أحسب أن الساحة السياسية في السودان تبدو للمراقب عن بعد أنها تعاني من اضطراب واستقطاب حاد، فرغم أن الكثرة الغالبة تؤيد الحكومة الانتقالية كما ظهر ذلك بوضوح في الاحتفالات بعيد الثورة الأول التي عمّت كثيرا من المدن في الأيام الفائتة، إلا أن موكب 14 ديسمبر الذي حشد له المؤتمر الوطني والسجال الدائر بين الطرفين المؤيدين والمعارضين يشير إلى استقطاب غير محمود يهدد الاستقرار السياسي. وهي حالة ليست بالجديدة فقد حدث استقطاب مماثل بعد ثورة أكتوبر 64 بين القوى اليسارية والأحزاب التقليدية، وتكرر المشهد الاستقطابي بعد سقوط نظام مايو في أبريل 1985 كان الاستقطاب على أشده بين الأحزاب السياسية مجتمعة وبين الجبهة الإسلامية القومية (الكيان الجديد للإسلاميين بعد جبهة الميثاق الإسلامي). وليس مستغربا أن يؤدي سقوط نظام دكتاتوري قابض إلى قدر من الفوضى في ممارسة الحرية الجديدة لأنها تمثل أشواقا طال انتظارها لدى الشباب، ولأن الحكومة الانتقالية رغم اختلاف تكويناتها تكون جديدة على السلطة ومطلوب منها أن تؤسس لنظام ديمقراطي لا يحجر حرية التعبير والتنظيم. وعادة ما تكون عناصر الحكومة الانتقالية غير متفقة تماما على عدد من القضايا الهامة مما يفتح المجال لتدخلات من خارجها. وهناك أصحاب الغباين والمظالم الذين عانوا كثيرا من النظام المخلوع ويريدون أن يخلصوا حقوقهم بأسرع فرصة ولا يكادون يحتملون انتظار إجراءات القانون الطويلة، كما أن هناك أصحاب الطموحات العالية في تحسين أوضاع المعيشة وفيما يرونه أولويات الإصلاح بالبلاد، وبالطبع فإن الأوضاع الاقتصادية المتردية لا تحتمل مثل هذه الهجمة من المطالب والإصلاحات في وقت قصير محدود!

وأخيرا هناك الفئة السياسية الإقصائية التي تريد أن تهزم خصمها السياسي بالضربة القاضية أثناء الفترة الانتقالية حتى لا تقوم له قائمة فينافسها في انتخابات قادمة أو يشوش على أطروحاتها الأيدولوجية المختلفة، والتهمة حاضرة دائما هي أن ذلك الخصم تعاون مع النظام العسكري المباد ولولا دعمه السياسي لما بقي ذلك النظام كل تلك المدة. وهذه هي أخطر الفئات لأن هدفها يناقض مبادئ الديمقراطية التي تريد الثورة أن تؤسس لها بعد سقوط النظام الدكتاتوري، ولأن لديها خيار وفقوس في اختيار الجهة التي ينبغي أن تحاسب، وأيتها التي ينبغي أن تعفى من المحاسبة بحجج مختلفة: مثلا لأن تعاونها كان في بداية الانقلاب فقط، أو لأنه كان قصير العمر، أو لأنها تحولت في وقت لاحق لمعارضة ضد النظام وساهمت في اسقاطه، ثم إعفاء الإدارات الأهلية بالأقاليم من المحاسبة لأنها بحكم طبيعتها العشائرية ومسؤولياتها الاجتماعية لا تملك إلا أن تتعاون مع الحكومة أيا كانت. حكى لي الأستاذ عمر عبد العاطي المحامي الذي تولى منصب النائب العام بعد سقوط نظام نميري أنه تعرض لضغوط كثيرة تحت شعار محاسبة (سدنة مايو) لمحاكمة قيادات الجبهة الإسلامية القومية تحديدا لتعاونها مع نظام منذ المصالحة معه في 1977 إلى ما قبيل سقوطه بأسابيع. فقال لأولئك المتحمسين للمحاكمة: كيف نكتب هذا القانون الذي يختص فقط بمحاكمة قيادات الجبهة الإسلامية دون كل الآخرين الذين تقلدوا مناصب في حكومة مايو التي استمرت ستة عشر عاما وهم يعدون بالمئات أو الألاف. الحل الوحيد هو أن نكتب من تريدون محاكمته بالاسم فنقول إنه قانون خاص يتعلق فقط بمحاكمة حسن الترابي وياسين عمر الإمام وعلي عثمان محمد وهلمجرا، ولا أعرف أن شيئاً مثل هذا قد حدث في أي مكان من العالم!

