اخيرا بعد مخاض متعثر سمكرت حكومة بها دبوكة من الوزراء والدستوريين . اغلب اعضاء الحكومة تميزهم الجعجعة والنفخة . والبقية من حارقي البخور واهل الولاء . لقد صار وجود المسئول المتجرد المتواضع مثل اسنان الدجاج كما يقول الاوربيون .
كلما يتوعك السوداني يذهب الي الاردن . وكلية الطب في السودان تكونت قبل ان يكمل البريطانيون خلق مملكة الاردن . واليوم نسمع ان الاطباء من قطر,, رحم الله الشاعر قطر ابن الفجائة ,, سيجرون 60 عملية قلب للأطفال في السودان . ولا يتذكر الناس اول طبيب سوداني كانت له سمعة عالمية وهو الذي اسس جراحة القلب المفتوح في السودان . السبب هو انه كان سودانيا نبيلا متواضعا ، تواضع العلماء .
عندما كتبت عن المايسترو كما كان يقول عنه البريطانيون . تداخل معي زميله البروفسر حامد فضل الله المقيم في برلين منذ عشرات السنين . ولو كانت الظروف جيدة في السودان لما تخلف الاطباء وغير الاطباء من الرجوع . ولكنهم وجدوا اصحاب الجعجعة والنفخة وحارقي البخور واصحاب الولاء يسيطرون على كل شئ ن امثال ابو قردة ومامون حميدة .
اقتباس
[د. حامد فضل الله]
1.
2.
3.
4.
5.
6.


الأخ العزيز شوقي
تحية عطرة وشوق "كتير" لرؤيتك.
قرأت بكثير من الفرح والاعجاب والمتعة مقالك "امدرمان...يا ليتني في حضنها اليوم". الشكر العظيم يا ود بدري على هذه الذكريات الحميمة التي تنعش الذاكرة وتشد الروح، بالرغم بما فيها من أحزان والآلام وكذلك ذاكرتك الحديدة وغالبية أصدقائي على اعتاب الشيخوخة، اما أنا فدخلتها من أوسع أبوابها.
زاملت ابراهيم مصطفى في الثانوية وتفرقت بنا السبل، كلانا لدراسة الطب، هو الى مصر وانا الى المانيا. والتقينا بعد فترة طويلة في لندن، عندما عملت لفترة قصيرة "كطبيب زائر" في كلية الطب في جامعة لندن بعد ان أكملت تخصصي في أمراض النساء والتوليد في جامعة برلين، وهناك التقيت مع إبراهيم مصطفى و معه ايضا زميل الدراسة صديق الفاضل إدريس.
واذكر بعد سنوات، وانا اتخطى ليلاً البوابة الكبيرة في مستشفى ام درمان لمعاينة حالة مستعجلة في قسم النساء، اسمع صوتا ينادي، فالتفت فاجد امامي إبراهيم مصطفي، فاستغربت لحضوره ، فاخبرني بانه يغطي ليلا مستشفى ام درامان بجانب الخرطوم، لغياب اخصائي الجراحة في ام درمان. ونحن في طريقنا الى العنابر، نلتقي بالطبيب المناوب قلقا وموجها الحديث لي، بان هناك حالة جراحية مستعجلة ونحن في انتظار مستر إبراهيم مصطفى من الخرطوم، وهل يمكن ان تنظر معنا الحالة حتي حضوره.
اشرت بيدي وقلت له، هذا هو مستر إبراهيم. لم يصدق الزميل الشاب، بان هذه الذي امامه ، بقامته المتوسطة والنحيلة وبوجهه البشوش وبساطة هندامه، هو مستر إبراهيم مصطفى أشهر أخصائي جراحة القلب. وتفرقت بنا السبل من جديد، انا الى مستشفى جوبا، قبل مغادرتي الى برلين. أما إبراهيم فبقى في الداخل يواصل عمله المهني والعلمي والاِنساني لخدمة وطنه، بعيداً عن الشهرة الخادعة. وبعد ذلك لم اسمع الا خبر وفاته ووفاة زوجته الفاجع، وهو يحاول انقاذ حياتها. لهما الرحمة والثواب من الرحمن الرحيم
اقتباس ... بعد مناشدة البروفسر حامد فضل الله للكتابة عن زميلة المايسترو طيب الله ثراه .
.

