إنّ رجلاً يقوم بدورٍ تنوء عن حمله مؤسّسات ثقافية كاملة وهو في العقد السّابع من عمره، دونما أدنى عون سواء ما يتلقّاه من بنيه - الذين هو حفيٌّ بهم - لحري أنْ تُقرأ مقالته بتأنٍ وأنْ يُمنح من الأعذار أنبلها قبل أنْ تُلقى في ساحته النّبال، بل وقبل أنْ يوسم بالعنصرية، التي لم يُتهم بها أكبر عتاة الطائفية (أو الإمبريالية الإسلامية).
لا يتوقّع من أحدنا أنْ يكون بارعاً في شتَّى المجالات، لكن المحري فيه؛ أنه إذا نوى الدّخول في حقل لا يلم به إلماماً كاملاً أنْ يتوخَّى الحذر قبل أنْ يُصدر أراءً فيها نوعاً من الجزومية. لقد دخل د.حيدر إبراهيم في مسألة تنظيمية مؤسّسية، وقبل أنْ يعطها حقّها في التفصيل قفز إلى إكليشيهات سياسية (جلَّابة/غرَّابة) واستعار أدوات مفاهيمية (مركز/هامش) جعلها تبدو كالتابوهات الفكِّرية، بل لقد بدأ حيدر وكأنه كان ينتظر هذه اللّحظة لينقض على أبناء الهامش ويتهمهم بالعنصرية المضادّة. علماً بأنّهم لم يفعلوا أكثر من إلغاء دور الوكيل واعتماد العنصر الأصيل في المُرافعة عن أهلهم وحقّهم في البقاء الكريم، الأمر الذي أفسده "الوسيط" حيناً من الدّهر.
إنّ د.حيدر إبراهيم سيسيولوجي وعالم اجتماع مَعنِيٌّ بتوجيه الثقافي للسّياسي، لكنه لم يدعِ خبرة في التنمية والتخطيط الاستراتيجي تعينه في الانتقال بسلاسة ويُسر بين السّياسي والتّنموي. لو أنّه كلّف نفسه مشقّة الإطلاع على كتابات جمعة كندا وعمر مصطفي شريكان وعطا البطحاني في شأن كردفان وجبال النُّوبة خاصّة لكفى نفسه المؤونة، ولأبعد عن نفسه المظنّة. لكنه لم يُوفَّق إذ استدلَّ بأمثلة جعلت القارئ يعتقد بأنّه تعمّد تناسي العوامل البنيوية والمؤسّسية التي أحدثت الخلل التّنموي المُريع الذي طال كل السودان والغرب منه خاصة رغم ثرائه، والذي قنّنت له من بعد عنصرية بغيضة، وهذا مثال من أمثلة توجيه السّياسي للثّقافي. فالحلُّ يكمن في الإقرار وليس الإنكار، ومن ثَمّ اتخاذ الخطوات العاجلة التي من شأنها أنْ تعالج الخطل قبل فوات الأمر. إنّ استدعاء آراء عبدالخالق رغم اتزانها وصحّتها، لا يجدي في هذه السّانحة، كما إنّ آراء الغلاة من أبناء الهامش لا تفيد في إجراء حوار ٍمثمر ٍ ومفيد.
إنّ صدفة تاريخية مُحدّدة هيأت لنُخْب من رقعة جغرافية معيّنة حقّ الريادة الفكرية والسّياسية، بل حتى الاقتصادية لا تجعل منه حقّاً قدسياً وإلهياً. بالمقابل إرباك هذه الهرمية بطريقة لا تُراعي التدرُّج، قد يجعل الأخيرة أكثر تمسكاً بميزاتها الاستراتيجية التي استفادت منها أقلية في الشّمال السّوداني النّيل وسطي، لكنها أعطت الأكثرية إحساساً بالنّبوغ.
