"إن قضية الموت لم تكن يوماً قضية الميت، وإنما قضية الباقين."

غسان كنفاني

بدت لي البلاد كساحة عزاء كبري ساعة وصولي إلي الخرطوم في منتصف ديسمبر، لكنني سرعان ما أدركت أن هذه اللحظات تختلف عن مأساة سبتمبر 2013م، لما فيها من تفجر للطاقة الروحية الكامنة، وما تحقق فيها من امتداد لجسور الثقة بين كافة الفئات والقطاعات. فالوعي هذه المرة لم يكن وعياً نوعياً فقط، إنما شيء أشبه بالاستنارة المجتمعية الحادثة، فالحراك تخطي كل الحواجز ونزع في لمحة البصر كل الالغام التي ما فتئ الإنقاذ يون يزرعونها حتي أحالوا البلاد إلي أشلاء، وحولوا إرثها إلي كساد. اليوم فقط أدركنا ان الاعتداء علي فرد، هو بمثابة الاعتداء علي الكل، وأنه لا يمكن لنهضة أن تحدث في غياب الحرية (كما بيّنت شيرين عبادي في كتابها "إلى أن ينضج الأحرار – نضالي من أجل حقوق الإنسان في إيران"). فالمسألة لم تعد مسألة كفاءة إدارية أو كفاءة أخلاقية، يلزم استحواذها من قبل المسؤولين لكبح جماح التضخم أو ردع جيوش الاعتداء علي المال العام. المسألة بالنسبة للمواطنين اليوم أصبحت مسألة كرامة إنسانية وقضية شرف وطني يجب ألا تطأه أقدام المعتدين. وهذا ما عنوه بقولهم: تسقط_بس كدا بالواضح لا بالدس.


السودانيون يخوضون معركتهم بشرف، وبتضامن منقطع النظير . كل شخص يعرف دوره في المنظومة، وينتظر خانته في التكليف دونما تهافت أو تراجع. يلزم المحافظة علي هذه القيم، والتحوط لئلا ينزلق البعض في خضم المعترك إلي خانة البذاءة أو الانتقام مجاراة لرموز النظام البائد. يستطيع المعتدي أن يُجَرِّدَك من كل شيء إلاَّ من قيمك، ويستثنيك إلا من حبك لوطنك وإهاب الضمير. إن هذا الحراك لا يمكن مقاومته، كما لا يمكن التحايل عليه، فقط التفاعل معه. لابد لهؤلاء الشباب أن يحددوا المسارات التي تتحرك فيها الثورة، وأن يضعوا الأطر التي تتحرك فيها القيادة المدنية القادمة، وأن يستمروا حتي يتم الامتثال لكل مطالبهم، والاَّ فإن من سرقوا إبريل وأكتوبر مازال بعضهم علي قيد الحياة. وهم لديهم قدرة فائقة علي وأد الأحلام وبيع الأوهام.


لقد نجحت الثورة نجاحاً باهراً بكلا المقياسين: المادي والمعنوي. من الناحية المادية، فقد ساعدت الدولة في تحقيق النتائج المرجوة من اي عصيان مدني وأنجحته بنسبة 100%، بإغلاقها للمرافق العامة مثل المدارس، احتلالها للمستشفيات، واقتحامها للجامعات بغرض اغتيال الطلبة والطالبات، إهانة الصحفيين والصحفيات بل ضربهم والاعتداء عليهم، اعتمادها سياسات مالية واستثمارية فاشلة تسببت في توقف سوق العمل والتجارة والزراعة تماماً (المستثمر الذي أخذ مرابحة ردها للبنك لأن تجار البهائم لا يريدون التعامل بالشيكات، المزارع لا يجد من يعينه على حصاد الفول، لا ننسى أن نسبة ضئيلة جدا لا تتعدى 15% من الصمغ الموجود على الشجر قد تم جمعه، إلي أخره من النكسات التي ستحرم العصابة من مصادر للعملة الصعبة كانت تأتيها منسابة حتى حين رغم التأرجح)، فقدان السيطرة الكلية علي الاقتصاد، مما تسبب في ندرة الأدوية والرغيف، وأدت إلي انعدام الوقود الذي أعاق تحرك الناقلات وأحال المدينة إلي عاصمة للأشباح. هكذا كنت أخالها وأنا أتجول فيها ليل نهار. لا يمكن للجنرال الخائر أن يكابر بعد ذلك.


