمان)، إلا أن ذلك النص لم يظهر في النسخة النهائية للدستور. غير أن الإسلاميين، ومعهم نساء الأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، أفلحوا في عام 2008م في الضغط على المشرعين من أجل الاحتفاظ للمرأة بنسبة 25% من مقاعد المجلس الوطني ومجالس الدولة التشريعية. وفي هذا الشأن قالت سمية أبو كشوة: "من المهم أن تتصدى المرأة للعمل السياسي، فهذا جزء من ديننا". وفاز الإسلاميون في الحزب السياسي الحاكم في عام 2010م بكل المقاعد المخصصة للنساء في المجلس الوطني.
لقد ساهم دخول المرأة في دائرة السياسة في تقوية نفوذ وسلطة الإسلاميين، وأفادهم رمزيا في عرض الإسلام بوجه عصري.
ويتبنى ويروج الاسلاميون لفكرة تمكين المرأة في إطار إسلامي، بحسبان ذلك بديلا عصريا للنسوية العلمانية الغربية (Western secular feminism) وبديلا للإسلام التقليدي أيضا (أو ما يطلقون عليه هم إسلام البداوة Bedouin Islam). وبتقديمهم لإسلام عصري تشارك فيه النساء في السياسة، فهم يرسمون خطا فاصلا وواضحا بين إسلامهم (العصري) وإسلام البداوة، ويعتقدون بأن الإسلام البدوي قد عزل، بصورة منهجية وخاطئة، النساء من الحياة العامة. ويضربون لذلك الإسلام البدوي بما هو حادث في بعض الدول العربية وافغانستان تحت حكم طالبان، والتي تحرم على النساء المشاركة في الشأن العام. وفي هذا قال غازي صلاح الدين، مستشار الرئيس السابق (وأحد دعاة الإصلاح) في مقابلة لي معه في 2008م: "ليس هنالك في القرآن ما يؤيد قيام مجتمع أبوي / بطريركى Patriarchal society بأكمله... هذا ما نسميه بإسلام الصحراء أو إسلام البداوة، مثلما يحدث في بلدان لا تسمح للنساء بقيادة السيارات". ويعد الإسلاميون في السودان المعاصر السلفية مذهبا مستوردا من السعودية، وبالتالي يصنفونه كـ "إسلام بداوة"، ويعدون عزل النساء (عن المشاركة في السياسة) دليلا مهما على اضطهاد النساء وعزلهن عن حياة المجتمع العامة، ويعتبرون ذلك انحرافا عن صحيح الدين. لذا فهم ينادون بـ "مشروع حضاري" يحاول سد الثغرة بين حقائق النساء المسلمات وبين نموذج الإسلام المبتغى.
زواج مصلحة بين الإسلاميين وأنصار السنة
يعيب الإسلاميون على السلفيين بأن نظرتهم للدين متحجرة متخلفة. إلا أنه، للمفارقة، تمت دعوة أتباع ذلك "الإسلام البدوي" للمشاركة في الحكومة (الحالية) لإعطائها "شرعية إسلامية". ولا شك أن هنالك مناطق التقاء عديدة وقواسم مشتركة بين السلفيين والإسلاميين المتحفظين (خاصة فيما يتعلق بجنوسية / جنسانية sexuality المرأة وختانها، وحقوقها وواجباتها الزوجية). وأشعل حصول أنصار السنة مؤخرا على بعض النفوذ السياسي نقاشا واسعا في أوساط الإسلاميين. فقد أعتبر الاسلاميون المحافظون ذلك أمرا محمودا ومفيدا، بينما عد الإصلاحيون الاسلاميون ذلك النفوذ المستجد عائقا أمام الإصلاح السياسي، خاصة فيما يتعلق بشؤون المرأة. ويحدث كل ذلك مع وجود خلفية صراعات وخلافات ودعوات للحوار والاصلاح السياسي. ووصف غازي صلاح الدين في مقابلة لي معه في 2012م بأن توجه الإسلاميين لأنصار السنة "يشبه تمسك الغريق بقشة".
