صوت من الهامش
مما رُوج له بكثافة، يُقال أنّ الرئيس المخلوع السفاح عمر البشير، حرر منطقة ميوم ببحر الغزال، في معركة تبدو مفتعلة، من سياق التسلسل الدرامي المأساوي لمسيرة الرجل العسكرية، وإن صدّقنا الراحل د. الترابي، أنّ إتفاقهم مع البشير خلال صفقة "أرسلته للقصر رئيسا، وذهبت للسجن حبيسا"، أن يترجّل البشير خلال عشر سنوات، لتعاد الحياة النيابية في البلاد، بالتمعّن في هذه الحيثيات، نعيد التمعّن فيما ورد على لسان أحد أبطال العمل السينمائي الأكثر إثارة في الآونة الأخيرة، والذي ملأ الفضاء وشغل الناس، صراع العروش Game of Throne نعيد التمعن في حكمة "إمّا أن تموت بطلا، أو تعيش المدة الكافية، لترى نفسك تتحول إلى شخصية شريرة".
البشير لم يكتفِ ببطولته المرتاب فيها في ميوم، ولم تُشبع عشر سنوات شهوته المفرطة في السلطة ولا حتى ثلاثين عاما من التسّلط، ولم يخزيه مقتل مئات الآلاف من الأبرياء، فخطط لإبادة ثلثيّ الشعب ليحكم الثلث مدى الحياة، تحّول إلى قاتل شرير، والأدهى، لم يرتدع من فظائعه الذيَن أتيا من بعده، البرهان وحميدتيّ عن محاكاة مسيرته الدموية حذو النعل بالنعل فيما يبدو في وقتنا الماثل.
الآن لم يعد الكثيرين مهتمين بشأن ومصير البشير، والسؤال الذي يفرض نفسه، أيهم أكثر حضوراً في المشهد السياسي السوداني المربك، حدث التغيير في حد ذاته، أم منطقية تسلسل الأحداث؟ بمعنى هل إزاحة رأس النظام السابق من سدة الحكم، هو الشاغل والمفرح للناس، أم اللف والدوران الذي يتخبط فيهما خلف خلفه البرهان، للإهتداء بخطاه للتحوّل إلى شخصية شريرة بسرعة البرق؟
بتعبير درامي آخر، هل الإهتمام بمعركة الموتى (الزومبيز) ومستحقاتهم هي التي يجب أن تحسم أولاً، وتستحق أولوية المشاهدة، أم مراقبة تحركات التنانين الغمرانة؟ يبدو أن جيوش الموتى في مسلسل صراع العروش، حالهم حال شهداء الشعب خلال حكم الإسلاميين، تململوا في قبورهم، ثم ماجوا بسبب تقاعس الأحياء عن الثأر لدمائهم، قبل أن ينظموا صفوفهم ويخرجوا للمواجهة بأنفسهم مع الأشرار، وهذه قمة الإدانة للبشرية في تقاعسها عن إحقاق الحق. الزومبيز في مسلسل صراع العروش، أبطال يخترقون الأسوار الشاهقة، ويبعثون من رماد نيران التنانين للمضي قدماً صوب (القيادة العامة).

يبدو أن التشويق والإثارة، أكبر بكثير من التصاعد الدرامي على مسرح ساحة الإعتصام وحوالي شارع النيل، وشيئا فشيئا يتضح أن جون سنو John Snow (حميدتّي) بطل ونترفيلد، والذي يعتقِد الناس أنه داهية زمانه، إتضح أنه أغبى بكثير وأوهن مما في أذهان الناس، يكرر سيناريوهات صلاح قوش، ويتهم أبرياء كنمطيين أشرار لتبرئة ساحة قواته المخترقة والهمجيّة، ويهدد الشعب بالويل والثبور، بما ليس في إمكانه الإقدام عليه، ويدّعي شعبية زائفة، ويتنصّل بسهولة عن إلتزاماته المعلنة، ويتنطّع في السياسية والقانون والعلاقات الخارجية بما ليس له به علم.
حميدتيّ يبدو يتقلب بين نزعتيّ الشر والخير، فقد عُرف كقاتل أشّر، في بداياته، وحين البأس، حسبها صاح، وتمّرد على وليّ نعمته عندما رأي دابة الأرض تأكل منسأته، وكرر مراراً أنه لا يطمح في السطلة، ويكفيه قيادة قواته الدعم السريع، ولمّا رأي الفراغ العريض، وأنّ السلطة ملقاة على قارعة شارع النيل، حدثته نفسه الأمّارة بالسوء التوّاقة للقتل والدمار، أن يرفع سقف طموحاته، وهنا يبرز التساؤل مرة أخرى، أيهما أهم الأقدار التي زجّت به في الواجهة، أم منطقيّة وضعيته القائمة على الكف عن تنفيذ قرار السفاح بقتل ثلثي الشعب، والتي ما إنفكّ يمُن به عليهم حينا، ويبتزهم أحيانا؟
ولنفترض أنه إنصاع لقرار وليّ نعمته المخلوع، وأقدم على فض الإعتصام بالقوة، وطفق يُعِد شهداء الشعب، بغية تحقيق نسبة الثلثين، فما الغرابة في ذلك؟ وماذا كان يتوقع النتيجة، غير التهويل، والتقدم خطوات نحو الجنون كما فعلت ام التنانين دنيرس، فما زالت قواته متهمة بقتل مئتيّ شهيد في إنتفاضة سبتمبر 2013م المجيدة، ولم يخنع الشباب الباسل، ولم يتراجع عن المواجهة.
الممثلة البريطانية إميليا كلاركEmilia Clarke ، المعروفة باُم التنانين في مسلسل صراع العروش، كانت تسعى لأن تكون أفضل من أبيها السفاح، وقرّبت من الوصول إلى الهدف، ولكن طريقها ما كان مفروش بالورود، رغم إمتلاكها القوة المطلقة والخارقة (نيران التنانين الثلاثة)، فقد حدثت لها مواقف مؤلمة، دفعتها للتهّور، واوشكت أن تصاب بالجنون، في فترة وجيزة فقدت إثنين من تنانينها، وقُطعت رأس مساعدتها الشخصية في مشهد فظيع أمام عينيها، وخسرت حبيبها جون إسنو John Snow فارس ونترفيلد لصالح شقيقتها، فتحّولت إلى شخصية مهزوزة وشريرة، وبدلاً عن كانت توجه التنانين لحرق السفن والجنود، أصبحت لا تبالي، تحرق القرى والمدن بما فيها من الأبرياء من الأطفال والنساء دون أن ترف لها جفن، كل ذلك من أجل بلوغ الهدف وهو الجلوس على كرسي العرش، ومن أجل ذلك كانت تدافع بشراسة عن نفسها وجيوشها وأية شخصية تقف إلى جانبها (كوز)، وكل هذا الجنون، لأنها سمعت نصيحة جدتها أولينا تايلور (عجوبة) التي قالت لها، إن أردتِ أن يطيعكِ الشعب، لازم يهابونك، وفي النهاية لم يأتِ منها إلاّ الدمار والخراب. مع الفارق، هذه الشخصية، تناسب عدة شخصيات في صراع العروش في السودان.
عدم المنطقية واضحة في صراع العروش في السودان، فقد رأينا إستسهال البطولة، تجسّدت في كيف أنّ محمد حمدان دقلو، لمجرد إنتصار قواته في معركتين أو أكثر، هما معركة إسترداد ابو كرشولة، ومعركة قوز دنقو، تمكّن من التسّلق إلى هرم القيادة العسكرية والسياسية في البلاد، دون أن يمر بالكلية الحربية، ولو مرور الكرام، وكذلك إسترخاص أو الإستعجال في سقوط أبطال من لدن الجنرال عوض بن عوف، وبروف مضوي إبراهيم آدم، وبروف فدوى عبد الرحمن على طه، قيل أنّ أحدهما مرّشح لتولي رئاسة وزراء الحكومة الإنتقالية، وعثمان ذو النون الذي كان ملء السمع والبصر، أصبح مجرد ضيف ثقيل على الفضائيات، وكيف توارى بدون ضوضاء البطل المطلق النقيب حامد، لمجرد أنه ضابط نظامي ومنضبط، رغم رفضه التعليمات، والإسبتسال لحماية شعبه، وهو أكبر الشواهد، أن الأحداث تتواري بسرعة جنونية، دون إن يلتفت إليها أحد، والكل مشدوه للمشاهد العبثية، على مسرح الواقع بميدان الإعتصام، ووراء كواليس دور الأحزاب ولقاءات تجميع المهنيين.
وتتجلى العبثية، وعدم المنطقية في أبهى صورها، في إفادات شخصيتين
"عشرات الآلاف من الأرواح البريئة، مقابل"رتبة ليست برئية، يبدو أنها مقايضة عادلة"
ثيريون لانسر (حميدتيّ)
لقد قمت برمي فتى صغير من النافذة وجعلته مقعدا مدى الحياة، والسبب سيرسي (السلطة). لقد قمت بخنق قريبي حتى الموت بيديّ من أجل سيرسي (السطلة)، هي مليئة بالكره، وأنا أيضا.
جيمي لانسر (البرهان).
ولا يزال العرض مستمرا، رغم الإحباط وعدم رضى الجمهور، والنداء المدويّ مدنييييييييا.
نتمنى الاّ يكون الآذان في مالطا.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
للإطلاع على المقالات السابقة:
http://suitminelhamish.blogspot.co.uk

//////////////////