اتسمت فترات الانتقال السياسي في السودان بعد ثورة أكتوبر 64 بالشد والجذب بين القوى السياسية المختلفة أدت إلى استقالة حكومة سرالختم الخليفة الأولى وتكوين حكومة جديدة ذات تكوين متوازن بين الأحزاب بعد أن غلبت على الحكومة الأولى العناصر اليسارية التي جاءت ممثلة للكيانات الفئوية باسم جبهة الهيئات مما أعطى اليسار وزنا كبيرا لا يملكه في الساحة السياسية. وعقب انتفاضة ابريل كان الشد والجذب بين حكومة الجزولي دفع الله التي كونها التجمع النقابي الذي قاد المظاهرات ضد نظام الرئيس النميري وبين المجلس العسكري الذي ترأسه المشير الزاهد سوار الدهب، كانت الحكومة أكثر ثورية وحماسة لإزالة آثار مايو ومنها قوانين سبتمبر ولتعديل قانون الانتخابات لمصلحة القوى الجديدة، وكان مجلس سوار الدهب محافظا يريد أن يعلق التغيير المطلوب في رقبة الحكومة المنتخبة خاصة فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية. كما أن الجبهة الإسلامية القومية ظهرت بقوة في الساحة السياسية فأراد التجمع النقابي أن يحاسبها بجريمة دعم نظام مايو الذي صالحته في 1977 واستفادت من ذلك كثيرا لأن النظام سمح لها بقدر من حرية الحركة في المجال الاجتماعي والاقتصادي، ولكن النائب العام عمر عبد العاطي رفض وضع قانون مفصّل لمحاسبة الجبهة الإسلامية وحدها دون غيرها من الذين تعاونوا مع نظام مايو. وكانت الصبغة الأيدولوجية غالبة في سبب مشكلات الانتقال في أكتوبر وأبريل. ومن أراد المزيد عن مشكلات المرحلة الانتقالية فليطلع على الدراسة الموثقة التي كتبها البروفسير عطا البطحاني بقسم العلوم السياسية جامعة الخرطوم.

وظهرت الآن خلافات واضحة بين قيادة قوى الحرية والتغيير وبين المجلس العسكري مما أدى إلى إعلان قوى الحرية والتغيير تعليق الاجتماعات بالمجلس العسكري، ولجؤها للشارع للضغط عليه لأنه بدأ يستمع إلى كيانات سياسية أخرى تقدم مقترحات حول ترتيب فترة الانتقال وهذا يعني عدم اعترافه بأن قوى الحرية والتغيير هي الممثل الشرعي الوحيد لثورة 19 ديسمبر! ولا أظن أن هذا الموقف الحاسم مفيد لمصلحة الثورة واستكمال مشوارها الصعب. أولاً لأنه يعطل تشكيل المؤسسات المدنية التي ينبغي أن تستلم السلطة وتدير شؤون البلاد لوقت غير محدد وهذا لب مطلب قوى التغيير فلماذا تؤجله؟ ثانيا سيعطي هذا الموقف المجلس العسكري حق اتخاذ القرارات في كافة شؤون البلاد دون حسيب أو رقيب، وهذا ضد روح الثورة وأهدافها ومستقبلها. وإذا استطعم المجلس العسكري ممارسة السلطة لمدة طويلة قد يصعب فطامه منها. ثالثا إن العقلية السودانية التي تقول "كبير الجمل" وتقول "الفايت الحدود واسوهو" لا تقبل الاحتكار ولا تقبل التعالي على الآخرين، ولذلك يصعب الدفاع عن احتكار قوى الحرية والتغيير لكل ترتيبات الفترة الانتقالية فمهما كان دورها عظيما في احداث التغيير إلا أن ذلك لا يلغي حق الآخرين في أن يستشاروا ويُستمع لهم. كان من الأفضل أن تستمع قوى الحرية والتغيير نفسها للآخرين ثم تنقل للمجلس العسكري ما يتم التوافق عليه.
وبما أن ذلك تجاوزته الأحداث أرى أن الخيار الثاني أن تطلب قوى الحرية والتغيير أن يكون لها حق النقض (الفيتو) ضد أي شخصية ترى أن فيها جرحا لا يؤهلها للموقع الذي رُشحت له في المؤسسات الانتقالية. رابعا لا أظن أن قوى الحرية والتغيير تستطيع "شيطنة" المجلس العسكري الحالي وتسعى لاسقاطه كما فعلت بالبشير ونظامه القمعي، فهو الهيئة الرسمية التي حسمت الصراع لمصلحة التغيير، فعزلت البشير من رئاسة الدولة واعتقلته وسجنته مثل عامة الناس وصادرت أمواله ووعدت بمحاسبته ومحاسبة الضالعين من نظامه في جرائم جنائية وقضايا الفساد واستغلال النفوذ، وهي الأهداف الرئيسة التي أجمع الشباب عليها والتفوا بسببها خلف تجمع المهنيين السودانيين. وقد تراجع المجلس العسكري من قبل عن عدة قرارات اتخذها عندما اعترضت عليها قيادة قوى التغيير، والعسكر لهم عصبية لزملائهم وقياداتهم ولا يحبون قط أن يهزأ بهم مدني ملكي لا يعرف كيف يمسك البندقية للدفاع عن البلد، وأخشى أن يُظن بذلك إهانة للجيش السوداني فتنقلب الأمور رأسا على عقب! فكيف لهم شيطنة من أدى كل ذلك الدور لمصلحة الثورة؟

وليت قوى الحرية والتغيير تنشر مقترحاتها لتشكيل المجلس السيادي ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي لعامة الناس ويكون لديها الاستعداد لتسمع وجهات النظر المختلفة عنهم جرحا أو تعديلا. ربما تجد معلومات هامة وصحيحة عن شخص ما كانت تعلمها عنه ولو علمتها ما رشحته للموقع المعين. وأظن أن قيادة الثورة ينبغي أن تكون ذات شفافية عالية أمام الجماهير حتى لا يظن الناس بها الظنون، وحتى تكون مفتوحة للقاء قاعدتها الشبابية ومع كل قطاعات الشعب السوداني، فذلك أولى من السرية الكتوم التي اتسمت بها شهور الثورة الأولى لأسباب تأمينية. أرجو أن تراجع قيادة قوى التغيير موقفها من تعليق الاجتماعات مع المجلس العسكري حتى تمضي الأمور قُدما لبلوغ الثورة غاياتها البعيدة، وسيكتب ذلك في سجل تاريخ الوطن لأولئك الشباب الذين وضعوا بصمة قوية في تطور الدولة السودانية. بالمناسبة السياسة ما فيها زعل وما فيها حردان!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.