وتعتقد كثير من نساء الإسلاميين التي قمت بعمل مقابلات معهن بأن دخول أنصار السنة في الحكومة من شأنه أن يعضد من الجناح المحافظ ويضعف و"يهمش" الإصلاحيين. وترى إحداهن أن للسلفيين مدخلا لكبار المسئولين الذين لا يودون أن تقرن اسمائهم بشيء يمكن أن يعد مخالفا للإسلام.
وكثيرا ما حاولت النساء الإسلاميات تزعّم الإصلاح، وهو ما يعارض رغبات المتحفظين في الحزب الحاكم. ونفت الجماعة السلفية صفة الإسلام عن تلك المحاولات، بل واتهمها بخدمة أغراض الغرب. وخير مثال على ذلك هو قانون الطفل لعام 2010م، والذي حاول مقدموه تجريم ختان البنات. وأثار الأمر أنصار السنة في ندوات ومحاضرات للتأكيد على أن "ختان السنة" مشروع، وأنه مكرمة للنساء، وللقول بأن منع ختان النساء السني سيغَرَّب المجتمع المسلم، وسيفسد النساء، وستعم الفتنة والفوضى الجنسية، وسيفشو الانحراف الأخلاقي. وأفلح السلفيون في نهاية المطاف في إقناع قيادة البلاد بحذف تلك المادة التي تجرم ختان البنات من النسخة الأخيرة المقدمة للإجازة في المجلس الوطني.
وتتميز العلاقات السياسية بين الإسلاميين والسلفيين بكثير من التناقضات. فمن ناحية، أدخل النظام الحاكم السلفيين لإعطائه شرعية إسلامية، ومن ناحية أخرى يصفهم بعض الإسلاميين بالتحجر والجمود. وعلى خلفية ذلك الوضع المتناقض ظلت نساء الحركة السلفية يواصلن "الدعوة"، وظل الإسلاميون يروهن مصابات بـ "وعي زائف" لمشاركتهن في "حركة إسلامية بدوية" أسأت فهم الإسلام ومقاصد رسالته. وبينما ظل الإسلاميون يرسلون رسائل ملتبسة للسلفيين، تغيرت موازين القوى بين الجماعتين. فقد كان السلفيون مهمشين وتحت سيطرة النظام الحاكم (خاصة عندما كان حسن الترابي يؤدي دور القائد للحركة الاسلامية والنظام بين عامي 1989 و2000م). غير أن وضعهم الآن قد تغير كثيرا. فقد قال لي قائدهم إسماعيل عثمان عام 2008م في مقابلة لي معه بأن مشاركة جماعتهم في الحكومة هو أمر عملي (براغماتي)، ومفيد، من حيث أنه يتيح لهم الفرصة للمشاركة في النظام لحث جميع المسلمين (والرئيس أيضا) لعمل ما فيه خير الأمة، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه من الغباوة رفض تلك المشاركة، وإلا ستكون نتائج ذلك الرفض وخيمة عليهم (كما كان عليه الحال في مصر تحت حكم مبارك). وكان من ثمار "زواج المصلحة" بين الجماعتين السماح لنساء أنصار السنة بالعمل الدعوي دون حجر أو تقييد من قبل الدولة. ويرى أنصار السنة أن الصورة السالبة التي يشيعها عنهم بعض الإسلاميين (مثل حديثهم عن النقاب) هو مجرد إشارة إلى أن الإسلاميين لم يؤمنوا بعد بعقيدة التوحيد الإسلامي.
مركز نساء أنصار السنة: مشاركة النساء في "الدعوة" – التقوي من الداخل، والأسلمة من الأسفل
يصف الإسلاميون (والإسلاميات) السلفيين بالجمود والتخلف، بينما ينتقد السلفيون الإسلاميين (والإسلاميات) بمخالفة الإسلام، ويعتقدون بأن الدولة الإسلامية (بالسودان) قد أسلمت البلاد فوقيا (مِنْ عَل) بالقوة والعنف. فلن تصبح المرأة السودانية تقية إن لم يتعد الأمر إجبارها على ارتداء الحجاب. فالتقوى ينبغي أن تأتي من القلب، والدولة الإسلامية (الخالصة) لا يمكن (منطقيا) أن تبنى وتنمو إلا من الأسفل للأعلى. ولن يتحقق هذا إلا بالدعوة إلى عقيدة التوحيد. فنشاط مركز نساء أنصار السنة كما تقول ثريا أحمد محمد خير ينحصر في "تنقية عقيدة المسلمة وممارساتها عبر النصح والإرشاد، وتعليم النساء القرآن والسنة، للسير في طريق الإسلام الصحيح". ولا يمكن تنقية الإسلام مما شابه عند البعض إلا عبر تربية المسلم (المسلمة) الفرد، وليس بفرض الأمر من الدولة على الناس. وما يقوم به الدعاة من رجال أنصار السنة من عمل سياسي كناصحين، ما هو إلا جزء يسير من الهدف الكلي للدعوة. وهذا هو السبب الذي يجعل أنصار السنة يعدون أنفسهم جماعة / حركة دينية أكثر منهم حزب سياسي.
وستكون النتيجة الحتمية للعملية التربوية (التي يقوم بها أنصار السنة) هي بناء الدولة الإسلامية ابتداءا من القاعدة إلى الأعلى. وتتشكك نساء أنصار السنة في إمكان قيام الحكومة الحالية ببناء مجتمع إسلامي بفرضه بطريقة فوقية (عن طريق توجهها الحضاري المعلن)، ويرين أن مهمتهن هي إعادة تعليم النساء دينهن (من جديد)، وإزالة ما حاول الإسلاميون زرعه في الناس من فهم خاطئ عن الإسلام.
ولا تشارك نساء أنصار السنة في الوقت الحالي بالمشاركة في "النصيحة"، التي يتولى عبئها الرجال (وهذه النقطة مثار خلاف بين قادة الجماعة)، ولكنهن يشاركن بفعالية في عمليات الدعوة الشاملة. ويقتضي مبدأ "منع اختلاط الجنسين" أن تتولى النساء مهمة وعظ وإرشاد النساء الأخريات (والأطفال)، وأن يتولى الرجال ذات المهمة للرجال الآخرين. فالاختلاط مدخل للفتنة عندهم، بحسب ما جاء في آيتي 30 - 31 سورة النور: " قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)". ويرى الإسلاميون أن الاختلاط شر عندما يكون بقصد سيء وخبيث. أما أنصار السنة فهم يرون أن الاختلاط شر كله تحت أي ظرف ولأي سبب.
وفي ذلك المركز يتم تعليم النساء القرآن وكيف يكون المرأة تقية تسير في طريق الإسلام الصحيح بتنفيذ الواجبات الدينية المفروضة عليها بدقة وإخلاص، وأن تتقيد بما أمرت به في سائر أمور حياتها، وأول تلك الواجبات هي ارتداء النقاب.
النقاب بحسبانه مقاومة يومية لاختلاط الجنسين
يسهل التعرف على نساء أنصار السنة في الأماكن العامة لأنهن لا يرتدين الثياب السودانية المعتادة أو الحجاب (الإسلامي)، بل يرتدين عباءات سوداء واسعة وجوارب ونقاب (قنَاعُ أو ْخِمَارُ تَجْعَلُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى وَجْهِهَا تَتَسَتَّرُ بِهِ). ولم يكن ذلك النوع من الملابس معروفا في السودان حتى وقت قريب نسبيا إلا عند نساء قبيلة الرشايدة في شمال شرق السودان، الذين هاجروا للسودان من الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر. ولا يقتصر لبس النقاب على نساء أنصار السنة فحسب، فهنالك نساء لجماعات سلفية أخرى يرتدين ذات الزي. وقد يكون لارتدائهن ذلك الزي أسباب (عملية) متعددة غير المذهب الديني (أو التقوى) مثل الرغبة في تجنب التحرش الجنسي أو الاستجابة لطلب أو أمر من الزوج أو أحد الأقارب وغير ذلك.
وترى نساء أنصار السنة أن "الحجاب" لا يعني شيئا البتة إن كان القصد منه ببساطة الشهرة ولفت الأنظار أو استجابة لأمر من الدولة، فارتداء ذلك الزي ينبغي أن يكون اختيارا شخصيا محضا، حتى يعد واحدا من معالم التقوى. وتعترض نساء أنصار السنة أيضا على ما تفرضه الحكومة من قوانين تنظم ما ترتديه النساء. فهن يؤمن بأنه لا يمكن للمرأة أن تعد اللبنة الأساس في بناء مجتمع مسلم طاهر ونقي، ومن ثم بناء دولة إسلامية حقيقية إلا عندما تكون امرأة مسلمة متواضعة تختار عن قناعة واختيار شخصي ارتداء النقاب (من باب التقوى) وليس بالأمر أو الإجبار. وهن يرين بالطبع أن ارتداء النقاب (إن كان عن قناعة واختيار شخصي) هو التزام أكيد بعقيدة التوحيد. فأنصار السنة يعدون كل امرأة ملتزمة بالنقاب مدخلا لجماعتهم لإعادة صياغة المجتمع والدولة وأسلمتهما.
قالت لي إحدى نساء المركز أنها اقترنت بزوجها لمدة خمس سنوات قبل أن تقرر أن ترتدي النقاب. وذكرت أيضا أن كثيرا من اللواتي يشهدن حلقات تلاوة القرآن غير منقبات، وما من واحدة في المركز تتحدث معهن في أمر النقاب أو تنصحهن أو تأمرهن به. ولكن إن اختارت الطالبة بالمركز النقاب، فسيفرح ذلك المعلمات والأخريات ويغمرن "الأخت" بالهدايا. وهنالك بعض الحالات التي يعترض فيها الزوج أو الأب على اختيار الزوجة أو الابنة للنقاب. وتقوم مسؤولات المركز في مثل تلك الحالات عادة بالتوسط لدي الزوج أو العائلة لاقناعهما بترك المرأة تختار لنفسها ما ترتديه. ونستنتج من هذا أنه قد يكون على المرأة – إن أرادت- أن تعارض عائلتها من أجل ارتداء النقاب (وسعيا للتقوى). غير أني قابلت أيضا بعض النساء اللواتي تخلين عن ارتداء النقاب بذريعة عدم استحقاقهن لشرف ارتداءه بسبب شح أو ضعف التقوى في قلوبهن.
ينادي أنصار السنة بالفصل بين الجنسين، وضرورة التزام البساطة في ملابس الرجال والنساء على حد سواء خشية الفتنة والفوضى الأخلاقية الحادثة في المجتمعات الغربية غير الإسلامية والمنحلة أخلاقيا.
تقول هبة (إحدى النساء في كتاب سلمى أحمد نجيب المعنون New Spaces and Old Frontiers: Women Social Space, and Islamization in Sudan ) إن النقاب هو "صديقها" الذي يحرسها ويحميها من الشيطان بجعلها غير معروفة عند الآخرين، ويجعلها لا تعتدي على المساحة المخصصة للرجال المسلمين ولا تفسدها. ويخفي النقاب لون البشرة تماما وتفاصيل جسدها فلا تغدو أسيرة لمعايير الجمال المعتادة. كذلك يؤدي النقاب مهمة أخرى، وهي تنظيم عملية "تكوين الذاتية". فالمنقبة تظهر في الفضاء العام وتبرز نفسها باعتبارها مختلفة عن "النساء العادِيَات/ العواد" اللواتي يبعن أنفسهن رخيصة بعرض أجسادهن في الفضاء المختلط. وترى نساء أنصار السنة أن قبول الإسلاميات بالاختلاط في الأماكن العامة هو تلويث وإفساد وتخريب للإسلام.
وتقبل نساء أنصار السنة بالرأي القائل بدور المرأة المساعد أو الثانوي في القيادة، بسبب طبيعتها "العاطفية" التي تمنعها من تولي المناصب السياسية العليا. وعليهن بذلك مجابهة المعضلة الآتية: أن كن يقبلن بأن طبيعتهن البيولوجية تحد من قدراتهن على اتخاذ قرارات سياسية صائبة، كيف لهن أن يتوقعن أن يأخذ الرجال قضاياهن السياسية بجدية؟ أو ربما وضعها جانبا بدعوى أنها محض قضايا "عاطفية"!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.