قد يستصعب القارئ الإقدام علي ولوج لجة " لعبة الملاك" للكاتب كارلوس زافون ما أن يمسك بين يديه ذلك الحجم المخيف من الأوراق التي تشكل حجم الرواية البالغة في مجملها 678 صفحة، في عصر يتسم بالسرعة وسهولة الحصول علي المعلومة المضغوطة أو المكبسلة أياً ما كان الوصف. مع الأخذ بالإعتبار مستوي الصخب والطنين الذي يصم الأذان ويصكها من تراكم الأولويات وتزاحم الشواغل اليومية التي تتحكم بها صروف دهر لا تبقي بالكاد للمعرفة المعمقة فرجة للتنفس. غير أن زافون يتحدي تلك الصروف ويقود القارئ الذي يمسك بالصفحة الأولي فلا يجد بداً من مواصلة القراءة حيث تتراءي الصفحات المتراكمات مثل أعمدة إمداد كهربائي من نافذة قطار سريع ينهب المسافات بسرعة الريح، ما أن يظهر الأول إلا وتبعه الآخر لإكستشاف ما أسمته صحيفة الإنيدبندت The Independent في معرض شهادتها علي الرواية "بهذيان الكتابة". وهو بالفعل كذلك عالم يضج بالحكايا المثير منها والخطير في مجتمع يغفو علي اثر تحطم معنوياته من معارك حربية وإنقلابات عسكرية، وأوبئة فتاكة وروح مهزومة ، وإنكسارات أمام ديكتاوريات عاتية. وهكذا يتبدي الكتاب مع ذلك الحجم كروشتة طبيب في قصرها وفاعليتها، بخربشاتها ووصفاتها. بلغتها الملغزة والمفهومة علي حين تتكئ في الوقت ذاته علي قوام رشيق يعجز المرء تماما عن الفكاك منه حين الإمساك بها الي وضعها وقد إنطبق الغلاف علي الغلاف.

ربما لم يكن محض مصادفة أن يكون بطل الرواية " دفيد مارتن " معجب برواية " توقعات عريضة" للكاتب الانجليزي تشارلز ديكنز وهو في غفوة طفولته الباكرة ، فقد انقلبت حياته كلها لتوقعات عريضة، حيث قدم له ناشر باريسي غريب الأطوار عرض مغري لكتابة كتاب هو في خضم ذلك الصخب اللاهب من الأحداث والحكايات التي تضج بها الرواية محور الرواية وعقدتها ، و ما يثير الإهتمام أنه من غير الممكن الجزم بآدمية ذلك الناشر الغريب الذي يبدو في شكل ملاك رغم أن الروائي لم يقدم علي وصفه بذلك مباشرة. فقد يأتي علي ذلك من طرف خفي فهو (دائماً ما يضع علي سترته صورة لملاك، و لا يرف له رمش. وكأن قدميه لا تخطو علي الأرض) . والأدهي من ذلك أنه قادر علي علاج الكاتب البطل من ورم سرطاني في دماغه. ويعيد له صحته خلال اغمائة بإستصال الورم وبث روح النشاط في جسم كاد أن يهده المرض اللعين. وأعجب من ذلك قناعة هذا الناشر بقدرات البطل الروائية التخيُلية، فبرغم أنه كاتب مغامرات مغمور لا يقوي علي توقيع ما يكتبه بإسمه الحقيقي بموجب عقد مجحف يحتكر قلمه ناشرين مجحفين ، يعرض عليه الناشر الغريب مبلغاً خرافياً لقاء إنجاز كتاب يلبي رغبات ونزوات الناشر. والأغرب من ذلك موضوع الكتاب فهو ليس وراية علي وجه التدقيق، ولا كتاب فكري بالمعني الحرفي ، ولا هو كذلك سرد تاريخي علي التعيين، وإنما تأليف كتاب يغدق الناشر عليه الاموال بسخاء مدهش إذ يؤكد علي ذلك بالقول (بأني متأكد بأن الثمن عديم الأهمية مقارنة بنوع الكتاب الذي أرغب في أن تكتبه لي).