تكررت عبارة "ارحل بس" بيد أن الرجل علي بلادته، أدرك بأنه يلزم ألا يرحل وحده. بل يجب أن يصحب معه في هذه الرحلة العدمية من أدخلوه في هذه الورطة ومن دبروا له ملف الجنائية ابتداءً بالجرائم التي خططوا لها في دارفور وانتهاء بالتسجيلات الصوتية التي بعثوا بها إلى الجنائية. فعندما قرر علي عثمان الهروب، استدعاه البشير من المطار ولم يشأ أن يواجه أو يوبخه، فقط أعلمه بأن الوقت غير مواتي لسفر قيادات الصف الاول (يقصد هروبهم). من هنا كانت المواجهات الكلامية التي يستخدمون الشعب فيها كوسيط، لكن الشعب غير معني "بدخول الفئران إلي جحورها حال ظهور الكاكي" (عبارة البشير التي استخدمها عند لقائه بقادة الحامية في عطبرة)، الأمر الذي رد عليه علي عثمان بجاهزية كتائب الظل واستعدادها للمواجهة إن دعي الامر. وهذا تهديد واضح للبشير، قد يجعله يفكر مراراً قبل أن يعهد بالأمر إلى الجيش. وإذا لم يفعل، فهل يا ترى سيقوى قادة المؤتمر الوطني على تحمل التركة الثقيلة، علماً بأنهم فاقدي الأهلية، الصدقية، والشعبية؟


لقد دفع الشعب ضريبته من الموت، وحان للعصابة أن تقتتل، ويُفْنِي أفرادها بعضهم البعض، فيما يلوذ المواطنون العُزل بالركن الشديد: "رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (يونس ٨٥-٨٦) ان الترابي كثيراً ما يقول أن "الشعب السوداني خَوَّاف وَنسَّاي" (حوار للأخير مع المفكر محمد جمال باروت في أول أيام الإنقاذ)، وقد بني سياسته كلها علي هذا الزعم الكاذب والافتراء غير المسنود بالوقائع. فالشعب لم ينس الإهانات التي وجِّهت إليه لا من قبله هو ولا من قبل حواريه، لكنه صبر عليها أملاً في تغيير يتمشى وفرادته في البسالة التي تتطلب النِزال في أوانه، وبأدواته. هذه الحكمة اختصرها أهلنا البقارة بقولهم: "الألمى البارد بقد السعن". عبقرية الشعب تَبَدَّدت في صبره علي هذا العبث المورث طيلة الثلاثة عقود كي يكون التخلص من الحاكم تخلصاً من المنظومة بأكملها. فقد جرب التخلص من الحاكم، حالتي عبود والنميري، لكنه باء ببطانتهما التي جُيرت فيما بعد لخدمة الجنرال الخائر.


لم يكتف الجنرال الخائر، بوأد احلام الشباب وسرقة أعمارهم، من خلال مسعاه الدؤوب لبيع الاوهام وإتباع النعيق، بل لجئ الي قتلهم هذه المرة وسعى لاستئصالهم، لأنه وزمرته، يرون فيهم خطراً ماحقاً ومارداً لا يُروض. علما بأن جميع الدول، خاصة المتقدمة، تنظر إلي الشباب كطاقة إنتاجية وتنعت كثرتهم (70% من المواطنين في العالم العربي تتراوح أعمارهم بين 25 و44) "بالنافذة الديمغرافية" صوب البناء والمستقبل. إذا كانت العصابة قد نجحت في تجيير إرادة الشعب لفترة من الزمان من خلال استقطابها للنخب السياسية، فإن هذا الجيل صاحب رؤية لا تتوافق ومخلفات الماضي، وصاحب عزم لا تستميله حيل التلفيق أو التوافق. كما إن ارتباطه الوثيق بالواقع السوداني قد عصمه من الارتباط بالمنظومات الإيديولوجية التي ظلت تجوب المنطقة العربية لمدة نصف قرن دونما رشد أو احتفاء بإنسان المنطقة، استجابة لتطلعاته وتحقيقاً لأشواقه في العيش الكريم. إنما فقط اجترار لتجارب سياسية فاشلة ومقيتة كانت الفئات الضعيفة أول المتضررين منها (راجع مقالة عزمي بشارة، دروس عربية عسى أن يستفيد منها السودان).