إن ولوغ بعض "الغرَّابة" وشربهم من عرق "الغلابة" (العرقي السّياسي المعتق) لا يُغيِّر في مُعطيات هذا الواقع أيَّ شيء؛ فإنَّ منهم انتهازيين وأكثرهم منهزمين. كما إنّ الانحرافات السّلوكية والانزلاقات الأخلاقية للبعض الآخر (كأن يخمش أحدهم بعض الفتات) لا يمكن أنْ تُستخدم كمبرّر لإنكار واقع بنيوي ماثل ، ولا يحتاج إلى بصيرة. مثلاً، إنّ خزان الرصيرص يُوَلِّد كهرباء تَنْعم بها الخرطوم ويُحرم منها أهله. هل نحتاج كخبراء تنمية إلى كلام سياسي كثير كي نُقَوِّم هذا الأمر؟ إنّ الدّولة في خلال القرن ونصف الماضية أعطت "أولياءها" ميزات تفضيلية وخصّصت لهم أراضٍ في جبال النّوبة ما كان لهم أنْ ينالوها إلا بتآمرٍ على أصحابها الحقيقيين. هل يحتاج هذا الأمر إلى لجاج؟ إنّ الأعراب الذي قطنوا أراضي الفور والمساليت في العقديْن الماضييْن، هل يسمح أحد منَّا له ضمير باستبقائهم؟ إنّ السّلخانات التي تسعى الدّولة لتأسيسها في الشّمالية والتي أوكلت مهمة تأسيسها إلي شركة (زادنا)، هل هذا هو مكانها الاستراتيجي؟ إنّ قُرى الحلفاويين التي تغرق وآثارهم التي تَمّحي، هل هذا كله مُتَعَمَّد أمْ إنّه سوء تخطيط؟ أعتقد الاثنان معاً؛ بلادة وعدم اعتبار لدى الفئة الباغية لمفهوم المواطنة، إذ ما زالوا يلهثون هم وأولياء نعمتهم وراء وَهم الخلافة! ألم يأن لنا أن نفك ارتباطنا بالمشرق ونعي بأنه عبئاً كبيراً فنولي اهتمامنا بالشعوب السودانية ونيمم وجوهنا صوب الحزام السوداني؟ حتي متي والاستمرار في لعب دور السمسرة السياسية والاقتصادية؟ متي نولي أهمية للتنمية؟
إذن المشكلة مشكلة بؤس في التخطيط وعجز عن استحداث خطّة قومية تنموية، الأمر الذي أشار إليه د.حيدر إبراهيم بقوله أو تصنيفه للصراع بأنه صراع طبقي قد تأخذ تمثلاته أبعاداً جهوية أو عنصرية لكنه في الأصل صراع اقتصادي- اجتماعي، علماً بأنّ التّنمية أو الخطّة الاستراتيجية لا يمكن أنْ تُطوَّر؛ إلَّا وفق رؤية أخلاقية أشار إليها بعض من زملائنا الذين تكفّلوا بالردِّ على الدّكتور المُوقر والذين أشاروا بالتحديد؛ إلى أنّ عنصرية النُّخْب المركزية المتنفِّذة اليوم تَحول دون الوصول إلى هذه الغاية النّبيلة؛ خاصّة أنّ العنصري لا ينحاز إلى فئة اعتقاداً في تميُّزها إنّما تكلُّفاً يسعى فيه لنيل رضاها - وهي له ماقتة وعلى أسلوبه غاضبة لأنها تحسُّ ببساطة بأنّه سيورِّثها كارثة، طال الزمن أم قصر. كما إنه قد لا ُيؤمن في قرارة نفسه بتفوقه العرقي، لكنه - إذا ما نظرنا إلى حالة الطّلبة الدّارفوريين الذين هُجِّروا من بخت الرضا وحصروا في قرية الشيخ الياقوت، مثلاً - يسعى لتأمين موقفه الأمني والسّياسي. فدارفور تخيفهم وتخيفهم أكثر عندما تتوغَّل في الوعي الاجتماعي مستخدمة عمقها الوجداني والإنساني والسّوداني. إنها تنقل فعل المقاومة إلي "الدّاخل."
فلا يمكن للوالي أو غيره أن يتهاون معهم لأنها تعليمات التنظيم ولا يغير من الأمر شيء كونه دارفوري لأنه ببساطة مؤتمر وطني. هذا شأن المدجنين، فما بال الوطنيين؟ هل يعجز الناشطون المدنيون والرأسماليون الوطنيون عن توفير 120 الف جنيه مطلوبة لترحيل الطلاب؟ فيما يتداول الأكاديميون - المغتربين منهم خاصة - نكات عن قادة الانقاذ عبر الواتسب فإنهم يعجزون عن دفع 10 دولار قيمة اشتراك شهري لتشييد منصة للتفاكر العلمي في شأن الوطن. ذلك أن الشخصية الثقافية الاجتماعية شخصية تواكلية اتخذت من السياسية مشجباً عوض عن اتخاذها متكئاً أو وسيلة لتحقيق غاية أكبر (راجع مقالتي "الكابوس" في سودانيل عن الشخصية السودانية واشكالية النهضة القومية).
إنّ أُس المشكلة يكمن في الاستبداد. فالاضطهاد الذي تعرّض له د.حيدر إبراهيم (شايقي الأصل)، من إغلاق لمركزه ومصادرة لكتبه، هو من صنف الاضطهاد الذي يتعرّض له د. جمعة كندا (نوباوي الأصل). لكنَّا يجب أنْ نقرّ بأنّ الاستهداف لحيدر هو استهداف شخصي، استهداف لشخص مستنير يرون في أدواته خطراً عليهم، أما الاستهداف لكندا هو استهداف عرقي، استهداف لعرق ترى "العصابة المركزية" في تواجده خطراً عليهم، وفي زحفه اضمحلالاً لهُوِّيتهم. ينطبق الأمر على كافّة العرقيات الأخرى، الزّنجية منها خاصّة. والتي لا تكاد تري لها وجوداً في الكوادر الوسيطة للخدمة المدنية، وجوداً يتناسب مع نسبتها السكانية، دعك من تضحيتها ونضالها الوطني.
لقد سقطت كُلِّ اللافتات الأيديولوجية أو الشعارات السّياسية، مما أفقد الــ Hegemon (المُهيمن) حتى مجرّد قدرته على التمثيل. مثلاً، لأول مرّة لا يوجد في هيئة الأركان للجيش غرباوي واحد - أيُّ غرباوي - إنْ شاء الله واحد تافه أو رخيص كالذين تستعين بهم المؤسّسة الطّائفية في تسيير أعمالها اليومية، أعني بالتحديد حزب الأمّة، أو أولئك المردة-القردة (وما يليهم من فئات بشرية منقرضة أو آيلة للانقراض) الذين يستعين بهم المؤتمر الوطني أو الشعبي في الحفاظ علي رمزية مخجلة، رمزية لا تحتفي بالنّوعية إنّما تستند فقط علي أُسس لونية. هل يعني أنّ هؤلاء الأرجوزات (قادة هيئة الأركان الحاليين) ممثلين للجلَّابة؟ لا، فالجلَّابة قد شُرّدوا منذ اليوم الأول من كافّة قطاعات الخدمة المدنية، بل كانوا هم الأكثر تتضرُّراً بحكم تواجدهم الكثيف، لكنهم، أيّ هؤلاء، حتماً يمثِّلون أقصى مخاوفهم. إنّ هنالك تحالفاً غير مُعلن بين كافّة مؤسّساتهم الاجتماعية، السّياسية، والاقتصادية، والعسكرية، هو الذي هيأ للإنقاذ المُكوث طيلة هذه المدّة. الأدهى، تماهي النخب الحاكمة كاملاً مع أحط ما في الثقافة الشعبية (الكذب، الرياء، البوبار، الوهم، الغش، الكِبر، البذاءة، الدناءة، الاستنكاح، الكسل، الاتكالية، الجهل، الانانية، الشرف بترقيق الراء، الغرور، التملق، الحلف بالطلاق، البخل، الجبن، الاستهبال، العشوائية والسبهللية، العنصرية، الي أخره من الصفات الذميمة التي كنا نعير بها الغير، خاصة جيرانا وكل من خالفنا الرأي وقد أصبحت اليوم صفات ملازمة لنا لا تمر علي مناسبة فرح أو ترح الا وقد تجد كل هذه الصفات متواجدة وبكثرة في مكان واحد وقد تجدها كلها في شخص واحد فيوفر عليك مشقة البحث) ، بل التعويل علي ذلك.
