علي السياسي ولد ونشأ في أم درمان. لا احد يتذكر متى بدأ علي في الاهتمتم بالسياسة. ولكن يبدو انه كان يحب السياسة طيلة حياته، حتى في طفولته.

عندما كان الصبية يتحدثون عن السينما والاقلام والممثلين، كان هو يتكلم عن روسيا وتفوقها على الانجليز والامريكان وقوتها.
وعندما يلعب الصبية العاب الحركة كان يصر على ان يكون (روسيا) وفي المرات القليلة التى اشترك في معركة جسدية كان بسبب اصرار صبي يكبره، على ان يكون روسيا.
لا احد يدري بالضبط ما هو السبب الذي جعل علي يحب السياسة، ومناقشته السياسة. فوالدته الامية لا يهمها اي شئ خارج اطار العائلة. و والده موظف متوسط الدخل ليس عنده اي نشاط جماعي يزيد على الذهاب الى دار الرياضي في نهاية الدوري او عندما يكون هنلك فريق زائر.
لابد ان التصاق علي بخاله ه
و السبب. فخاله في بيت المال كان بجانب عمله كنجار، عضوا نشطا في الجبهة المعادية للاستعمار ودراجته تجوب كل الحي والمناطق المجاورة لجمع التبرعات والاشتراكات والدعوة للاجتماعات. يقرأ كثيرا في وقت فراغه ويستمع اكثر الى رأي الاخرين.
عندما رفع علم السودان واعلن الاستقلال كان علي في بداية المدرسة الوسطى، واحد الصغار الذين ساروا على اقدامهم من ام درمان الى الخرطوم. وتبرع بنقود الافطار اكثر من مرة عندما كان يجمعون التبرعات لفلسطين.
كما رافق الآلاف في مسيرة ضخمة من ام درمان الى السفارة المصرية في الخرطوم في مواكب التاييد اثناء الاعتداء الثلاثي. وعندما رجع في المساء متعبا وارجله متورمة. صرف قروشا توفر عنده في شراء حلوى "سمسمية" من الدكاكين التي تظل مفتوحة لفترة بعد المولد النبوي. وبالرغم من الجوع والارهاق كان سعيدا لانه ادى واجبه الوطني.
الكثيرون عندما كانوا يعجبون بالجبهة المعادية للاستعمار كما وجد من حملوا افكارا مختلفة مما خلق فرص لنقاش دائم في الحي مما شحذ مقدرته على النقاش وان كان يتحمس بطريقة تفقده موضوعيته وتجبر خاله "النور" لان يطلب منه ان يتريث. وشطح في بعض المرات زاعما عن اقتناع تام بان اليانصيب في الاتحاد السوفيتي ليس فيه خاسر وان كل من يشتري تذكرة يكسب.
وخاله يحاول ان يشرح له بان النظريات والافكار الاشتراكية لا تاتي بالنعيم الى الارض وانما العمل. ويقتنع علي لبعض الوقت ثم يرجع الى شطحاته ويرفض ان يصدق ان الفرد في الاتحاد السوفيتي قد اكدوا ذلك.
وفي المدرسة الثانوية كان يقود المظاهرات في كل المناسبات ويتضايق عندما لا يكون هنالك مناسبة تستدعي خدماته.
ولقد اعطاه الحكم العسكري فرصة جميلة. فلقد كانت هنالك حرب الكونغو، ومقتل لوممبا وترحيل اهالي حلفا وقبول عبود للمعونة الامريكية.
بالرغم من ذكاء علي المشهود، الا انه لم ينجح في دخول الجامعة. والسبب انه كان مشغولا بالسياسة والاجتماعات ونشاط الحزب الذي كان يعتبره اهم شئ.
عندما قبض علىه حاملا بعض المنشورات لم يضطرب بل لقد بدا قخورا بانه قد اعتقل وقال البعض انه كان يمكن ان يتفادى الاعتقال وانه كان متهورا.
خرج على من السجن وهو جد سعيد ولم ينقص من سعادته الا تصرف خالهه الذي كاد ان يرقى الى درجة الخياننة والتطلعات البرجوازية. فلقد اشترى خاله ارضا في الثورة وبدأ في تشييد منزل. فحسب راي علي انه لا لزوم كذلك المنزل فعندما تقوم الثورة فستبني الدولة منازل فاخرة للجميع، خاصة الذين ضحوا من اجلها وكانوا من دعاتها وان الخير سيعم العالم، وستكون كل الشعوب اخوة. ولن تكون هنالك حاجة للحرب والقتل واستغلال الانسان لاخيه الانسان.
