فجر شباب السودان في ديسمبر الماضي ثورة سياسية سلمية غير مسبوقة في تاريخ السودان بل في تاريخ افريقيا والعالم العربي، ما هي الميزات التي توفرت لهذا الشباب حتى يقتلع نظاما قمعيا من الدرجة الأولى تجذر في كل مجالات الحياة لمدة ثلاثين عاما حتى ظن أهله أنهم باقون في السلطة لعمرهم وعمر أبنائهم؟ الميزة الأولى الإيمان بالقضية المحورية التي هي إسقاط النظام إيمانا لا يتزعزع مهما كانت التضحيات، الميزة الثانية هي الوحدة العمرية والثقافية التي حملت حماسة الشباب ومثاليتهم ورفضهم القهر والاستكبار عليهم، الميزة الثالثة هي اختيارهم لقيادة تشبههم عمرا وثقافة وحماسة لم يسبق لها أن دنست الحياة السياسية، الميزة الرابعة هي الانضباط التام في الالتزام بتوجيهات القيادة التي لا يعرفونها فهي ليست المهدي ولا الأزهري، لكنه الارتباط المعنوي المتين خلف هدف نبيل أجمع عليه الناس دون أن يفلحوا في تحقيقه. هذه الميزات القوية للشباب هي التي حققت معجزة سياسية باهرة. هل تُترك هذه الميزات الفاعلة هملاً دون توجيه أو استثمار لتحقيق معجزة مجتمعية أخرى لا تقل شرفا ونبلاً عن المعجزة السياسية؟ أحسب أن الإجابة البدهية هي يجب أن تستغل طاقات الشباب الثورية في بناء ونهضة الوطن لأن التغيير السياسي نفسه ينبغي أن يتجه لتحقيق ذات الغاية. فلا خير في بلد يمتلك موارد السودان الضخمة وتكون نسبة الفقر بين سكانه أكثر من 45%، وتكون خدماته الضرورية كالصحة والتعليم وتوفير مياه الشرب من أسوأ الدول الافريقية، وأن يتسول الوقود والدقيق والسكر من الآخرين أعطوه أو منعوه. ومع تسليمنا بأن الإنقاذ انحطت بالسودان لدرجة غير مسبوقة في تاريخه لفسادها واستبدادها وطول عمرها، إلا أن المجتمع يتحمل نصيبه أيضا في التحلي بصفات ضعف لا تخفى على أحد: عدم الحرص على أداء الواجب، المحسوبية والعشائرية في التعيين والترقي وتقديم الخدمات الرسمية، تفشي الرشوة في أجهزة الدولة، تضييع الوقت دون عمل مفيد، عدم الالتزام بحكم القانون واتباع النظام، عدم اتقان العمل وتجويده، المبالغة في تقدير الأمور وتهويل الأشياء بأكثر من حقيقتها، البذخ والإسراف في المناسبات الاجتماعية، عدم الادخار والاعتماد على رزق اليوم باليوم، تفشي الكذب وإخلاف المواعيد وعدم الوفاء بالوعود، عدم الاهتمام بنظافة البيئة ... وهكذا عادات كثيرة ضارة لا تشجع على العمل ولا على الإنتاج ولا على التجويد والابتكار، فكيف لأمة مثل هذه أن تنهض وتتقدم الأمم؟

الأزمة المجتمعية في الحياة السودانية أكبر معوق للتقدم والنماء، ولا بد للعقلية التي ترعرعت فيها تلك الصفات الضارة أن تتغير بأخرى تحترم الوقت والعمل والنظام والإنتاج والادخار والاستثمار ونظافة البيئة. هذه الصفات الحسنة لا بد أن تتمثل في قدوة حسنة وفي نموذج يراه الناس من قريب ويقتدون به في حياتهم اليومية. وشباب الثورة خير من يقدم هذه القدوة الحسنة للمجتمع السوداني بعد أن فعلها في اقتلاع سلطة الاستبداد والفساد. سيكون هدراً كارثيا لطاقة الشباب الفاعلة القوية أن يذهب هؤلاء الشباب يسترخون في بيوتهم كما كانوا يفعلون قبل ثورة التاسع عشر من ديسمبر الماضي وكأنهم لم يزلزلوا أركان الأرض بثورتهم السياسية الظافرة. والفرصة مواتية الآن أكثر من أي يوم مضى في احداث ثورة مجتمعية تغير وجه السودان تماما لعقود قادمات. وفي هذا المقام أقدم مقترحا متواضعا للشباب في استغلال طاقاتهم وتجربتهم لاستكمال صناعة الثورة في السودان، ولن يكون هو المقترح الوحيد فالكل مدعوون للمشاركة بآرائهم ومقترحاتهم في هذا المجال الحيوي لرفعة السودان وعلو شأنه بين الأمم.

يبدأ المقترح بتنظيم شباب الثورة أنفسهم على مستوى الأحياء والمدن والمحليات والولايات لتقديم خدمات مجتمعية رائدة تحدث تغييرا كبيرا في حياة الناس وتكون قدوة لهم في تغيير بعض سلوكياتهم الضارة. سنقترح بعض هذه الخدمات ولكن ليس المهم الخدمات في حد ذاتها بقدر ما هي الكيفية التي تتم بها تلك الخدمات، لأن ذلك ما نريده لتغيير سلوك عامة الناس: أن تكون خدمة طوعية لا يريد الشباب بها أجرا حتى نشيع قيمة العمل الطوعي في كل أنحاء البلاد، أن يتم العمل بجماعية واضحة متوافقة تجذب أنظار الناس، أن يتم الأداء بانضباط تام في الوقت مثل ما كان خروج المظاهرات في الوقت والمكان المحددين، أن يتم التنفيذ بجدية بالغة لا يتخللها انشغال بأي شيء آخر حتى وقت الاستراحة الرسمية المعلنة، أن يكون للعمل جدول محدد في البداية والنهاية وفي ما يجب تحقيقه في تلك المدة، وأن تتم محاسبة معنوية مكشوفة لمن يتأخر عن وقت العمل، وأن تتم التوعية لأهل الحي أو المدينة بفائدة المشروع حتى يقوموا بصيانته والمحافظة عليه بعد استكماله، وأن يتم احتفال في نهاية المشروع في الحي أو المدينة بمشاركة أهل المنطقة حتى يتم التفاعل المطلوب بين الطرفين.

الأمثلة التي نقترحها للمشروعات الاجتماعية هي مجرد نماذج قابلة للحذف والتعديل حسب أوضاع المنطقة التي يقام فيها المشروع: تشجير الشوارع والساحات، تشجير المدارس والمساجد والكنائس والمؤسسات العامة، نظافة الشوارع والساحات وجمع النفايات بنظام قابل للاستمرارية، نظافة الأسواق وتنظيم عرض السلع في أماكن محددة لا تقفل الممرات، ضبط حركة المرور في الشوارع وفقا للوائح، ضبط ترخيص العربات ورخص السائقين، تنظيف المقابر وتعميرها وإنارتها، ضبط كتابة الأسعار على السلع والأدوية المعروضة حسب توجيه السلطات المحلية، الاشراف على أماكن بيع السلع المخفضة حتى لا يساء استخدامها من قبل بعض السماسرة، مراقبة حضور وخروج التلاميذ والمعلمين من المدارس في الأوقات المحددة، مراقبة حضور وخروج الموظفين في الأوقات المحددة، الحراسة الليلية في المناطق التي تشكو من كثرة السرقات والانفلاتات. حملات لمحو الأمية، حملات صحية للأمراض المنتشرة في الولاية، المساعدة في الأعمال الزراعية حسب حاجة المزارعين، حملات التطعيم للأطفال، حملات التطعيم للحيوانات، قوافل ثقافية ومسرحية وفنية. والقائمة تطول ولا حصر لها في مجالات الحياة المختلفة.

لا بد للشباب أن يقوموا بمثل هذه الأعمال تحت اشراف الجهة الحكومية المختصة، وقد يحتاجون لتدريب محدد قبل بداية المشروع. وينبغي أن يعلم الشباب أنهم ليسوا سلطة رسمية حتى يعطوا أنفسهم حق الأمر والمنع مثل شرطة النظام العام، كل ما يطلب منهم تقديم تقرير للجهة المختصة عن المخالفات التي يقفون عليها، وأن يتعاملوا مع المواطنين بكل تهذيب وأريحية لأن القصد هو أن يكون سلوكهم قدوة للآخرين. فالسوداني غضوب أحمق إذا استفزه أحد أو تعالى عليه، لكن الحسنة عنده تمعط شارب الأسد. ويمكن للجهة المركزية التي تشرف على تنفيذ هذه المشروعات أن تجعله محل مسابقة ومنافسة بين الأحياء والمدن والمحليات والولايات، وأن تعلن المناطق الفائزة ويحتفى بها في مهرجان كبير يجذب الأنظار من داخل الولاية وخارجها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.