الكاتب كارلوس زافون لايتحدي عقل القارئ فحسب في عمله الملحمي رواية (ظل الريح) ، وإنما يتحدي نفسه بالمجاذفة في خوض لجة متلاطمة من الأحداث ، والأشخاص ، والأماكن والإنفعالات بل والمواقف بما فيها من نصر وإحباط. فقد شحذ همته واتكأ علي رصيد وافر من المعرفة والشغف بها حد الابحار في ذلك العالم الذي يبدو أنه قد سحر الكاتب فصار جزءاً منه ، يعيشه ويتخيله ، ثم يتقصي تفاصيله لا في ذاته وحده وإنما في ذوات شخوص روايته. ثم يرسمه كنبع لا ينضب ، تتعاقب عليه الاجيال في عالم كادت تغل خطوه الاهتمام بالتافه من الأمور وساقط الحادثات.

أقصي ما في الرواية من غواية أن أبطالها ليسوا من النوع المعهود، إنهم عدة ابطال يتمثلون بعداً واحداً بينهم الانساني والمادي وفوق المادي تربط بينهم آصرة واحدة هي (المعرفة) ، بكل قداستها وحضورها واختفائها. بمحبيها وكارهيها، بعارفي فضلها وناكريها. المعرفة هي إذن الخيط الناظم لكل شخوص وأحداث الراوية إذ تنطلق منها وإليها تنتهي ثم تبدتئ من جديد في تعاقب لا نهائي.

أبطال الرواية هي عناصر المعرفة الأسياسية (مقبرة الكتب المنسية) وهي مكان خيالي كأنما يتمني الكاتب ألا تموت عنده أو معه أو فيه بطلته الأثيرة "المعرفة" .. التي وصفها الكاتب بأنها ( متاهة من الأروقة والرفوف العالية المكتظة بالكتب، خلية نحل هائلة مشيدة من انفاق وسلالم ومنصات ودعائم : مكتبة ضخمة معجزة في هندستها وبنيانها) فرغبة الكاتب أو نزوعه نحو المعرفة يجعل من هذه المكتبة مكانا مقدسا، لابد وأن يحاط بالسرية والقداسة اللازمتين.. حيث يمضي في وصف قداستها بالقول : (إنها معبد ، حرم مقدس ، كل كتاب فيه او مجلد تعيش فيه روح ما ، روحُ من ألفه وأرواحُ من قرؤوه وروح من حلموا وعاشوا بفضله) هكذا تخذل الكاتب رغبته في أن يكون ناسكاً في هذا المحراب الجليل ، وهكذا تنجاب من طرف خفي نزوع الكاتب الي هذه العوالم التي شغفته ، شاقته ، استبدت به وسكنته ثم استفرغها في هذه البناية التي تثير الفضول وتفغر الأفواه. بل وهكذا يعرفنا علي أحد ابطال روايته حيث تنطلق الأحداث من هناك عاصفة هوجاء لا تكاد تستريح في ظل الريح.

ثم ومن داخل مقبرة الكتب المنسية برمزيتها البطولية ومكانتها المركزية في حبكة الرواية يطل الأبطال من بني البشر. دانيال ووالده، حيث يأخذ الوالد ابنه الي هذا المكان الآثر وهو بعد إبن أحد عشر ربيعاً، ثم يستدعي الوالد الذاكرة تماما عندما جاء به والده ـ أي جد دانيال ـ لذات الغرض من الزيارة وهو التعرف علي ذات المكان ، وتماما كما سيفعل دانيال في نهاية الرواية مع إبنه الذي يأخذ عليه موثقاً ألا يخبر أحداً كما فعل معه أبوه ذات يوم (يمسك بيد طفل ذي عشرة أعوام عيناه تلمعان بإهتياج غامض إثر الوعد الذي تلقاه من أبيه عند الفجر .. وعد بزيارة مقبرة الكتب المنسية). لم يأت والد دانيال بإبنه الي هذه المكتبة إعتباطاً ، فبحكم عمله في مجال بيع الكتب ، وهي المهنة التي ورثها عن أبيه والتي ورثها من بعدهم دانيال ولربما سعي دانيال لتورثيها لأبنه، وفي ذلك أيضاً إشارة من الكاتب لدور المعرفة في حبكة الرواية، ثم وفجأة تبدأ أحداث الرواية تتمحور حول رواية يستلها دانيال من وسط أرفف مقبرة الكتب المنسية لكاتب مغمور ، ولد في أسبانيا وعاش في فرنسا ، ومع ظهور الرواية التي هي وياللمفاجأة (ظل الريح ) تبدأ الأحداث بميلودرامية تأخذ بالألباب وتنسي في غمرة الأحداث العاصفة أو أن الكاتب يتعمد أن يخفي ما يود أن يقول حول قداسة المعرفة ، لكنه في نفس الوقت لا ينسي أن يؤكد من خلال السرد القصصي أن الرواية أو الكتاب كوسيلة للمعرفة هي أيضاً بطل من أبطاله. وأن الكاتب ذلك المغمور هو أيضاً بطل من أبطال روايته. وبذلك يتكامل أبطال الرواية في حشد متناسق إستطاع الكاتب أن يؤكد علي سلامة قوامه لتأكيد قداسة المعرفة من خلال تفاعل هؤلاء الأبطال الذين أخذوا يظهرون تباعاً في الحكي الروائي ، كل بما يحويه من بعد في العملية المعرفية. فمقبرة الكتب المنسية تؤكد حضورها من خلال انطلاق الأحداث من رحابها. دانيال ابن بائع الكتب الذي ينقب في سيرة الكاتب المغمور وهو أيضاً بمثابة القارئ للرواية أو المستهلك للمعرفة بما تمتلكه من قيمة مطلقة أثرت نفسه ووجدانه، الرواية نفسها (ظل الريح) والتي تمثل رمزية الكتاب في الرواية وهي الوسيط الذي ينقل المعرفة . ثم الكاتب خوليان كراكاس الذي يخبئ داخله الكاتب أكبر رمزية وهو العقل منتج المعرفة، ثم القلم ـ أداة المعرفة ـ الذي برع الكاتب فيه والذي تنقل بالصدفة من فكتور هوغو الذي كتب به رواية البؤساء ذات يوم الي أن إستقر في يد دانيال في اسبانيا بعد أن كان في يد كاتب الرواية خوليان كراكاس في فرنسا كشاهد علي حالة الافلاس المادي التي كان يعيشها.

لم تكن مصادفة أن يكون كل هؤلاء الابطال ( المكتبة، الكاتب ، القلم ، القارئ ، الممول، دار النشر ، الكتاب، بائع الكتب) قد وجدوا بمحض الصدفة في هذا العمل الإبداعي الذي يموج بالأحداث العاطفية بإنفعالاتها الإنسانية حباً وحقداً، تقارباً ونفوراً. والسياسية بإشارات للقوي السياسية التي كانت تطبع تلك الحقبة من الزمن (1919- 1945) بشيوعييها وفاشييها وأناركييها. والعسكرية بمعاركها وانتصاراتها وانكساراتها وحروبها الأهلية ونذرها العالمية التي قد تنسي القارئ أن الكاتب ومن خلال التفاعل الذي قضي به علي شخوص روايته أن يؤكد علي حقيقة واحدة، يقترب منها ويشير اليها، ثم لا يلبث أن يخفيها وهي أن المعرفة مقدسة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.