وكان خاله يرد عليه قائلا ان كل هذا الكلام جميل، الا انه سيبني الدار. وعندما تنتصر الثورة سيكون هذه المنزل اسهامه في الثورة. ويمكن للدولة ان تبني للاخرين الذين لا يملكون منازل. وانه من الواجب ان يساعد الزملاء الثورة بالعمل والبناء. ولكن علي كان يعتبر كل هذا سخفا.
كما هو متوقع تحصل علي على بعثة مدرسية بواسطة الحزب. وبالرغم من انه كان يفضل موسكو الا ان البعثة كانت لبراغ وتطلب الامر سفره الى القاهرة، لكي يتسلم التذكرة وفيزة الدخول. وبعد عدة حفلات حزم شنطته مصحوبا بثلاثة من الرفاق اقل من دراية بالدنيا. وكان هو المسئؤل عن البقية.
لم ياخذ علي معه كثيرا وكان يسخر من الاخرين الذين ملأوا حقائبهم بالاطعمة المجففة من كسرة وتقلية وويكة. والاصواف الانجليزية من نوع الجبردين الغالي وامواس الحلاقة وعجون الاسنان. وكان علي يقول ان كل شئ متوفر في مجتمع العدل والكفاية، وان الخياط سيكون في انتظاره في المطار وسيزودوا بكل شئ حتى الجوارب.
بواسطة احد الاقرباء تحصل على شقة مفروشة في القاهرة بسعر مناسب. وذهبوا الى السفارة التشيكية في اليوم التالي ورحب بهم القنصل الثقافي الذي كان يتوقع حضورهم. فامتلأ علي فخرا.
واكتملت فرحة علي عندما تعرف بشاب فلسطيني يسكن مع زملاءه في نفس العمارة. وقام بدعوتهم وهنأ زملاءه على الشرف العظيم في التعرف ببعض المناضلين الفلسطينيين الذين يناضلون ضد الرجعية والصهيونية والامبريالية. وفي المساء كان كل شئ على المائدة، اللحم الذي احضروه من السودان والمقانق التي من المفروض ان تكفيهم لعدة ايام، والمشروبات التي اشتروها من السوق الحر والمعلبات والمعلبات التي من المفروض ان يبيعوها في القاهرة مع الشاي وشفرات الحلاقة ومعجون الاسنان. واستمر الحفل الى ما بعد منتصف الليل وعلي لا يكف عن الحديث والمعركة والنضال وتحرر الوطن الفلسطيني. وبدا متحمسا للقضية كعادته اكثر من الفلسطينين، الذين فضلوا الاكل والشرب والطيبات التي ما كانوا يحلمون بها كطلبة يعيشون على الفول المدمس في اغلب الاوقات. فكيلو اللحمة وقتها كاان يساوي ثمانين قرشا في القاهرة ومرتب بعض الاطباء 12 جنيها. وعندما انتشى علي احضر قطعة القماش التي اجبره خاله على اخذها لتفصيلها في براغ. وفي مصر كانوا وقتها يحلمون بالجبردين الانجليزي، خاصة النوع الذي يغير لونه مع الشمس ويسمونه "زغب الحمام" وقام بإهداء القطعة لاحد الفلسطينيين.
وذهب علي لاحضار شئ من المطبخ وعندد الحمام كان احد الفلسطينيين يقول للاخر:
ما هذه المسخرة؟ وما دخل هؤلاء العبيدد بالقضية؟ لقد صدعوا راسي؟
عندما حضر ضابط البوليس ومعه بعض الشرطة، كانت الشقة تبدو وكانها قد دمرها اعصار وامتلا وجه الجميع بالكدمات ولكن علي كان يبدو وكانه قد تلقى ضربا اكثر من الباقين.
واخذ رجال البوليس المعلبات وما تبقى من المقانق كمعروضات. وخرج الضابط متابطا قطعة القماش وانتهىى الامر. وطالب صاحب الشقة بمبلغ 30 جنيها للاشياء التي تحطمت. وبعد الترجي والوساطة قبل بعشرين جنيها. ولم يكن بالامكان صرف الشيكات السياحية في القاهرة. لانه كان مختوما على كل شيك سياحي "غي قابل للصرف في مصر". والعالم وقتها كان يحاصر مصر اقتصاديا.