لو أنّ فيهم دي كيلرك واحد، أي الجلابة (والمستجلبين الاخرين الذين انضموا مؤخرا الي المنظومة)، لقال لهم بالحرف: إنّ استمرارنا في هذا الاستهبال (أو الإنكار) سيفقدنا ميزات استراتيجية نلناها بمباركة الّلورد كتشنر، وإنّ محافظتنا عليها تستلزم ليس فقط التنازل، إنّما الإقرار بأنّ سوداناً جديداً يتشكَّل. وإنّ من مصلحتنا (فهم، أيّ أعضاء الليغ السّياسي، يفهمون لغة المصلحة)، وليس فقط واجبنا (كما يفعل الحزب القومي السّوداني) أنْ نصل إلى تسوية سلمية تحفظ لنا حقّنا وتعطي الآخرين حقوقهم. يمكن للدّكتور حيدر إبراهيم، مع بعض التعديل في طرحه، أنْ يقوم بهذه المهمّة التي فشل فيها الدّكتور عبدالله علي إبراهيم الذي استمرأ الأساليب الحلزونية (فهو يمجّد عبد الخالق ويقف علي نقيض موقفه ويمجّد الليبرالية والدّيمقراطية ويقف مع الإمبريالية الإسلامية في معسكرها) والسّيد الصّادق المهدي الذي آثر العافية وخَلد إلى الأرض، بعد أنْ أصبح من الصّعب عليه الاستمرار في دور الوكيل الذي لعبه هو وأسلافه، والذين استمدوا قيمتهم الاستراتيجية ونالوا حُظْيَة لدى النُّخْب المركزية عبر التّاريخ معتمدين على قدرتهم في تطويع الهامش مُستخدمين الدِّين. وها هي الفرصة تضيع عليهم جميعاً بعد أنْ انعتق الرّيف من أنواع الوصاية كافّة -الدِّينية منها والأيدولوجية. فهل تحسَّب المناضل ياسر عرمان لمثل هذا اليوم؟
(لم تكن فرصة د. حسن مكي للعب دور دي كليرك - رغم محاولته المتعدِّدة - بأفضل من فرصة أمين حسن عمر في كتابة الشّعر، فالإسلاميين السّودانيين لا يمكن أنْ ينجحوا في أيِّ عمل إبداعي لأنّهم قيّدوا العقل بالوجدان، ولا يمكن أنْ ينجحوا في أيِّ عملٍ رياديٍ وطني لأنّهم غير أخلاقيين وغير مبدأيين، باستثناء القلّة منهم مثل: د.الطيب زين العابدبن و د.خالد التيجاني و د.التيجاني عبدالقادر وآخرين يعلمهم الله ولا أعلمهم. وإلَّا، كيف نفسِّر وجود الشّعبي في حكم قد نعتوه بكافّة النّعوت وتوعدوه بأشدِّ ما توعَّد المولى عزّ وجلّ الكافرين والمنافقين في اليوم الموعود؟)
في سعيه لاستدعاء التاريخ، ولو بصورة خجلة، نسي حيدر أنّ ضحايا غرب السّودان من اضطهاد الخليفة وبطشه لا يقارنون بظلمه للشّمالية، وهذا ما تجهله كثيرٌ من النُّخْب النّيلية. لقد بدأت الخيانة في المهدية بقتل المهدي لأبناء المك آدم أمدبلو ومعهم بعض فقهاء الدِّين الذين شكَّكوا في مهديته، وهؤلاء أغلبهم من السّادة القادرية والسّمانية وأتباع الطريقة الإدريسية الذين لعبوا دوراً مفصلياً في إنجاح الثورة المهدية بتحقيق الانتصار في قدير، ولم تكتف القيادة التعيشية من بعد المتمهدي باغتيال القيادات القبلية - الكاريزمية منها خاصّة - بل عمدت إلى تصفيات عرقية شملت كُلَّ القبائل الدّارفورية، وتعمَّدت إذلال الرّزيقات المهرية نكاية في قادتهم الذين أعلنوا معارضتهم للدّولة الظّالمة، فقُتل من رعاياهم في نهاية الحملة ما لا يقلّ عن ألف عريس مربوطة في يده حريرة. ممّا دفع بأكثريتهم إلى الهجرة إلي تشاد. فالقضية ليس