قمت بزيارته فى مدينة " فلادليفيا " مع الصديق عاصم عامر فى يونيو 2019 عندما علمت أن وعكة ألمت به و أن صحته تتدهور بشكل ملحوظ ،عند وصولنا كان قد تماثل قليلا للشفاء لكنه لم يستطع الخروج من غرفته فى الطابق الأعلى للانضمام " للونسة " المحضورة بعدد من الاصدقاء بالطبع على رأسهم الاستاذ صديق عبدالهادى الذى كان مداوما و بانتظام على زيارته و تفقد أحواله. 

تلك الجلسات التى نادرا ما يجود بها الزمان كان هو عرابها، له قدرة مدهشة على ادارة الحوار، التواصل مع الاجيال الأصغر سنا - تلك الميزة التى أكتسبها عبر سنين طويله فى التعليم - يزين كل ذلك حلاوة قفشاته، سماحته، أريحيته، ذكاءه اللماح ، غزارة معلوماته و تدفقها و استماعه للآخرين....... لذى كان تأثير غيابه واضحا ،رغم أن كل الحاضرين حاولوا مداراة ذلك الاحساس بأشكال مختلفه من الحيل.
فى صبيحة اليوم التالى و عند زيارتى له فى غرفته مودعا،ذكر لى انه لم ينم ليلة أمس و ظل مستمعا و متابعا لكل النقاش الذى استمر حتى ساعات الفجر الأولى .قلت له ملاطفا هنالك كثير من اللقاءات العامرة سوف تأتى فى المستقبل القريب ،كنت مفعما بالامل بعد انتصار الثورة السودانية و لكن رغم ذلك و عند مغادراتى له أحسست بانقباض ما يحط على صدري و لا أدرى له سببا.
ظللت على اتصال به ،كان يبدأ حديثه ( سلام أبو العدن ) و أرد (أهلا أبو الهل) .......... ثم يبدأ طوفان الذكريات فى الاندياح و التداعى.كنا الاثنين من المولهين بحب أمدرمان لذا كانت المدينه هى القاسم الأعظم لاحاديثنا فى تداخل سلس مع السياسة، و رغم فارق السن بينا فقد كانت اهتمامتنا المشتركة فى الأطلاع، الكتابة مناقشة قضايا الأدب و أحداث التاريخ ثم صيد السمك، تعمل على انسياب الحديث و الملح.
نتحدث عن الموردة وفريق " ريد "....يعمل على استرجاع كل الذكريات،حدثنى عن أصدقائه محمد حسين الشايقى،أستاذى بابكر محمد موسى،عثمان اسماعيل سالم و الاستاذ بدرالدين محمد عبد الرحيم.نعرج فى الحديث عن رجال و " شفوت " الموردة،كبس الجبه،رأس الحجر و يوسف " تهمة " و لا ننسى أن نتاول سيرة أعظم صائدى السمك حسن "شحرر " و " أسترزقنا ".
قلت له انى أنوى الذهاب للسودان لفترة تمتد أكثر من شهر ثم أعود لزيارته،ذكر لى انه قد فرق لتوه من كتاب جديد وينوى نشره، ثم طلب منى الاتفاق مع الناشر الذى قام بطباعة كتابى أو أى دار نشر أخري، و قد تحدثت بالفعل فى الامر مع بعض دور النشر و رحبوا بذلك.
فى بداية فبراير 2020 اتصل بى صهره و صديقى كمال عبد الوهاب و أخبرنى ان هلال يمر بظروف صحية حرجة،قلت له ان حجزى للعودة فى الثانى عشر من نفس الشهر و سوف أتى مباشرة لمعاودته. قبل ميعاد عودتى بيوم أتصل بى كمال و أخبرنى برحيل هلال .
هلال زاهر الساداتى من مواليد 1932 – الموردة - فريق ريد و ينتمى الى أسرة ممتدة تتكون من تسعة عشر فردا،يأتى ترتيبه الرابع من حيث السن من الأشقاء و الشقيقات و هم على التوالى خالدة،فريدة ،أنور ثم هلال.مولده تزامن مع بدايات ازداهر الوعى الوطنى و تكثيف نشاط الحركة الوطنية من جديد بعد هزيمة ثورة 1924 ،تكوين الجمعيات الادبية التى خرجت من جلبابها الاحزاب السياسية.فى تلك الظروف نشأ هلال و ترعرع فى أسرة وطنيه معروفة فقد كان الوالد ضمن اللجنة الأولى المنتخبة من قبل مؤتمر الخريجين فى العام 1938 و شارك ضابطا متطوعا و قائدا فى حرب فلسطين وقضى عامان فى الاسر.