اضطر علي لتغيير الشيكات، بخسارة كبيرة عند بعض تجار الجمال السودانيين في امبابة. وعلى غير عادته توقف عن تقديم النصح لزملاءه.
لم يكن هنالك خياط في انتظارهم في مطار براغ ولم يهتم بهم اي انسان. ولم يكن هنالك من يفهم الانجليزية. وعندما سالوا البوليس عن الزعيم السوداني الذي يسكن براغ منذ مدة طويلة لم يعرفه. ولم يبد اي اهتمام. وتجمع حولهم بعض المتطفلين ينظرون اليهم باستخفاف ويضحكون.
بالرغم من انهم وصلوا في نهاية ابريل الا ان البرد كان قارسا. وعانى علي اكثر لانه يرتدي قميصا وحذاءا مفتوحا. وبعد ساعات طويلة من العذاب تمكنوا من الوصول الى مركز استقبال الطلاب الاجانب. ووجدوا انفسهم في عنابر مفتوحة تضم عشرات الطلاب اغلبهم من فيتنام.
ويسترد علي السياسي روح النضال ويخاطب الفيتناميين مشيدا بمعركة "ديان بيو فو" وهزيمة الفرنسيين وجنرال جياب البطل الفيتنامي. والزعيم هوشي منه، والتضامن والاممية الا ان الفيتناميين نظروا االيه وكانه مجنون وابتعدوا بهدوء.
وقبل ان يكمل علي كورس اللغة اجبر على قضاء اسبوع في المستشفى. فبقد اصطدم ببعض الشباب التشيكيين اصحاب الشعور الطويلة. لانه اراد ان يعطيهم درسا في السياسة وعندما كانوا يضربونه كانوا يقولون له ساخرين "الا يكفي ما عندنا من الشيوعيين، حتى ياتينا شيوعيون من السود"
وبالرغم من هذه الحادثة كان علي يصر ويتشننجج قائلا انه ليس هنالك تفرقة عنصرية في الدول الاشتراكية. لان التفرقة العنصرية تتواجد فقط في الراسمالية وبسبب الاستغلال. البعض كان يحاول ان يقنع علي بان الهجوم على رجل اسود سائر في الطريق والاعتداء عليه بدون معرفة او تبادل كلمة هو تصرف عنصري. لان للعنصرية جوانب كثيرة وليست فقط
اقتصادية فقد تكون الخلفية ثقافية ،نفسية ، جنسية ، أدبية ، شوفينية ... الخ إلا أنه كان يصم أذنيه.
وكان يدافع عن التشيك وسياسة الدولة التشيكية وسط الطلاب الأفارقة.
وعندما تطرح القضية العنصرية في الاتحاد الفدرالي لاتحادات الطلاب الأفارقة كان يدافع بشراسة ضد أي إدانة. وتصدر اللجنة التي كونها الطلبة الأفارقة بمساعدة الحزب الشيوعي التشيكي والجامعة لتقريب وجهة النظر بين الطلاب الأفارقة والمجتمع التشيكي خاصة عندما صارت بعض الملاهي الفاخرة التي يقصدها السواح الألمان الغربيون تمنع الأفارقة من الدخول خاصة ملهى الفانوس.
في اجتماع مع رئيس منظمة الثقافة في براغ ، وفي مكتبه الفاخر في استوديوهات براندوف. استفسر الأفارقة عن السبب في منعهم من دخول ملهى <<الفانوس>> والملاهي الأخرى وكان رد المسئول وعضو الحزب الكبير أن السبب بعض الطلبة من الكنغو قد سببوا بعض المشاكل. فسأله علي لماذا لا يوقفوا الطلاب من الكونغو ولماذا يشملوا الجميع.
رد المسئول الثقافي كان ، ان الكونغو كبير هنالك غانا نيجريا أفريقيا وكثير من الدول وهم لا يستطيعون أن يفرزوا بين الكنغوليين.
طالب مسئول منظمة الثقافة بأن يطرد علي من الجامعة وكل الجمهورية ، واستدعى الأمر تدخل بعض الأعضاء من اللجنة المركزية . وكان الموضوع محزنا يدعو إلي الضحك. فلقد وصف علي المسئول الكبير الذي يبسط سلطاته على الصحفيين والكتاب والممثلين والسينما والمسرح والملاهي بأنه حمار لا يستحق حتى عضوية الحزب ناهيك عن المنصب الضخم.