ولذلك يريد من البطل الروائي تفرغاً حصرياً لمدة عام، يلتقيا خلاله علي فترات يحددها الناشر كلما دعت الضرورة لمعرفة سير تطور تأليف الكتاب. ولربما ذادت معالم الدهشة أن البطل لا يعرف عن مضمون الكتاب المراد انجازه الكثير فهو في الأصل غير مؤمن ولا تظهر عليه علامات التدين ولربما كان مفاجئاً حتي للبطل نفسه أن يطلب منه هذا الناشر الغريب ورب عمله الجديد أن يصنع له (ديانة).

وهكذا تنكشف عقدة الرواية من بين صدي الأحداث ووقوع الجرائم وامتزاجات الحياة الإجتماعية ، واختلاجات المشاعر العاطفية. بل وهكذا يتم استثارة العقل وهز الثوابت من خلال محاولات الناشر تحفيذ البطل علي انجاز المهمة التي أُنجزت ولم تُنجزفي نفس الآن، حيث يبلغ التشويق منتهاه عندما يدع الكاتب البطل مخطوطة الكتاب داخل مقبرة الكتب المنسية ، ولربما كان في ذلك رمزية بالغة الدلالة علي ان الكتاب سوف يخرج ذات ويوم ويقع بين يدي من يقرأه ويحتفي به. ففي خضم انشغال الكاتب وتفرغه لصياغة هذا الكتاب تقع احداث درامية، لا يكاد الماضي فيها يندثر حتي ينبثق من عمق الاحداث ليعمل الروائي علي تخفيف صدمة الإستفزاز علي القارئ. والغريب ومع تقدم انجاز العمل لا يفصح زافون عما كتبه الكاتب، وإنما يعمد لحيلة الحوار ليستثير عقل القارئ. ويحلل اصل الأديان علي لسان الناشر مركزاً علي أسس التحليل البيولوجي وغريزة البقاء لدي الانسان ليؤكد ان الأديان والمعتقدات بالمطلق لم توجد الا لتلبي تلك الغرائز. ومن عجب يصير الكاتب البطل أشبه بتلميذ يتلقي دروسه الأولي في علم الأديان من الناشر كلما تم لقاء بينهما. وعند احتدام النقاش يحاول البطل أن يقنع مخدمه الجديد بأنه ليس الشخص المعني مهنياً بالخوض في غمار موضوعات شائكة كالدين، فضلاً عن جهله التام بها، فيهون عليه الناشر الأمر بالتأكيد علي أن موضوع الدين في غاية تجليه إنما هو قدرات تخيلية وسردية قائماً في الأساس علي الحكاية. وهنا يبدو ان الكاتب لا يتورع من كشف ما يعتمل في ذهنه من المكون الأساسي للدين ويقر بأن الروائي هو اقدر من يستطيع أن يصيغ حكاية تتفتق فيها مقدراته في الحكي والسرد ترغم الناس حسب قوله علي لسان الناشر (علي الحياة والموت ، علي القتل والهلاك ، علي التضحية والتفاني والفداء في سبيلها ص 187 ) خلاصة ما يريد الكاتب ان يحملنا عليه قول الناشر للبطل مارتن ( كل شئ هو حكاية ، كل معتقداتنا وعلومنا وذكرياتنا بل وأحلامنا، كل شئ هو حكاية وسرد ، وتسلسل أحداث وشخصيات تعبر عن وجدانها العاطفي . إن الايمان ناجم عن التسليم بحكاية تروي لنا. نحن لا نسلم بحقيقة أي شئ إلا إذا كان قابلا للسرد .. 187 )
يحاول الناشر إقناع البطل إذاً بأن يستخدم قدراته التخيلية لسرد حكاية ما تصلح لأن يتعلق بها البعض فتصير جزءأ من عقيدتهم، كل المطلوب أن يختلق حكاية تندغم فيها تلك المثل والقيم إذ لا يهم المضمون بل الشكل لأن الشكل عنده هو ما يمنح للدين الجدوي وليس المضمون.
ثم سرعان ما يلبث أن ينصرف الكاتب الي قصص أخري تعج بها الرواية ليترك القارئ يتأمل في معني ما قصد الناشر أن يقول شرطية أن يظل متعلقاً ببقية أحداث الرواية الدرامية التي تختلط بأحداث دامية بلعنة موتي وخيانة أصدقاء وهجر حبيية ووعد بوفاء.

د. محمد عبد الحميد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.