قضية جلَّابي ظالم (المهدي) أو غرباوي غاشم (الخليفة)، إنَّما هي قضية الاستبداد الذي يستحكم عندما يستشري الجهل والأمّية في شعب، وينسدّ أمامه الأفق فلا يكاد يرى الخلاص إلا مرتبطاً بأُسس غيبية، والازدهار مُقترناً بالفضيلة الدِّينية. مَن يتخيّل إننا، وبعد زهاء القرن، ما زلنا نواجه بنفس المعضلات، بل نفس المعضلة، وكأن الزمن لا معنى له في هذه العوالم الإفريقية السّودانية السّوداوية المظلمة الكالحة؟ لسنا مُطالبين بتقديم تعريف للسّياسة من منطلق إيماني، كما إنّا لسنا ملزمين إلي الالتزام بالعلمنة السّياسية (تحييد السياسة تجاه الاخلاق والدين) أو كما يقول محمد مجتهد شبستري الذي بين في كتابه (تأمُّلات في القراءة الإنسانية للدِّين) أن استبدال نظام الخلافة القديم بنظام سيادة الشعب لا يعني عدولا عن نظام سماوي مقدس، بل هو انتقال من نظام أرضي كلاسيكي (الخلافة) إلي نظام أرضي أخر يتسم بالحداثة والمعاصرة (سيادة الشعب) (ص.153).
وإذ اعتبرنا الإنقاذ مرآة للمهدية، فيجب أنْ نقول إنّ ما لحق من حيف بالنُّخْب النّيلية تمثّل في تشريدها من الخدمة المدنية، الجيش، واستهداف مراكز نفوذها الاقتصادي والسّياسي والاجتماعي، لم يلحق بها في أيِّ فترة من فتراتها. فالاستبداد لا يعرف التمييز بين غرباوي وجلَّابي، إنما التفصيل بين مَن يناسبه ومَن لا يناسبه. لقد أضعفت الإنقاذ نفسها وأصابت نفسها في مقتل من حيث تدري ولا تدري؛ باستبدالها العناصر الصّلبة (من بني جلدتها) بعناصر رخوة (من وَهم أيديولوجيتها). تماماً كما فعل ود تور شين. فقد استدعى كافّة القيادات القبلية (أهل الغرب خاصّة)، والتي أمعن في اضطهادها وكانت معتقلة آنذاك، للاشتراك في معركة كرري. فما كان منهم إلَّا أنْ استغلوا هذه السّانحة، التي تمثّلت في فكِّ القيد من تحت أرجلهم، للاستعداد للانسحاب بأهاليهم في الوقت المناسب من معركة خاسرة. لقد سقطت الدّولة أخلاقياً وفكرياً قبل أنْ تفشل عسكرياً وتنهزم مخلِّفة دماراً نفسياً ومادياً وخسران السّودان لثلاث أرباع كثافته السّكانية. فلن تُجدي المكابرة وهل يمكن المرافعة عن الدّولة الفاشلة بعد كُلِّ الدّمار والسّمعة السّيئة التي جابت أركان المعمورة يومئذ؟
لن يهنأ أهلنا في الرِّيف إلَّا باقتلاع دولة المركز، ومحاصرة رموزها، ومحاسبة عناصر الفساد فيها. لقد باتت الفرصة مُواتية أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، وإنَّ المعوّل علي الهامش في تجاوز تناقضاته الذاتية وتلك التي من صنع الانقاذ، كما العزم علي عقد تحالفاً يتجاوز ثنائية عرب وزرقة في دارفور ويمد أواصر الاخاء لأهلنا في كردفان - النُّوبة خاصة - لأنّهم أهل حزم وروية. بيد أنّه يلزم قيادتهم الحالية طرح نفسها كقيادة للسّودان وألا تقنع بالتقوقع الوجداني الحالي - فطرح مشروع "السّودان الكبير" منوط بوجود دعامة فكرية صلبة، أعتقد أنّ د.حيدر إبراهيم وأمثاله من الوطنيين يمكن أنْ يكونوا من داعميها إذا لم نقل مؤسِّسيها. عليه، يجب أنْ يُتخذ منهم شركاء وليس غرماء.
لقد استطاع قرنق بكاريزميته وثقافته وبراعته السّياسية أنْ يستقطب عددية نوعيَّة من النُّخْب النّيلية، إذ رأى في عقد التحالف الأخلاقي والفكري وسيلة لتجاوز الثُّنائيات المُخلّة، على الأقلّ من النّاحية التّنموية. بيد أنّ مَن خلفوه لم يقووا علي تفعيل ذاك الموروث فوقعوا في المحظور.
نحتاج أنْ نعمل على عقد هذا التحالف، الذي من دونه لن نستطيع بناء دولة سودانية حديثة، لكنه يجب أنْ لا يكون على الطّريقة النّرجسية أو الفهلوية التي ما زالت ترى في نُخْب الهامش قُصَّرَاً يجب التعامل معهم برفق (كما يفعل الصّادق المهدي وعبد الله إبراهيم)، أو كُفَّرَاً يجب التعامل معهم بعنف (كما تفعل الإنقاذ). يجب أنْ يعي أولئك وهؤلاء؛ أنّ الرّيف قد انعتق من الوصاية وأنّ جلَّ ما يمكن فعله هو تشجيع كُلّ مجموعة عرقية أو قبلية أو جهوية مناطقية على ترتيب أوضاعها ديمقراطياً، لأنّ التّصعيد المؤسّسي هو الذي ينتج أصلب العناصر وأنفعها للإنسانية.
سَرّني ما قام بها الزغاوة من عقد مؤتمرهم في الولايات المتحدة، فقبيلة فيها هذا الكم من العلماء يجب أنْ لا تترك لهلافيت يتولون أمرها ويسبّبوا لها ارتكاسة يتضرّر منها العامي قبل الأفندي. أتمنى أنْ يحذو البقارة والنُّوبة والنُّوبيون حذوهم، لا سيما الفور والمساليت الذين تفرّقوا أيدي سبأ بعد أنْ استثمرت النُّخْب الرخوة محنتهم، منها ما قنع بالدّونية ومنهم من رجع إلى مهجره غير قانع بما حاز من الدَّنية.
هذا هو واقع السّودان الذي يجب أنْ لا يتخطى، إذ إنّ الهيئات المدنية لم تكن غير غطاية لبناية تفتقر إلى بنية تحتية. يمكنا أنْ نرتقي تدريجياً من مستوى القبلية إلى مستوى تعزيز الرابطة المدنية، وأن نُرَّفِع الوعي القومي مستصحبين الموروث الثّقافي ومُتخطِّين منهجياً وأبستمولوجيا لمحدوديته الفكرية.
إنّ إغفال د.حيدر إبراهيم لبعض الحيثيات التّاريخية أو إهماله لبعض الأدوات المفاهيمية لا يجعل منه مُغْرِضاً أو مُبْغِضاً، لكنها الزّاوية المُعتمة (Blind Spot) في المرآة الجانبية لسيارة كثيرٍ من النُّخْب النّيلية. فها هو عمر الدّقير يكتب مرافعة رائعة عن حقِّ شعب السّودان في الكرامة والعيش الكريم بمناسبة اليوم المشؤوم، يذرف فيها الدّمع على ثلاثين ضابطاً أُعدموا لكنه يُسقِط من وعيه 300,000 دارفورياً أُبيدوا في أقلّ من 3 شهور، وما زالوا! هل يقدح هذا في وطينته؟ لا، لكنه يبرهن على ضرورة مراجعته لمفهوم القومية التي يدعو لها ومستوى امتداداتها، فكثيرٌ ممَن يتحدّثون عن القومية، يتحدّثون عنها وفي مخيلتهم السّودان الشّمالي النّيلي وسطي، وهذه إشكالية نفسية وثقافية وتربوية، لا يمكن التعامل معها عُنْفَوياً.
أزمع حيدر يوماً على إصدار كتاب (ستون عاماً على الاستقلال)، فاتصلت به مشيداً وداعماً وذكّرته بضرورة تضمين كتابات عن الهامش، خاصّة دارفور نسبة لما عانته من إبادة عرقية وضرب متعمَّد للهُوِّية. اعترف بأنَّ الأمر لم يفت عليه ورحّب بالفكرة، لكنه أقر بصعوبة إيجاد شخصا مناسبا نسبة لضيق الوقت فكان أنْ تبرعت بسد الخانة وشاركت معه بورقة علمية (دارفور: بنكرياس السياسة السودانية). هذا موقف أنبل من مواقف كثير من الدّارفوريين الذين يستكتبون للشأن الدّارفوري بعض رفقائهم الأيديولوجيين، لمجرّد أنّهم أكاديميون إخوانيون أو أمدرمانيون، وأنّ بعضهم لا يعرف عن دارفور إلَّا من سجّلته ذاكرته من بعض الرِحَل الجامعية، كي ينالوا رضاهم أو يبرهنوا على وفائهم.
هنالك موقفٌ آخرٌ يدلّل على أنّ الإحن بين أبناء الهامش ليس أقلُّ من تلكم بين أبناء الريف والهامش. أذكر أنني انضممت يوماً لوفد من الدّارفوريين كان من المفترض أنْ يلتقي بالسّفير الأمريكي، وذلك قبل عشر سنوات. جاءتني السّكرتيرة بعد فترة وهي مُحرجة وقالت لي: لقد طلب الوفد والذي كان أغلبيته من أبناء الفور من السّفير الّلقاء على انفراد وذلك لخصوصية الموضوع وضرورة مناقشتهم لبعض القضايا في سرّية. الطّريف في الأمر أنهم كانوا يرون في "الرجل الأبيض" حليفاً ونصيراً (وقد أثبتت الأيام مدي تواطؤ المجتمع الدولي متمثلا في منظماته المتهالكة مع النظام الحاكم، بل إن موظفيهم باتوا يتنافسون علي محطة الخرطوم لدسامة ما فيها من إغراءات) ، الأمر الأكثر طُرفة أنّهم لم يريدوا لواحد من أبناء القبائل العربية حضور المداولات، علماً بأنّ الخزي قد آتاهم من بين أيديهم ومن خلفهم.
اتَّصل بي أحد دكاترتهم الأجلاء من بعد معتذراً، قبلتُ عذره لكنني ذكّرته بأننا قد انضممنا إلي العمل المدني الدّارفوري ظنّاً منّا أن دارفور هي الحدّ الأدنى وأنّ الحدّ الأعلى هو الوطن؛ قلت له بالنص "أما وقد ركنتم إلي الحمية فلن تجدوا نصرة بلاي." وأنا أقول لأبناء الهامش إذا أردتم عقد تحالف سياسي وفكري يحاصر النُّخْب المُتهافتة كافّة، فإنّكم لن تجدوا أفضل من د.حيدر إبراهيم، فقط اعتبروه دي كليرك في طَور التكوين!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.