حكايات الحلة

 

وحلتنا هنا تحتل مساحة  ليست بالكبيرة من الارض وتحتوى علي نحو عشرين منزلا" حكوميا" في مدينة القضارف ذات المطر الغزير والخيرالوفير من المحاصيل الزراعية مثل الذرة والسمسم ، وكانت بها رئاسة فرقة الجيش واسمها رسميا" فرقة العرب الشرقية حينذاك  وللجيش منطقة سكنية خاصة  به لسكن الضباط والعساكر مثل المدارس في الاقاليم تبني لكل مدرسة متوسطة وثانوية منازل للناظر والمدرسين ، وتلك كانت متواجدة حتي الستينات من القرن الماضي . وحبا الله مدينة القضارف بالمطر المدرار والطبيعة الساحرة التي تكسي الارض بالحشائش  الخضراء والاشجار الباسقة وانواع من  الطيور الانيقة الملونة المغردة ومنها ما شاههدته لاول مرة كالطواويس ذات الالوان البهيجة ، وانطبع في ذاكرتي نوع من الطيور  تسمي ( الطير الخداري  بضم حرف الخاء وفتح الدال ) وهو بالغ الروعة في الجمال وحجمه كالحمام وريشه يحتوي علي جميع الوان قوس قزح وقد نظم أحد الشعراء أغنية يتغني بها ، ومع كل هذا الحسن الباهر فان الجمال لا يكتمل احيانا" كما يقال ، فكان هطول الامطار يأتي حاملا" معه الصواعق وقصف الرعود وصوتها  الرهيب والذي يخلع القلوب من الرعب ، وكثيرا"ما تتسبب في اشعال الحرائق في قطاطي القش التي يسكنها الاهالي . ونقل والدي الضابط الي القضارف وكان منزلنا يجاوره منزل آخر لم يسكن بعد ، وكانت  شقيقتاي الاكبر سنا" يدرسان بامدرمان ويقيمان مع جدي لامي لأنه لم تكن هناك مدرسة متوسطة للبنات وكانا يأتيان الينا  بصحبة خالي في عطلة المدارس الصيفية ، وكنت انا وشقيقي الذي يكبرني ندرس  بمدرسة الفرقة وهي مدرسة  صغري ذات فصل واحد في داخل منطقة الجيش ويعمل فيها مدرس شيخ يساعده شاب فهي أشبه بالروضة أو الخلوة ويدرس فيها القران والقراءة والكتابة ومبادئ الحساب ويلتحق الطفل بعدها بالمدرسة الأولية وكانت فترة العطلة من امتع الأوقات التي نقضيها في اللعب وتشريك الطير بالشبكة والذي تعلمناه هناك ، ثم نشوى أو نقلي محصولنا الوفير من  الطير ، أو نذهب في رحلات استكشافية في الجوار رغم تحذير الوالدة بأن لا نبتعد عن المنزل ، وكنا نتجنب اللعب في البيت المهجور متأثرين بالحكايات عن البيوت المهجورة وانها مسكونة بالجن ، وكان البيت المهجور قد نمت فيه الاعشاب وطالت وتكاثفت الاغصان في الاشجار وصار البيت مأوى للجرزانالجقور وحيوان الصبرة الذي يشبه الورل واعشاش الطيور ، وبعض هذه الحيوانات تنجذب اليها الثعابين التي تصيدها وتتخذ منها طعاما" ومما يجدر ذكره اننا كنا نسمع عواء المرفعين ليلا" ، وبرغم هذه الاخطار فان اخي وأختي التي تكبره بثلاث سنوات  كانا يذهبان احيانا"  الي المنزل المهجور ولكن لا يمكثان هناك كثيرا" ، وفي ذات يوم سمعنا صراخهما وجاءا يجريان الي  المنزل في سرعة كالاعصار وشقيقتي تبكي وشقيقي يرتعش من رأسه الي قدميه ، ووالدتي وخالي يقولان لهما ( قولوا بسم الله  يا اولاد الحاصل شنو  شنو مالكم  قولوا لينا مالكم ) وكانت شقيقتي تبكي وترددكلمات غير واضحة لا نستبين منها ما تقول  ، واما أخي فقد كان يردد بلا انقطاع قول : ( أنا قايلهشوال أنا قايله شوال أنا قايله شوال ) وكانه مجذوب في حلقة الذكر يكرر قول( حي حي )  وبعد زمن وتهدئتهم ساد الهدوء وقالا انهما  كانا في البيت المهجور وشاهدا شوال ملقى بين الحشائش فأخذ أخي عودا"ورفعه به فكان تحته ثعبان كبير انتفض وفرد جسمه الملفوف وزحف نحوهما ، وكان هذا سبب فزعهما وصراخهما  . هلال زاهر الساداتى 1592015   عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.