قد يصدق الوصف على علم إدارة مخاطر الكوارث بأنه العلم الذي ينظر للمستقبل، ويتفاعل مع الحاضر ويأخذ العبر من الماضي. لذلك فان هذا العلم هو علم دينامي متحرك سمته الأساسية التفاعل مع معطيات الواقع بتحليل كل عوامل الهشاشة فيه وتقييم المخاطر التي تكتنفه، ورصد الأخطار التي تحدق به. وعند هذه النقطة تتجلى دينامية هذا العلم، وهو فوق ذلك يسهم وبشكل مباشر في تحقيق الأمن الإنساني Human security بأعمدته الثلاثة الأساسية المتمثلة أولاً في تحرير الإنسان من غائلة الخوف وثانياً تحريره من الإرتهان للحاجة Freedom from want وثالثاً لتأكيد والمحافظة على كرامته.

غير أن هذا العلم ومع بالغ أهميته لا يكاد يُحظى بالإهتمام الكافي وسط قادة المجتمع والرأي وبخاصة السياسيين والذين للمفارقة يُفترض أن يكونوا أكثر القطاعات المجتمعية اهتماما بهذا العلم الحيوي لأنه وبإختصار هو علم الإبقاء على الحياة. كما أنهم وبحكم مسؤولياتهم يُعتبروا أول المساءلين عن فقد الارواح التي تُزهق والممتلكات التي تُفقد جراء الكوارث والتي كان من الممكن أن ألا تواجه ذلك المصير البئيس لو تم الاهتمام بهذا العلم.
على عموم الأمر ومهما يكن من شيء، فمنذ أن تبنى العالم إطار عمل سنداي ٢٠١٥-٢٠٣٠ للحد من مخاطر الكوارث درجت الأمم المتحدة على الاحتفال باليوم العالمي للحد من مخاطر الكوارث سنوياً في الثالث عشر من أكتوبر بالتأكيد على واحدة من غايات الإطار السبع، حيث يجيئ الاحتفال هذا العام تحت فكرة Theme تفعيل الغاية الخامسة من الإطار والتي تنص على (زيادة عدد البلدان التي تمتلك استراتيجيات قومية ومحلية للحد من مخاطر الكوارث بحلول عام ٢٠٣٠) ولعل في التأكيد على هذه الغاية لفت نظر واضح ومباشر لكل صناع القرار والسياسيين لاسيما في دولة كالسودان. لكي يضعوا في مقدمة أولوياتهم الإهتمام بضرورة وضع خطط إستراتيجية على المستوى الوطني والمحلي للعمل على الحد من مخاطر الكوارث، ذلك لأن العمل على هذا المبدأ لا يتحقق بمجرد حسن النوايا، ولا بالشعارات السياسية المستهلكة ، ولا حتى بالتضامن الدرامي مع ضحايا الكوارث بعد وقوعها... فالواضح أن تبني إستراتيجية قومية ومحلية للحد من مخاطر الكوارث، سيكون هو أكبر عملية تضامن مع كافة المواطنين، لأن في ذلك فعل متواصل يحدد طبائع الأخطار ويرصدها ، و يوضح معالم بؤر الهشاشة فيقللها ويقيم المخاطر وفق رؤية إستراتيجية متكاملة لا مكان فيها للصدفة. كل هذا يعتبر عملية تمكينة تجعل الدول قادرة على التنبؤ بالكوارث قبل وقوعها بحيث لا تفاجئ أحداً. وتعمل ضمن مؤسسة أو ما يُعرف بآلية لحوكمة عملية إدارة مخاطر الكوارث وهو أمر نص عليه ايضاً إطار سنداي بصورة واضحة في الأولوية الثانية من أولوياته الأربع والتي أكدت على (تعزيز حوكمة مخاطر الكوارث لإدارة الكوارث ) (للمزيد حول فهم اطار سنداي فضلاً راجع كتاب إدراك المستقبل في الحد من مخاطر الكوارث... إطار عمل سنداي وتجربة مدينة سنداي تأليف محمد عبد الحميد و ازاهر حسن ). وفي هذا الصدد قد لا يمل المرء من التذكير بأن السودان قد أنجز وضع إستراتيجية قومية للحد من مخاطر الكوارث منذ العام ٢٠١٦م غير أنها لم تُوْضع موضع التنفيذ لقلة نفاذٍ في البصيرة السياسية، وضعف إدراكٍ لما يمكن أن تحققه مثل هذه الاستراتيجية من تقليل في الخسائر في الأرواح والممتلكات.
لقد أوضحت الكارثة التي ألمت بالسودان مؤخرا في ٢٠٢٠م وبجلاء واضح حالة انكشاف بنيوي يعتري السودان، ويحتاج في المقام الأول ومن كل أصحاب المصلحة لإلقاء نظرة تأمل فاحصة لمعرفة مواطن القصور في عمليات التصدي للكوارث ومخاطرها وكيف يمكن أن تعالج وفق إطار عمل سنداي لبناء المرونة Resilience building لاسيما الغاية الخامسة بتبني تلك الإستراتيجية كمدخل أولي ضمن شَرطية توافر الإرادة السياسية. وذلك لكي يتمكن المجتمع من امتصاص الصدمات الناجمة عن الكوارث والإفاقة منها والتعافي وبالتالي إمتلاك القدرة لإعادة الإعمار بأفضل مما كان، حتى لا يكون وقوع الكوارث مدخلاً لعذابات المواطن. ولكي لا تظل في المقابل لغة الإعتذار ورمي الأمر على الأقدار هي أقصى ما يستطيع المسؤولون فعله.
د. محمد عبد الحميد أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية