أول قرارات السيد وزير المالية جبريل ابراهيم كان من المفترض أن يثير ناقشاً موسعاً في أوساط الفاعلين في المجتمع المدني. فقد اوردت الأخبار اتجاه السيد جبريل ابراهيم أنه سيلغي اعفاءات منظمات المجتمع المدني ما عادا تلك العاملة في محاربة الفقر والبنى التحتية. ومبعث النقاش كان يفترض به أن يرتكز على تحديد ماهية تلك المنظمات التي تعمل في مجال "البنى التحتية". وقد يؤشر تغافل ناشطو المجتمع المدني اثارة نقاش حول هذا الموضوع، على ضعف قوام المجتمع المدني في السودان وانحصاره في فقط في الفعل السياسي في عمليات المدافعة الكثيرة التعقيد بين توظيف المجتمع المدني كأداة سياسية، إما للدخول في السلطة أو معارضتها. ومبعث كل ذلك خلل صاحب عدم تحديد المعني الاصطلاحي المراد بالمجتمع المدني بالتحديد. فكما يُشاع إن المصطلح (قابل جوهرياً للجدل) وقد يكون هذا الكلام صحيحاً بالنظر لما يمثله مصطلح المجتمع المدني لدى كل فرقاء السياسة. فالكثير من الناشطين ينسبون انفسهم للمجتمع المدني والكل في نفس الوقت يريد كل شئ منه، إلا أن يقف في وجه تحقيق أهدافه. لذلك فهو كمصطلح صار حمّال أوجه غير أنه في نفس الوقت لا يخلو من محددات عامة، فهو جماع القوى التي تملأ الفراغ بين الأسرة والدولة. وتنتظم فيه العلاقات بشئ من روابط اختيارية تقوم على مبدأ الحق والواجب. كما أنه يتأسس في الأصل من عمليات الفرز الحاد التي تنتج من خلال حركة التفاعل بين الدولة كفاعل والمجتمع-- الأسرة -- والسوق. فالواضح أن هذه القوى الثلاثة في حالة تفاعلها تفرز المجتمع المدني لكنها لا تصادره أو تتبناه. لذلك يمكن القول أن المجتمع المدني في واحدة من أهم تجلياته أنه علاقات ترابط بين مجموعة أفراد انتظموا في سلك علاقة مفهومة بالنسبة لديهم للدفاع عن مصالحهم في وجه واحد أو تلك القوى التي تفرزه (الدولة، الاسرة والسوق). لذلك ينتفي المجتمع المدني متى ما صار جزءا من الدولة. وهو بالتأكيد ليس الأسرة كما أنه ليس قوى السوق. لذلك سُمي بالقطاع الثالث Third sector كناية عن كونه ليس الدولة وليس القطاع الخاص، كما أنه بالتأكيد ليس الأسرة ولا القبيلة ذلك أنه لا يتعرف بعلاقات الدم الأولية في تكوينه. وتقف المنظمات غير الحكومية NGOs والنقابات العمالية والروابط المهنية وسائر المنظمات غير الهادفة للربح كشواهد على ماهية المجتمع المدني الذي يختلف فعلياً عن كل ما هو حكومي أو خاضع للدولة بما في ذلك الأحزاب السياسية حال كونها ليست حاكمة. اضافة الي مراكز البحوث والدراسات المستقلة وجماعات الضغط من ناشطي حقوق الانسان والبيئة.

بالنظر لعلاقة مؤسسات المجتمع المدني وتميزها عن كل ما هو حكومي أو "دولاني" كان يأمل المرء أن يثير قرار وزير المالية ناقشاً حول الغاء اعفاء امتيازات منظمات المجتمع المدني التي إستثنى منها تلك التي تعمل في مجال "البنى التحتية". فإذا كان استثناء المنظمات العاملة في محاربة الفقر مفهوماً، فكيف يمكن ياترى فهم تلك المنظمات التي تعمل في مجال البنى التحتية؟!.
المعروف أن البنى التحتية هي تلك المنشآت التي تمكن الدولة من القيام بتيسير حياة المواطنين فيها. كما أنها بالمقابل توفر للدولة بيئة تمكينية تجعلها قادرة على الوفاء بالتزاماتها في تقديم الخدمات. لذلك ترتبط البنى التحتية بمسألة مهمة وهي الأمن القومي. ذلك لأن تلك المنشآت تمثل للدولة الروح والحياة لذلك يظل الحفاظ عليها والدفاع عنها وتطويرها من أولى أولويات الدولة. وتتمثل في المطارات ، الطرق السريعة، السكك الحديدية، المستشفيات، المدارس، موانئ النقل، شبكات الاتصال ، الاسواق، الجسور، شبكات الكهرباء والمياه ، السدود، محطات الطاقة ومصافي النفط... الخ كل هذه هي البنى التحتية التي تقوم بإنشائها الدولة، كما تقوم بتأمينها وحمايتها من كل الاخطار التي تتهددها إن كانت كوارث طبيعية أو من أي عدوان قصدي ارهابي داخلياً كان أم خارجياً. لذلك فإن البنى التحتية للدولة تمثل عنصراً حاسماً في قدرة الدولة في الوفاء والالتزام بمتطلباتها الوظيفية. وهي شرط لازم للانتاج ومن ثم احداث التنمية الاقتصادية. بينما في المقابل فإن وظيفة مؤسسات المجتمع المدني هو تقديم الخدمات التي ربما تعجز الدولة عن تقديمها. ويكون لديها مجال عمل محدد Mandate ويظل محصور في لعب دور تكميلي لدور الدولة وداعم له لكنه في نفس الوقت لا يقوم مقامه. وينحصر دور المنظمات في غالب الأحيان على التدخلات الانسانية ويتأسس هذا الدور بناء على شرطين مهمين الأول: أن يكون العمل مرتكز على تواثق اخلاقي قيمي يقضي بتقديم الخدمة الإنسانية للإنسان من حيث هو انسان. والثاني: أن يتأسس العمل على قطاع محدد particular sector إن كان في الإيواء أو السقيا أو الغذاء أو التعليم أو الصحة أو اصحاح البيئة أو ادرار الدخل أو الحماية وكلها هذه تُعتبر خدمات تتأسس في الأصل على البنى التحتية الموجودة أصلاً.
خلاصة القول ان السيد وزير المالية قد يبدو أن الأمر قد اختلط عليه بين تقديم الخدمات الاساسية Basic services التي يكمن أن تهتم المنظمات الانسانية ومنظمات المجتمع المدني في تقديمها ، وبين العمل في البنى التحتية التي هي أحد أهم واجبات الحكومة التي يجب أن تضطلع بها

د. محمد عبد الحميد أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية