السودانيون في مصر مثل الايتام. وقديما كانوا يعاملون كباشوات لمن تقيف قدام المراية وتربط كرفتك قبل الذهاب لتقديم تصريح ، بيان ، الجلوس في اجتماع يجب ان تعرف ان هنالك نساء سودانيات يفترشن الارض ويلتحفن السحاب على ارصفة القاهرة. السودانيون عالقون بعد ان حضروا لعلاج، زيارة او لاسباب عدة وما كان عندهم من مال قد انتهى . انهم ليسو بمجرمين .

لقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما وجد ابنة حاتم الطائي ومن يضرب به المثل في الكرم ، بين الغنائم وعرفته بنفسها ...... اكرموا عزيز قوم ذل . واطلق سراحها . انت يا فيصل تعرف القاهرة خيرا من الجميع . اتذكر الظروف الصعبة التي مر بها السودانيون في القاهرة في التسعينات وكيف صار من كان وزيرا او مديرا يتلقي بعد جهد ، مرمطة وملئ الكثير من الاوراق والطلبات المقابلات مبلغ 285 جنيها مصريا شهريا من الامم المتحدة . وهم رجال كانوا يربطون ويحلون في السودان ، ونساء ملئ السمع والبصر .
ان الظروف في القاهرة اليوم وبقية مصر اسوأ من ظروف التسعينات . الا ان الحل اسهل لانها مشكلة واحدة لا تتكر كل الوقت . قديما لم يكن الناس بقادرة على الرجوع الى السودان مثل دكتور حمودة كما تذكره الذي عانى من عاهة بسبب التعذيب في سجون الكيزان . صار مسؤولا عن شئون ضحايا التعذيب . الاستاذ محجوب عثمان محمد خير الذي انهار في الصحراء وكان يهش الصقور بعكازة كلما تجمعت حوله . ووجده راعي وساعده الى النيل ليحصل على شربة ماء . وانت تعرف انه قبلها كان من كبار الصحفيين وفي فترة كان رئيس تحرير الايام الغراء واحد اصحابها الثلاثة . كما كان مثلك اليوم وزيرا للاعلام . الدنيا يا فيصل دوارة .
اتذكر الزعيم التجاني الطيب بابكر المناضل الصلب . عندما تخضب سرج الجمل بدمه وتقرح جسمه . وهو هارب من وطنه الى مصر . رفض الركوب مرة اخرى . اشاروا الى بعض العظام البشرية وقالوا له .... اذا بقيت هنا ستلحق بهذا . واخيرا تفتق ذهنهم عن حيلة حمله على جانب الجمل ملفوفا في بطانية ورحل على الجانب الآخرلحفظ التوازن . ولحسن الحظ كان الزعيم قليل الوزن جسمانيا ، عظيما وجبلا في كل حياته .
لقد عاشوا تلك الظروف الكريهة في مصر وتغلبوا عليها . وها هي الانقاذ قد ذهبت الى الجحيم . كل ما نحتاجه يا فيصل الآن هو استعادة اهلنا العالقين من مصر . لقد صار السودانيون اولاد الناس ومنهم سيدات يا فيصل يتسولون الخبز في شوارع القاهرة . ان الحياة في القاهرة قاسية جدا يا فيصل وانت ادرى بها .
انا اذكر زواجك في القاهرة . كان معي رينيه فانبلوم وهو هولندي طوله 210 سنتمتر وجسمه قوي واعتبره ابني لانني اعرف اسرته ووالدته كانت توصيني به خيرا . لانه كان متفلتا عندما كان في العشرينات . انزلق وسقط في الحمام واصطدم رأسه بالحائط ورضوض في جسمه ، في صباح يوم زواجك . وكان يعاني من صداع فظيع لم استطع اقناعه بالحضور في المساء الا بعد جهد . عندما حضر الى الحفل وشاهد مئات السودانيين في الكازينو واختلط بهم واحدهم ابن اخي حسين عبد الفراج وابن اخ حسن عبد الفراج المشهور بشحرر وهو احد اسا تذتي في الدنيا من الموردة والاديب الفيلسوف يحيى فضل الله والكثيرون . اختفى رينه وسط الجميع وكنت اسمع قهقهته بعيدا على شاطئ النيل وهو في انسجام تام مع الجميع . كنت اجلس مع الاستاذ الاديب احمد عبد المكرم طيب الله ثراه االاستاذ محمد الحسن سكرتير جريدة الخرطوم والاستاذه رجاء العباسي وآخرين . وفي نهاية الحفل الذي امتد لبعد منتصف الليل . قال لي .... لقد قابلت الكثير من السودانيين معك في دول عديدة . هل يوجد سودانيون سيئون ؟؟ لقد احسست في الصباح انني بائس وكرهت الدنيا ، بعد مقابلة كل هؤلاء الناس الرائعين بدون سابق معرفة حولوا تعاستي الى بهجة . لماذا لا تحولون تعاسة اهلكم في القاهرة وفي كل العالم الى بهجة يا فيصل ؟
ان السودانيين في القاهرة قد عملوا الكثير لمساعدة العالقين . انها مسؤولية الحكومة يا فيصل . وما هى مهمة الدولة اذا لم تساعد في هذه الظروف .
دعني اعطيك لمحة من التاريخ .
بعد معركة توشكي اسر آلاف السودانيين ومنهم الاطفال النساء والشيوخ . عاملهم وود هوس باشا الذي كان محافظ المنطقة وقائد الجيش بكرم واحترام .
من تلك الفترة نحفظ اسماء اربعة من السودانيين الذين سارت بذكرهم الركبان ، وهم اربعة من الكبار . ولكن كل السودانيين في مصر ساعدوا اهلهم . اولهم الزبير باشا رحمة . احتضن الاسرى الذين وصلوا الى القاهرة . في الرمادي كان عبد الله بيه حمزة الذي لفترة احتضن اسرة بدري الكبيرة وبينهم النساء والاطفال ومنهم من مات في الحرب او بالجوع والعطش . وتلك الفنرة فتحت عيني بابكر بدري واسرته لانه تعلم مهنة السمكري والجلاد وساعده نساء الاسرة بالعمل من مسكنهم وهذا ما فتح اعينهم .
عبد الله لبيه حمزة كما اورد بابكربدري لم يكن يطلب من الاسرى العمل . وكان يخصص لكل اسير وان كان عمره يوما واحدا ثلاثة ارباع في الشهر . من الاسماء التي رسخت في عقلي ثروة ثم المنقوشي . هؤلاء عرفهم السودان قديما ويتمتع احفادهم الى اليوم بالاحترام ، ويذكرهم من يهتم بالتاريخ السوداني .
يقول بابكر بدري .....
سمعت بأن كرار بشير العبادي صرح له بالسفر للسودان وهو بدراو مشيت لاودعه . دراو هي بلدة الجعافرة الذين اشتهروا بالكرم والشجاعة وقد اكرموا السودانيين وكان عمدتهم اب حاج اسطورة في الكرم وابنه حسن كما ذكر بابكر بدري ..... شوقي . اتفقنا ان نكتب طلبا لود هاوس باشا نطلب منه تسريح السفر لاهلنا فكتبنا له طلبا لم ندر ماذا حدث فيه فلما تأخر كتبنا سبعة طلبات وضعنا اثنين في صندوق مكتبه الخاص واثنين في مكتب البوستة العامة واثنين ناولناها باليد وأخر وهو يركب حصانه في الشارع ففي الغد طلبنا في المحافظة فقابلناه جميعا . فقال بلسان فصيح لماذا تريدون السفر الى السودان ؟ فقال خالد السعيدنابي وكان رجلا طويلا وجسيما يا سعادة الباشا نحن جائعون فقال له انت سمين ما تخدم وتاكل ؟ نعم انا سمين لكن اليوم بقرشين والاولاد كثيرون . اما تصرح لنا او تربط لنا مرتبات او تضربونا رصاص . فغضب الباشا وقال لخالد انت بليد اذا كنا نضربك رصاص كان حينما اسرناك ضعيفا انت خروف نسمنك لذبحك .
ولما جاء الميعاد جمعنا الباشا لانه قد صدق بتشهيلنا للسودان
. وانه سيصرف لكل نفر منا كيلة قمح وعشرين قرشا ويعطينا المراكب ولكن يجب ان تحضروا نساءكم واولادكم لكي اتحقق من عددكم . فقال بشير بك الجبران اهالي السودان لا يرضون ان ينظر احد نساءهم . قال الباشا انا عارف ذلك انا أ جئ بامرأتي معي وهم ينظرون لامرأتي وانا انظر وحدي الى نساءهم .
كتبت لعمي الزبير باشا اخبره فيه بأن طلبنا بالسفر للسودان سرح لنا . وفناء قبائل السودان بسب مجاعة سنة ستة وسبعة وما اعقبهما من وباء الجدري فلو سرحت لمن بطرفك وشهلتهم الى السودان يكون جيدا.
نهاية اقتباس
يا فيصل هذا الكلام له اكثر من 130 سنة . والاسرى كانوا بقايا جيش غازي قتل جنود الباشا ونهب المؤن والدواب سخر الناس ، وود هاوس المسيحي يعيدهم الى بلدهم بأمان . ساعدهم في الرجوع الى بلدهم . وقبل بشروطهم في عدم عرض نساءهم للغرباء . قابلهم لوحده مع زوجته بعيدا عن اعين الناس . اعطاهم المراكب الغلال والمال . االمحافظ الكوز وضع ريس البنظون وابنه في السجن لانهما ادخلا مسافرين مع سعادة المحافظ . وانتم لا تستطيعون المحافظة على شرفكم ويتشرد اطفالكم ونساءكم في مصر .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.