سيطوي السيد رئيس جمهورية مصر عبد الفتاح السيسي البِيد من القاهرة للخرطوم في السادس من مارس ٢٠٢١م، متأبطاً حقيبته في طور من أكثر أطوار الإقليم تعقيداً. فالجبهة الشرقية على الحدود السودانية الإثيوبية ملتهبة، وتكاد تميز من الغيظ كلما تلكأت إثيوبيا في الاعتراف بحق السودان في بسط سيادته على تلك الرقعة الخصبة من الأراضي الزراعية الشاسعة. وما يهم السيسي أكثر أن إثيوبيا تمضي قدماً بإرادتها المنفردة في الشروع في الملء الثاني لسدها الذي تقيمه على النيل الأزرق في يوليو القادم كقنبلة موقوتة تنذر بفناء البشر في أدنى الوادي المقدس بالغرق أو العطش. كما أن درجة المد الثوري في الشارع السوداني وسط الشباب تكاد تلامس درجة الغليان بإستدعاء طيف من الذاكرة لمظاهر القَمع وسط ما راج من أن مصر السيسي قد مدت الرئيس المخلوع بعبوات من الغازات المسيلة للدموع لقمع الثورة عند بداية اندلاعها. ووسط شعور طاغي بالإحباط مختلط بنوع من الخوف من تكرار سيناريو تطويق الثورات على غرار ما حدث في التجربة المصرية. ووسط حالة وجدانية جريحة لا تُفرق بين ما يجري على الجبهة الشرقية وبين ما يجب أن يكون عليه الحال في أقصى شمال السودان عند الحدود المصرية بضرورة المطالبة بعودة أراضي السودان المحتلة في مثلث حلايب. فالأخيرة هذه تثير عند أهل السودان أشجاناً من نوع خاص ، خبروا جانباً منها في غور وعيهم التاريخي في السلوك الخديوي مع حملة محمد بك الدفتردار الانتقامية، وأهاضت كبريائهم بنصل يشعرون به مغروساً ما بين كتفيهم من شقيق كانوا يفترضون أنه مؤتمن على الحفاظ على ذلك الكبرياء المُعرّف بسيادتهم على أراضيهم. وأن وجودهم بالنسبة لذلك الشقيق أقيم من اعتبارهم مجرد "ميزاب" تتدفق منه مياه النيل العظيم ليكون له إكسير للحياة.
ينظر السودانيون لزيارة الرئيس السيسي وعينهم على ما يحتقب معه من أدوات يمكن أن تنزع صمامات ما صَيّر وجدانهم مرجلٌ يغلي بالحميّة، ويرنون إليها بعين الترقب أن تخرج منها مفاتيح تستطيع أن تفتح ما استغلق من حادثات الدهر بعد أن نزغ الشيطان بين الأشقاء بدوافع من أمور تافهة، ما كان لها أن تحدث لولا أن السودان نفسه كان رهين عصبة انصاعت لما زينه الشيطان بمحاولة إغتيال فاشلة. وانصاعت مصر بدورها بتجريم شعب كامل بإحتلال جزء من أرضه. فأرضت بذلك غرور الشيطان، فراح ينظر لما حاق بين الأشقاء من جفوة بعين الرضا والارتياح، ويفتر ثغره عن ابتسامة صفراء تنذر بإستطابت الموت الزؤام عندما تَسحُّ الدماء على شاطئي النيل.
إن كان يأمل الرئيس السيسي أن تحقق زيارته للسودان أغراضها بالتركيز على تأكيد على وحدة المصير في هذا المنعطف المفصلي، فسيكون عليه أن يخرج من حقيبته تلك المفاتيح التي تسترد كرامة أهل السودان بإرجاع أرضهم، وبذلك يكون عبد الفتاح مفتاحاً سحرياُ بحق يعرف كيف يؤلف بين القلوب، ويمسح ما ران عليها من أوضار الماضي ليفتح بذلك صفحة عنوانها الأبرز واحدية المصير حول ما يمكن أن يمثله الخطر الأبرز على الشعبين مما تزمع أن تقدم عليه إثيوبيا من ملء السد الثاني، والذي كلما اقترب أجله المضروب، كلما أقتربت معه ضرورات فتح حقيبة تخرج منها وثائق تعيد الحق لأهله ليتسنى بعد ذلك التهيؤ لمصير مشترك بحق، ليكون بعدها لكل حادثة حديث.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.