الأخ العزيز شوقي
السلام والتحية.
أعود مجداً لصديقنا العزيز المرحوم إبراهيم مصطفى. كل افراد دفعتنا كانوا في المدارس المصرية، سواء الابتدائية ( مدارس الاقباط او االانجيلية) والثانوية ، في كلية الاقباط بالخرطوم أو مدرسة فاروق ايضا في الخرطوم. كنت انا ضمن مجموعة من اولاد ام درمان، الذين تم قبولهم اولا في كلية الاقباط. وكذلك كنت ضمن العشرة الأوائل الذين تم نقلهم بعد ذلك الى مدرسة فاروق وكان إبراهيم قد سبقنا اليها من قبل. تميز إبراهيم منذ البداية بذكاء ومثابرة في التحصيل مع طيبة في الخلق واحترام لاِصدقائه وزملاء الدراسة. مدرسة فاروق كانت فعلا مدرسة نموذجية بمعنى الكلمة وكانت الحكومة المصرية ترسل خيرة المدرسيين المصريين للتدريس في السودان ولا ازال اذكر منهم الأستاذ يوسف الشاروني، الذي اصبح من اهم كتاب القصة القصيرة في العالم العربي بجانب يوسف إدريس. لقد غادرنا الشاروني منذ ايام قليلة، له الرحمة والثواب من عند الله.
لقد حصلنا جميعا على الشهادة الثانوية وحصل إبراهيم على درجات عالية وهو الوحيد في دفعتنا الذي تم قبوله في كلية الطب بالقصر العيني وبعد تخرجه بفترة فصيرة حصل على دبلوم الجراحة بامتياز ايضا في القاهرة. عاد الى السوان وهو يحمل شهادتين بامتياز. وحسب العرف كان من المفروض ان يرسل الى بريطانيا للحصول على شهادة الجراحة، وخاصة انه انهى الجزء الصعب والأهم ( Part one ــ أي دبلوم الجراحة). فبدلا من ان يُرسل الى بريطانيا، تم نقله الى جنوب السودان(جوبا) بحجة ان يعمل أولا في مناطق الشدة. القرار صائب ولكن للأسف لا يطبق على الجميع، فاذهب قبله من لم يعمل في مناطق الشدة. لم يعترض إبراهيم ونفذ القرار وكان ادائه مشهودا له في الجنوب. وبقى كل الفترة المطلوبه وعند عودته الى العاصمة لم يتمكن ايضا من السفر الى بريطانيا وباشر عمله في مستشفى الخرطوم. واذكر ان كان برفيسور زائر الى كلية الطب . وكانت هناك حالة حرجة في قسم جراحة المسالك البولية، عُرضت على الأستاذ الزائر، فقام إبراهيم بتقديم الحالة والتشخيص واقتراحه للعلاج، مما اذهل الاستاذ الزائر وانعكس ذلك في الثناء والاعجاب به، مما سبب حرجا لكبار الأخصائيين ومنها بدأ الحسد والمعاكسة له من كبار الأخصائيين ولكن إبراهم رجل صبور، " صبر الشخص الواثق من نفسه ". فانضم بعد معاكسات الى قسم جراحة القلب مع الشهير أحمد عبد العزيز، فبل ان يغادر الى بريطانيا. وهناك حصل على زمالة الجراحة في فترة قصيرة من وصوله الى بريطانيا ثم عمل مع جراح القلب المصري الشهير مجدي يعقوب، فاكتسب خبرة عالية. فإبراهيم لم يكن مثل بقية الاطباء السودانيين، الذين يحضروا الى بريطانيا للجلوس الى الامتحان للحصول على الشهادة، بل إبراهيم كان يعمل كطبيب معين من المستشفي ومسموح له بالقيام بكل العمليات مثل الزملاء الانجليز. عند عودته الى الخرطوم انضم الى كلية
الطب وقام بتأسيس قسم جراحة القلب. واصبح مشهورا أكثر من أحمد عبد العزيز، الذي انشغل في الفترة الأخيرة بالسياسة وتحول الى السلاح الطبي، بالرغم من ذلك كان يتدخل ويعاكس من الخارج. وابراهيم له كلمة مشهورة " قائلا: احمد عبد العزيز خرج من الوزارة بالباب وجانا بالشباك ".
ولكن كما ذكرت واصل إبراهيم عمله العلمي في التدريس وفي المستشفى بإخلاص نادر ورفض كل العروض للعمل بالخارج، رغم كل الابواب كانت مفتوحة له على مصراعيها.
اما فيما يتعلق بكسلا، فانا لا اعلم عن هذا الموضوع. كل ما أعرفه، بان بعض من أهله من السجانة القديمة، ثم بانت وكان من جيرانه في حى بانت خالد حسن عباس.
ربما تعلم بأن زوجته المرحومة كانت حاملة بطفلها الثاني عندما حصلت الكارثة المروعة ، ففقدنا ثلاثة من الأعزاء.
اما طفلته الأولى فقد تخرجت من كلية الهندسة وهي متزوجة وعندها طفلة.
هذا ما استطيع ان اقدمه لك، واتمنى ان يكون مفيداً. اتمنى ان تواصل الكتابه عنه، فهو شخصية نادرة في وطننا، علميا واخلاقياً.