وأحسب أن ما وقع من استقطاب سياسي حاد عقب ثورتي أكتوبر وأبريل كان له تأثيره الكبير في التمهيد لانقلابي كل من النميري في مايو 1969 والبشير في يونيو1989 بحجة فشل الديمقراطية الثانية والثالثة. ولم تفلح المواثيق والعهود التي قطعتها الأحزاب على نفسها لحماية النظام الديمقراطي أن تهب معا في معارضة السلطة الانقلابية الجديدة قبل أن تثبت أرجلها على الأرض. وهذا السيناريو البغيض قابل للتكرار مرة بعد أخرى في أرض السودان الهشة، فالمجتمع لا يصبر على ضعف التجربة الديمقراطية ولو كانت قصيرة، والأحزاب لا تكف عن المجاذبة الخشنة حول اقتسام كراسي السلطة، كما أنها لا تصبر على البعد عن تلك الكراسي، ولديها مقدرة فذة في المشاركة بالحكومة والتمتع بسلطاتها ومخصصاتها ومعارضتها حول قضايا أساسية في ذات الوقت! لذلك كان احدى مقترحاتي في زمن متأخر لحل إشكالية الجمع بين الديمقراطية التعددية والثقافة الأبوية السودانية هو الأخذ (بالديمقراطية التوافقية) التي تعمل بنجاح في كل من سويسرا وبلجيكا وهولندا وغيرها من الدول الاسكندنافية ذات الانقسامات القومية والدينية الحادة.

ولم يكن هذا الرأي طارئا بالنسبة لي فقد دعوت الأستاذ محمد إبراهيم نقد لحوار مطول بمنزلي أثناء انتخابات 1986 فاستجاب الرجل مشكورا رغم انشغاله بالحملة في دائرته الانتخابية (العمارات). قلت له ان هذه الديمقراطية الوليدة لن تستمر طويلا وأن الخطر يأتيها منكم ومنا، أي من اليساريين والإسلاميين، ولدرء ذلك الخطر نحتاج لكتابة ميثاق شرف مشترك بيننا حول بعض القضايا السياسية الهامة والحساسة نلتزم به معا. وأفهمته أن هذه مبادرة شخصية مني لكني يمكن أن أسوقها لقيادة الجبهة الإسلامية القومية إذا وصلنا لتفاهم مشترك حول القضايا التي اقترحها. انطباعي عن ذلك الحوار الذي دام ثلاث ساعات أن نقد استبعد نجاح الفكرة لكنه لم يرفضها بل قال لي انه سيكلف شخصا يواصل معي الحوار حول الموضوع لأنه مشغول جدا في مسألة الانتخابات. عرفت فيما بعد أنه رشح الخاتم عدلان ولم يرق لي الاختيار لأن الخاتم في ذلك الوقت كان طالبا في الجامعة بالسنة النهائية وكنت أستاذا بها وظننت أن مثل هذا الحوار لا ينبغي أن يجري بين أستاذ وطالبه، لكني عرفت بعد سنوات طويلة قدرات الخاتم الفكرية والسياسية ومكانته في الحزب وذلك بعد أن وقع الفأس على الرأس وحدث المقدور الذي كنت أخشاه من الإسلاميين أنفسهم. على كل لم أبادر في الاتصال بالخاتم ولم يتصل هو بي فماتت الفكرة في مهدها، لكني سعدت بالحوار المطول مع الأستاذ نقد في موضوعات شتى فهو مستمع جيد ومحدث شيق.

وأنا أشهد في المرحلة الراهنة استقطابا حادا في الساحة السياسية بين الإسلاميين الذين ينتمون للمؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي ويريدون أسقاط الحكومة الانتقالية بكل السبل بما فيها القوة العسكرية إذا وجدوا لذلك سبيلا. (وكأنهم لم يتعلموا شيئا من التجربة المرة السابقة التي أصبح البشير فيها حاكما فردا يعبث بمؤسسات الدولة والحزب والحركة الإسلامية التي نعيناها من قبل بأنها ماتت وشبعت موتا على يد الرئيس البشير وكبار مساعديه السياسيين.) والطرف الثاني في الاستقطاب هم بعض مؤيدي الحكومة الانتقالية في قوى الحرية والتغيير من اليساريين الذين يريدون اقتلاع الإسلاميين من الساحة السياسية، وحجتهم القوية أن الإسلاميين هم صُناع الانقلاب والمستفيدون منه. وأحسب أن كليهما لا يستطيع أن يحقق مراده لكن طاقات كثيرة ستذهب هدرا جراء محاولة كل طرف ضد الآخر، وجراحات عميقة ستصيب الكيانات السياسية الضعيفة أصلا. ودعوتي للجميع بالتعايش الحسن فيما بينهم وأن يصبر كل طرف على الآخر ويدع حكم القانون يجري على الكافة ضد كل فرد ارتكب جرما في الحق العام أو الخاص، وأن يقبل بسيادة المبادئ الديمقراطية التي تمنح حقوق المواطنة للجميع إلا من قضت عليه المحكمة بمصادرة بعض حقوقه لجريمة ارتكبها تستحق ذلك الجزاء. وأهل السودان يجيدون فن التعايش الحسن خاصة في علاقاتهم الاجتماعية (الأفراح والأتراح) لكنهم يفشلون في نقل ذلك لمجال العراك السياسي إلا فيما ندر بين بعض الأفذاذ منهم. وملخص دعوتي أن الديمقراطية الوليدة التي لا تدعمها ثقافة تعددية، ولا ممارسة راسخة، ولا توافق واسع حول قضايا الحكم ومشكلاته، ولا مال وفير يكفي حاجيات البلاد الأساسية، تصبح في مهب الريح في حالة الاستقطاب والاضطراب والمخاشنة السياسية.

يحتاج المؤتمر الوطني وحلفائه السياسيين أن يكبحوا جماح أنفسهم شيئا ما ويتريثوا أمرهم في محاولة لعب دور سياسي فاعل، ويصبروا على السلطة الجديدة فقد صبر الناس عليهم سنوات طوال رغم ما اتسمت به تجربتهم الطويلة من فشل وفساد. بل هم يحتاجون للاعتذار للشعب السوداني عن تلك التجربة البائسة التي أدت إلى انقسام جنوب السودان والى اشتعال حروب ضد المركز في كل من دارفور وجنوب كردفان وشرق السودان، وإلى استعانة الحكومة بقوات قبلية غير منضبطة ضد مليشيات التمرد ارتكبت جرائم ضد المدنيين، وإلى ادخال السودان ضمن القائمة الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب، وإلى إفلاس الخزينة العامة بسبب الفساد المستشري في كل أجهزة الدولة. وعلى الإسلاميين أن يفصحوا بوضوح عن التزامهم بحكم القانون وبالحريات العامة وانتهاج الوسائل السلمية الديمقراطية في المنافسة السياسية. وعلى الطرف الآخر أن يدرك أن اقتلاع الإسلاميين من الساحة السياسية شبه مستحيل لأن أعدادهم المؤهلة علميا وذات الخبرة الإدارية أو المهنية يحسبون بالألاف ان لم يكن بعشرات الألاف، ومحاولة اقتلاعهم هدر لا معنى له في بلد خرج معظم شبابه المؤهل قسرا أو طوعا. هذا لا يعني عفو من ارتكب جرما في حق الدولة أو المجتمع يحاسب عليه القانون، على أن تطبق الأجهزة العدلية القاعدة الأصولية في القانون بأن المتهم برئ حتى تثبت ادانته. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق السلطة الانتقالية لترسيخ مبادئ النظام الديمقراطي لأنه الهدف الأعلى لكل ثورة تطيح بنظام دكتاتوري عسكري وهذا ما نفخر به نحن أهل السودان أمام كل الدول العربية والافريقية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.