الذي شفع لعلي وساعده جدا هو نتائجه في الدراسة وإعجاب مدرسيه وعميد كلية الاقتصاد السياسي فمن العادة أن يختار خيرة الطلبة لدراسة الاقتصاد السياسي. علي كان يؤدي كل امتحاناته بدرجة ممتاز مما رشحه لأن يتخرج بدبلوم أحمر. وهذا شئ غير طبيعي وسط الطلاب الأجانب.
لم تكن تلك الحادثة هي الوحيدة فلقد حكم على علي السياسي بالسجن ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ والغرامة ألف وخمسمائة كرونة تشيكية. وذلك يساوي بعثته الدراسية لمدة شهرين. وكان ذلك بسبب اعتداءه على مواطن روسي.
في أحد الملاهي قابل علي روسيا لأول مرة في حياته وأحس علي بأنه قد وجد أخاه بعد طول انتظار وبالرغم من صعوبة التفاهم كان علي سعيدا وتحدث عن صداقة الشعوب والزمالة والتضامن والكفاح.
كان علي قد قبض المنحة في نفس اليوم وبالغ في إكرام الرفيق الروسي وزوجته وتنقلو بين عدة ملاهي. وعندما فرغت الزجاجة الأخيرة افهمه الروسي بأنه سعيد بالتعرف برجل غني مثله. وأنه على استعداد للتنازل عن زوجته تلك الليلة مقابل عشرة دولارات وأن الدفع فقط بالعملة الصعبة.
تفهم القاضي موقف علي بل كان مرحا بعض الشيء ونظر للأمر وكأنه نكتة. إلا أن القانون لا يسمح بتحطيم الزجاج على رؤوس الناس حتى ولو كانت الزجاجة فارغة. وذهبت النقود كتعويض للرفيق الروسي وبدا وكأن القاضي سعيدا للذي حدث للروسي فالتشيك كانوا يكروهن الروس الذين حرروهم أكثر من الألمان الذين احتلوهم.
مجلس التأديب في الجامعة لم يكن يساوي شيئا بالمقارنة مع الإحباط الذي أصاب علي بعد أول مقابلة مع روسي.
لم تكن علاقة علي بالطلبة العرب جيدة وكثير من السودانيين أصيبوا بالدهشة عندما لم يتقبلهم بعض الطلاب العرب العرب كإخوة. ولكن بالرغم من هذا كانت تربط علي صداقة مع رفعت السوري الذي كان يحمل أفكارا تقارب أفكار علي وكان علي يعجب به عندما عرف بأن رفعت قد عمل تحت الإشراف المباشر للزعيم خالد بكداش.
لم يكن خافيا أن بعض الطلاب العرب يتحصلون علي خيرة الغرف في مساكن الطلاب لأنهم يقدمون الهدايا من المتاجر الخاصة التي تستخدم فيها العملة الصعبة فقط. كما كان يشاع ان القبول في الجامعة له ثمن مدفوع بالدولار وأن الطب يساوي ألف دولار والهندسة 800 دولار إلى أخر القائمة. وأن بعض البروفيسيرات يوقع على دفتر الامتحانات بدون وجه حق عندما يكون الثمن مدفوعا. خاصة وأن كل الامتحانات شفهية بين الطالب والبروفيسور.
ذهب علي لكي يقدم أطروحته بعد الامتحانات النهائية. وأخذ أول نسخة فرحا لكي يسلمها للبروفيسور الزميل نوفاك الذي يحترمه لأنه عضو في الحزب. ولفرحته دخل مباشرة بعد أن طرق الباب ومن حقيبة جميلة كان الزميل رفعت يخرج بعض الجوارب النسائية وربطات عنق أجنبية وعلى الطاولة بعض أوراق النقد الأجنبي وزجاجات من المشروبات الفرنسية والاسكتلندية وأشياء أخرى لم يتبينها علي.
البروفيسور كان يمد يده بشيء يشبه أطروحة الطالب وتذكر. علي لماذا لم يكن رفعت مشغولا بكتابة اطروحته وكل ما يذكره انه قد صفع تلميذ الزعيم خالد بكداش وأنه حطم إحدى الزجاجات على الأرض .
عندما تخرجت دفعة علي من القاعة التي يزيد عمرها عن أربعة قرون وسط جو مهيب من أول جامعة في أوروبا لم يكن علي ضمن المتخرجين وقضى سنة كاملة لحل مشكلته فلقد أقسم البروفيسور أنه لم يتخرج من جامعته . وأجبر علي لإعادة السنة الأخيرة في جامعة براتسلافا في جمهورية اسلوفاكيا بلغة مختلفة . ولم يتحصل على الدبلوم الأحمر لأنه أعتبر كراسب في السنة الأخيرة .
عندما التحق علي بوزارة المالية في الخرطوم كان زملاؤه قد ابتاعوا سيارات وبعضهم قد تزوج . ووجد علي نفسه مرؤوسا بمن كان يشرح لهم أبسط قواعد الإقتصاد ولكن لم تنقضي فترة قصيرة حتى كان علي ملأ السمع والبصر في وزارة المالية لنشاطه وحبه للعمل حتى خارج العاصمة على عكس الأخرين .
إلا أنه اصطدم كثيرا بالذين يأخذون الرشاوي ويؤدون الخدمات ويتقبلون الوساطات.وكلما احتاج الأمر لشخص غير مشكوك في نزاهته كان المبعوث للأقاليم هو علي.
وتزوج علي بسرعة. وكانه يريد ان يضع نفسه امام الامر الواقع. وبدأ خاله في مطاردته لان يشتري قطعة ارض ليبني عليها منزلا لاسرته الا ان علي اقنعه بان ذلك ليس احد تطلعاته. وبدأ االخال مقتنعا بذلك. الا انه بدأ يطلب نقودا لنفسه. ويظهر بانتظام عندما يحضر على من احدى الماموريات بالاقاليم ولم تكن تنقصه الاعذار في كل مرة. وبالرغم من تضايق زوجة علي فلم يكن في مقدرة على ان يرد لخاله طلبا فالجميع كانوا يشتكون والدنيا قد تغيرت ولقد وجد نفسه كثيرا في محل استغلال الاخرين. والذين كانوا يحضرون مع قريب او صديق لخدمه بريئه، وضح انهم يتقاضون منهم نقودا خارج الوزارة.
للتخلص من تلك الملاحقات قبل علي اخيرا بان يذهب لبراغ للحصول على شهادة دكتواره. الا ان خاله الملحاح لم يخلي سبيله قبل ان يترك له توكيلا بمرتبه لانه يمكن ان يعيش في براغ بمنحة الجامعة.
وعاد علي بعد الدكتوارة ليكتشف لدهشته ان خاله قد استولى على ما كان يتبقى من مرتبه وشكا من قسوة الدنيا وان جزءا من المال قد ذهب لوالدة علي واخوته واقامت زوجة علي الدنيا.
ولحسن حظه منحته الوزارة منزلا في الخرطوم وبدت صلته بامدرمان تضعف ولم يذهب الى دار خاله الا نادرا اما زوجته فكانت ترفض حتى ان تضع قدمها في منزل الخال الذي يبتز زوجها ويحرم صغارها من حقهم.
وسقط نظام النميري وفرح علي اكثر من الاخرين. ونعم بالحرية والديموقراطية. وصار اكثر تساهلا واستعدادا لخدمة الناس. واحس خاله بتلك الروح فكثف زياراته وطلباته خاصة وعلي قد صار موظفا كبيرا.
عندما حدث انقلاب الجبهة في السودان كان علي اكثر المتألمين. ولكن الذي قصم ظهره وجعله يحس بالضياع كان انهيار المعسكر الاشتراكي. ولشهور عديدة كان في حالة وجوم. واصدق وصف لحاله ما قاله احد الزملاء " ان حالنا كحال شخص تعب وكدح وحرم نفسه من كل شئ طيلة حياته وضحى كثرا لكي يوفر مالا ثم يكتشف في نهاية حياته بان الماال الذي جمعه مزور ".
وفجاة يطرد علي من وظيفته في المالية بعد ان صار يحس بانه قد خلق لتلك الوظيفة. والكل يعرف بانه لم يسبق ان خدم اي انسان في وزارة المالية بذلك التفاني.
الغريب ان علي لسبب ما كانت عنده قناعة بانه بالرغم من اختلافه مع سدنة الحكم الا انهم لن يجرؤوا طرده. واحس بان عالمه ينهار امامه وتسلم امرا باخلاء الدار الحكومية. وبدت امكانية حصوله علي منزل مستحيلة. فهو لا يملك مالا وقد لا يجد عملا لمدة طويلة. وحتى اذا وجد عملا فالمرتب لا يكفي لدفع اقل ايجار.
واعادت زوجته عزف الاسطوانة القديمة، عدم اهتمامه باسرته واطفاله. وانه اتاح الفرصة للجميع لاستغلاله واستغفاله ولم تنسى خاله الذي قام بابتزازه بطريقة منظمة.
وتتوقف شاحنة ينزل منها خاله وبعض العمال طالبا منه ان ياخذ اغراضه ويتبعه الى امدرمان. وعندما سال علي الى اين قال الخال الى دار الاشتراكية التي كنت تقول لي ليس هنالك داع لبنائها.
وعندما وصل الى علي الى الدار الاشتراكية مع زوجتهه واولاده كانت الدار تجاور منزله خاله مفتوحة. وبدأ العمال لدهشته في ادخال اغراضه في في تلك الدار. لم تكن الدار فاخرة الا انها كانت خيرا من دار خاله.ِ
وبدأ علي في الاحتجاج بانه لن يستطيع ان يدفع الايجار. فقال خاله مبتسما "اذا كنت تريد ان تدفع الايجار لنفسك فهذا ممكن. فهذه الدار دارك ومن حر مالك".
بعد الاطلاع على الاوراق الرسمية كانت الدار مسجلة باسم علي والغريب انها كانت باسم الدكتور علي. وخاله كان يعرف من البداية بانه سيتحصل على الدكتوراه. وعندما ادخلوا الاغراض اجهش علي في البكاء، عندما عرف بان النقود التي كان خاله يتحصل عليها من علي متخيلا نظرات زوجته العدائية كانت لتسديد الرهن على بيت خاله. فلقد رهن الخال منزله واستدان لكي يشتري تلك الدار وساعد سفر علي للبعثة في الاسراع بتسديد الرهن والخال كان يعمل بيديه في تحسين الدار واصلاحها ثم اجرها في مدة غياب علي وأثناء سكنه في المنزل الحكومي.
واختتم الخال حديثه قائلا "كل النظريات والافكار لا تكفي وكل كتب العالم لن تجدي. انه العمل والتدبير الذي يبني كل شئ".
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

نهاية القصة القصيرة من المجموعة المشبك

هذه القصة ترجمت الى الفرنسية مع بعض القصص الاخرى بواسطة البروفسر الفرنسي لوفي . والمشبك ترجم للانجليزية بواسطة الدكتور مصطفى مدثر .
في الخمسينات والستينات كان الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية على اشده . ظهور المنظومة الشيوعية اعطى الكثير من الدول خاصة دول العالم الثالث الايمان بانها الحل لكل مشاكل العالم . عندما حضرنا الى شرق اوربا عرفت منذ البداية اننا قد خدعنا انفسنا وان الشيوعية ليست الحل ولكن الاشتراكية بدون دكتاتورية البروليتاريا او الملائكة . الحل هو الاشتراكية بدون ارهاب غسيل مخ اوسيطرة الامن . وقلت اذا كانت الدول الشيوعية قد بنت النعيم لماذا نحتاج لاسوار لعزل البشر , واذا كنا على حق لماذا نمنع الآخرين من انتقادنا ؟
ذهبت الى النمسا في البداية عندما توفر لي مبلغ معقول ثم اسكندنافية وفي جيبي ملاليم وشقيت وجعت ونمت على الارض الصلبة الا انني تعلمت الكثير . وعندما عدت لبراغ تحدثت عن ما اعتبره الرفاق غير مصدق . تكلمت عن الحرية وعدم مشاهدة الهلع في عيون المواطن عند ظهور الشرطة . تحدثت عن عدم الفساد وان الناس لا تسرق الخ . والاشتراكية متجزرة في تصرفات الناس وهم فخورون بالنظام الاشتراكي الذي يكرهه الاغلبية في الدول الشيوعية . وكانت القصة القصيرة السياسي . انا لا ازال مؤمنا بالشتراكية ولكن الرفاق المتشنجون والذين وصفونا بالمحرفين ،الثورة المضادة والأنهزاميين الخ قد تركوا الاشتراكية وبعضهم قد صار من اكبر اعداء الاشتراكية .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////