حاشية : من من زملاء إبراهيم والذين يذكرونه بكل خير واعجاب:
د. صديق الفاضل إدريس ، اخصائي أمراض النساء والتوليد.
د. كمال محمد برعي المصري عالم في الفيزياء.
د. محمد الخواجة اخصائي الأشعة
عدلي عبد المجيد شيخ الجيولوجين في السودان وشقيق يحي عبد المجيد الجيلوجي العالمي.
عبد الرحمن الفاضل إدريس كبير المهندسين في وزار الاشغال سابقا.
يسين إبراهيم (جربوع) مهندس واستاذ سابق بجامعة الخرطوم.
وبالطبع شخصي (اخصائي أمراض النساء والتوليد) وكما تعلم فانني اعيش منذ فترة طويلة في برلين.

كل التحية
حامد

المايسترو _ الدكتور ابراهيم مصطفى

عندما عانى الملك خالد من قلبه طلب من الانجليز ارسال احسن اخصائى قلب عندهم . واستجاب الانجليز لطلب الملك وارسلوا المايسترو كما كانوا يلقبونه د . ابراهيم مصطفى من امدرمان بانت جنب الخور . وعندما اراد الملك خالد ان يكافى المايسترو رفض ان يطلب اى شئ لنفسه . وتحت الحاح الملك خالد طلب عياده لجراحه القلب فى السودان , لتكون اول عياده فى مستشفى الشعب وفى كل السودان . وأتت المعدات من كوبنهاجن شركه راديو ميتر .
فى سنه 1974 رجعت للسودان بعد غيبه طويله لزواج أخى ( بله ) زينه رجال العباسيه . وتأخر الزواج لان أخ العروس كان فى مؤتمر فى الجزائر . وبالرغم من ان خال العروس هوقاضى الاستئناف والرجل الشجاع عبد المجيد امام عبد الله , وخالها كذلك طه امام واحمد اسكوب , من عتاوله العباسيه . الا ان الجميع كانوا يصرون على حضور د. ابراهيم مصطفى .
اول مره اشاهد المايسترو كان فى مطبعه ايمان عندما ذهبت لطباعه الكروت بصفتى وزير العريس . وكان هو كذلك لسبب مماثل , بصفته أخ العروس . وقلت له مازحاً ( ياخى اخرتونا ) فرد خجلاً وهو ينظر الى الارض ( ما كان فى لزوم للتأخير الناس ديل بس ركبوا راسهم ساكت ) .
وأثناء الحفل الذى احياه شرحبيل كان المنزل مفتوحاً للجميع واختلط اهل المورده بالعباسيه وبانت وبقيه امدرمان , والمايسترو يسألنى بكل رقه ( محتاج مساعده . عاوز حاجه ؟؟ ) وكان يترك اصدقائه لكى يساعد بكل تواضع وابتسامته العذبه لا تفارق فمه .
د. مجدى يعقوب المصرى جراح القلب العالمى ( لندن ) . حضر الى الخرًطوم لمقابله المايسترو . عندما فشل فى الاتصال تلفونياً من الهلتون لكى يحدد موعدا مع المايسترو ذهب الى المستشفى . وعندما سأل البواب عن المايسترو كان الرد ( ما ياهو داك ) وكان المايسترو كعادته متنقلاً داخل المستشفى بكل بساطه وبدون ( هيلمانه ) .
رفض المايسترو عروض دكتور مجدى , وان يترك السودان . وكان يقول عادهً ( بالرغم من المشاكل والمعاناه يجب ان يضحى الانسان لوطنه ) .