تلك البئة الصاخبة المكتنزه بالاحداث المفصلية فى تاريخ السودان، أدت الى ارتباطه المبكر بالحركة الوطنية مع شقيقته خالدة زاهر و شقيقه أنور زاهر .انتظم فى " مؤتمر الطلبة " و صارعضوا بارزا فيه كما تبوأ منصب رئيس الاتحاد بمدرسة الاحفاد الثانوية فى خمسينات القرن الماضى .نتيجه لذلك النشاط الوطنى ضد المستعمر فقد تم فصله من المدرسة و لاحقا من كلية الحقوق بالقاهرة.
تخرج هلال من كلية المعلمين الوسطى ببخت الرضا عام 1953 تخصص لغة انجليزية و جغرافيا .عمل مدرسا و مديرا ثم موجها فنيا بالمراحل الوسطى، و تنقل فى كافة أرجاء السودان.فى ذلك الزمن كان التنقل و العمل فى مناطق الوطن المختلفة ضريبة يقوم بها المواطن برضا و طيبة خاطر.
عمل فى مدرسة العليفون الوسطى،أ شرف على تأسيس مدرسة المناقل الوسطى ،عطبره الوسطى،بورتسودان،الدلنج،نيالا،التونج،الأحفاد الوسطى ، حى الضباط (ابراهيم سوميت )، بيت المال الوسطى ثم لاحقا عمل بالسعودية موجها فنيا فى منطقة نجران ،تخرج على يديه كثير من الطلبة الذين يعتزون و يفتحرون به كثيرا.ما يلفت الأنتباه ان تلك المدارس التى عمل بها غطت كل جغرافية السودان ،ذلك التنقل و الترحال أكسبته تجارب ضخمه، انعكست لاحقا فى اثراء كتابته الممتعة و تنوعها.
هلال ساهم فى تربية اشقائه و شقيقاته الأصغر سنا بالتضامن مع خالدة ،فريدة و أنور،كان عطوفا فى تعامله لا يقسوا و لا يضرب أحدا فى مجتمع كان يؤمن ان الضرب هو الوسيلة الفعالة للتربية...... و للحقيقة أقول أن والدى و ابنائه لم يكن يستخدمون الضرب وسيلة للتربية الا للضرورة القصوي.
هلال لم يضربنى فى حياته الا مرة واحدة و أنا صغيرا و عرفت انه كان محقا عندما كبرت، ( كنت ألعب و أغنى غنوة التقطتها اذناى من الشارع............الاغنية كانت تقول " يا استاذ بالقزاز و البجينا نصيبه عكاز "............كانت كلمات الاغنية تشير و تتهم الاساتذة بالشرب .بعد القيام بتقريعى و اعطائى حصة فى الأدب،أخذت " علقة " و لكن بمعايير ذلك الزمن لم تكن ساخنة جدا..........أهم ما فى الأمر أننى لم أعد لترديد تلك الأغنية مرة ثانية أو أى أغنية هابطه.
تعلمت على يديه و شقيقى أنور السباحة " العوم " و صيد السمك،فى ذلك الوقت لم يكن يتم ذلك فى أحواض السباحة و لكن فى نهر النيل مباشرة ،أدمنت لاحقا الأثنين و صارا جزءا مكملا لحياتى.
هنالك جانب لم يعرفه الآخرون عن هلال ، فقد كان له صوتا جميلا و متفردا و هو يغنى لنا فى المنزل خاصة اغنيات عثمان حسين،يبدوا أن الظروف فى ذلك الزمن لم تسمح له بممارسة الغناء بشكل محترف، لكنه أكتسب اذنا صافية تعرف كيف تفرز الأغنيات السمحة و الفنانين المميزين.
علاقاته الاجتماعية واسعة مع أفراد الحى يشوبها الاحترام و التواضع،يجلس مع أفراد مختلفين و ينتاقشون فى كل مناحى الحياة،أعتقد أن ميزة التواصل الاجتماعى ميزة أكتسبها عدد كبير من الأسرة من الوالد و عملوا على تطويرها كل بطريقته.
بدأ الكتابة مبكرا ،ففى اواخر الخمسينات قام بنشر قصتين واحدة فى مجلة القافلة التى تصدرها الأستاذة حاجة كاشف و الثانية فى مجلة صوت المرأة التى تصدرها الأستاذة فاطمة أحمد أبراهيم.توالت كتاباته بعد ذلك فى القصة القصيرة و المقالات و تم نشرها فى الصحف السودانية التى كانت تصدر فى ذلك الوقت، صحيفة الأيام،الرأى العام، الصحافة، حضارة السودان ثم صحيفة الخرطوم. عند استقراره خارج السودان أصبح ينشر فى الصحف الاكترونيه، سودنايل، الراكوبه وسودانيز أون لاين.
أصدر ثلاث كتب،الأول " أيام التونج " عام 2002 و هو كتاب صغير و مهم يتكون من 128 صفحة عكس فيه عصارة تجربته و هو عميد لمعهد التونج فى الحادى و الثلاثين من عمره أيام الحكم العسكرى الأول.تناول التجربة بشكل مستنير واصفا ومقدرا،و محترما لاعراف المنطقة و التقاليد، و مصور و ساردا للاحداث بشكل أدبى رفيع،مستعرضا أيضا لاحداث الهجوم على التونج فى تلك الفترة.
قال الكاتب الصحفى المخضرم محجوب عثمان و هو يقدم للكتاب،ان الكتاب ساهم فى رفد المعرفة للمواطن الشمالى بمعلومات عن جنوب السودان لم يكن الحرص بمعرفتها مهما للنخب التى تدير السياسة فى السودان.
كما عمل الكتاب أيضا على ابراز اهمية التقرب بين الشمال و الجنوب مستهدفا بناء الوحدة الوطنية.
الكتاب الثانى هو " الطباشيرة و الكتاب و الناس " صدر فى العام 2006 و هو كتاب لا يقل أهمية عن الكتاب الأول، لانه يتحدث و يعكس تجربته فى مجال التعليم التى أستمرت لأربعين عاما وصل فيها أعلى درجات السلم الوظيفى.
الكتاب الثالث " أمدرمانيات " و هو يتناول قصص وحكايات تعكس بعض قضايا المجتمع الامدرمانى الذى نشا فيه و أحبه، و هى اضافة متميزة لكل ما كتب عن أم در.
ظل يكتب و ينشر حتى وفاته كما ظل معارضا صلدا و معريا لنظام الانقاذ " الاسلاموى " حتى سقوطه ، يساعده على ذلك معرفةعميقة بالدين الأسلامى و تاريخه.
تمتاز كتابات هلال بعمقها و تنوعها،........كتب فى الأدب، التاريخ، السياسة ،الاجتماع و حكاوى المدينة التى أحبها أمدرمان.له فى الكتابه أسلوب رشيق، سلس و ممتع لا يستطيع القارئ انفكاكا عنه و منه عندما يبدأ فى قراءة أحد كتبه أو مقالاته. ينقل بعمق و عين فاحصة قضايا المجتمع محللا و كاشفا ثم ناقدا.يكتب بانفتاح دون تحيز عندما يتحدث عن العادات فى الجنوب، الشرق او غرب السودان. هلال كاتب شجاع و صادق لا يخشى المساجلات الفكرية والسياسة، مبديا ومدافعا عن رأيه على الدوام بكل شفافية و قوة و لا يخشى قول الحق، أمينا على المبادئ التى يؤمن بها.
أسرة هلال تتكون من و لد و ثلاث بنات أشرف على تنشئتهم و تعليمهم وفقا للمبادى والسلوك القويم الذى اتصف به.
لقد كان هلال كريما، متسامحا و محبا للحياة و الانسانية، لم يبخل بمعرفته على الآخرين ............. نم آمنا يا شقيقى و صديقى.... فأسمك سوف يخلد هلالا ضمن آخرين ساهموا بصدق و نزاهة فى مسيرة تطور الشعب السودانى الثقافية، السياسية و الاجتماعية ..........يكفى أن تقول الاجيال القادمة ان هلال زاهر الساداتى قد ساهم فى قضية الاستنارة و الوعى

عدنان زاهر
ابريل 2020
موقع عدنان زاهر


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.