عندما تركت السائق خارج دارهم فى بانت , لاننى احرجت عده مرات بادخال السائق فى صوالين الآخرين رأيته يدخل السائق الى الصالون ويقول لائماً ( بانت دى شجره ما فيها ولا ضل كيف تخلى الراجل فى الشمس |.؟ ) وذهب ليحضر مشروباً مثلجاً للسائق . لقد كان بسيطاً متواضعاً سمحاً . لم اسمعه يتحدث عن الآخرين الا بالجميل ولم اره غاضباً او خارجاً عن طوره .
فى سنه 1988 عرفت انه يبحث عنى فاسرعت الى عياده فى شارع الجمهوريه بالقرب من فندق الشرق , عرفت منه انه فى فتره غيابه تعطلت كل المعدات , لان بعض الاذكياء حاولوا صيانتها بدون سابق معرفه . وكنت وقتها قد صرت وكيلاً للشركه المصنعه .
وحتى هذا التصرف السئ لم يخرجه عن طوره . بل كان يقول ( نعمل شنو ما هى البلد كده انحنا لازم نقعد فى البلد دى لانها بلدنا , ولو ما انحنا قعدنا فى البلد دى حتتطور كيف ؟ ) المطلوب وقتها كان تغيير او اصلاح اللوحات الالكترونيه . ولاهميه الموضوع ولكى يتجنب التأخير عرض ان يدفع التكاليف من جيبه الخاص .
مدير المبيعات لشركه راديو ميتر ادهشنى عندما قال ان الشركه ستتكفل بكل المصاريف بدون مقابل . ولقد كنت اعرفه كرجل اعمال شرس لا يترك مليماً واحداً وحتى عندما كان يزورنى فى السويد كان يحاسبنى على كل مليم .
السبب فى كرمه المفاجئ هو قوله لقد تعاملت مع كل العالم لم ارى ولن ارى رجلاً كدكتور ابراهيم مصطفى . ففى كل مره نعقد صفقه يطالب البشر بعمولات او رشوه او دعوه للدنمارك . ولكن الدكتور ابراهيم مصطفى كان يرفض اى شئ , او خدمه بل يصر ان يدفع تذاكر سفره بنفسه . وهو احد الدكاتره القليليل اللذين حاولوا ان يستوعبوا معداتنا من الناحيه الفنيه . وهو جراح قلب لا مثيل له . وتصادف ان كان للشركه فنياً فى طريقه الى ليبيا . فأرسلوه الى السودان بقطع الغيار وتكلفت الشركه بكل المصاريف . وكانوا يقولون دكتور مصطفى شئ خاص جداً سنتعامل معه بطريقه خاصه جداً .
عندما سمعت ان المايسترو قد مات مع زوجته لان البتوجاز قد انفجر فى زوجته وحاول هو انقاذها ومات الاثنان , تألمت كثيراً وتذكرته بأدبه الجم وابتسامته العذبه والخساره الجسيمه التى تكبدها السودان .
لو اراد المايسترو لكان ساكناً بقصر محاطاً بالخدم والحشم فى بلاد الغربه . ولم يكن يحتاج لان يقترب من المطبخ ناهيك الى التعرض لانفجار البتوجاز .
من عطف الدنيا عليا ان قابلت كثيراً من الرجال والنساء من هم خيراً منى ولكن امثال المايسترو يشعروننى بتفاهتى كبشر .

الدكتور ابراهيم مصطفى هو خال ندى ابنه تؤام الروح احمد عبد الله ( بله ) رحمه الله عليه الذى لا ازال ابكيه , وهو كذلك أخ الاخت نور ارمله بله . رحمه الله على هؤلاء العظماء وليأخذ الله بيد الباقيين
اقتباس

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.