لقد قرر الشباب حمل رايتهم بأيديهم متجاوزين كل بؤر الفساد، ناقمين على ألهه الاستبداد، مستفيدين من سبل التواصل، وعازمين على "دحر المنظومة ونصر الأمة المكلومة" مهما غلى الثمن وعلا. فهنيئاً لهم مواصلة المسيرة التي بدأها إخوانهم وأخواتهم يوم أن رصدتهم الطائرات في جبل مرة وجبال كاودة وما زالت، ويوم أن حصدتهم البنادق المأجورة في العيلفون وفي كجبار وفي بورتسودان، وفي كل بقاع السودان التي لم تبرأ من ظلم الإنقاذ وجورها. لقد تحسس الشباب نبض قلوبهم فتحركوا متجاوزين كل العقبات وغير أبهين بما تحمله رياح المبادرات العاجزة، لكنهم مؤمنين بحقهم في ارتياد المجهول احتفاء بالقيمة إذا لم يكن يقينا بالنصر. هم فعلوا ذلك بالرغم عن محاولة الدولة لتسطيحهم ثقافيا وخلق قيعان في جنبات وجدانهم وإهمالهم تماما، وليس بسبب ذلك؟ وهذه نقطة مفصلية ومهمة، لأنها لو تحركوا بسبب الجهل والعنصرية وغياب الرؤية التنموية، لكانت حركتهم ستكون أشبه بالانفجار بردود الافعال، لكنها حركة مبدئية، اتسمت بالانضباط والاتزان، ممّا جعلها عصية علي التطويع من قبل القوة التقليدية، لأنها خارجة بالكلية عن قوالبها المهترئة.


هم فعلوا ما فعلوا تستفزهم الحاجة للابتكار لا يستدفعهم فقط الحاجة للاستيفاء. هل يمكن أن نزعم أن هذا الحراك هو عبارة عن "سلك براني" اُسْتُخْدِم لتجاوز "الثقافة السودانية العقيمة"، وإحداث تواصل حيوي مع المنظومة الثقافية للمجتمع الذي حجبتنا عن رؤيته الأيديولوجيا والأطر المفاهيمية المستوردة. هم قطعا لم يهملوا المفاهيم المطروحة في فضاء العولمة، لكن براغميتهم وواقعيتهم دفعتهم لتوطين هذه القيم وتلك المفاهيم (راجع مقالة عثمان نواي بعنوان "الحواتة والتراس والهلال وأزمة انفصال النخب السودانية عن الجماهير"، ومقالة صلاح شعيب بعنوان "موكب الخميس .. جمهور مصطفى والحوت في الميدان). الأيام حبلى بسناريهوات أهمها قدرة هؤلاء الشباب على المضي قدما نحو الهدف لا تعيقهم وعورة الطريق ولا يستبطئ سيرهم قلة الخبرة في القيادة (القدرة تتضمن المعرفة والمهارة والسلوك)، بوار الماكينة وهلكة بعض أجزائها.


اتصلت بصديق لي للتفاكر معه في شأن ثورة الشباب، فوجدته منفعلا بالإنتاج الموسيقي والسينمائي الموظف لصالح الثوار وشهدائهم الأبرار، لم أشا أن أفسد عليه لحظة التدفق الوجداني والعاطفي فقد ظل يحدثني عن عظمة هذا الجيل وهو ذات الشخص الذي كان قبل فترة يشتكي من بؤس مواعينهم الثقافية والفكرية. إن تفجر هذه الطاقة الخلّاقة له صلة بوسائل وأدوات التواصل كما لها صلة بالمضامين. إن نجاحهم له صلة بمصادر معرفتهم التي لها صلة بقدرتهم على الإبتكار وتوظيف التكنولوجيا. إذن ففك شفرة التواصل مع هذا الجيل الفذ ضرورة كي نعرف مكمن العبقرية فيه ونعمل سويا على الإستفادة منها وتطويرها. إذ إن إستدامة أي ظاهرة له صلة بل يعتمد بدرحة كبيرة على الوعي بها، وعدم الإكتفاء بتبجيلها. لقد عجزت فيما نجحت فيه الشابة مها جعفر (سودانية لأم عراقية) ببثها لأغنيتها "سَلْمِك"، وهو تحبيب أبنائي وبناتي في الموروث السوداني وقد عاشوا حياتهم متنقلين بين الولايات المتحدة والسودان والخليج.


ذهبت في مأمورية قصيرة وعند رجوعي وجدتهم يستمعون لأغاني سيد خليفة ووردي وعثمان حسين. فلمّا سألت، أُعْلِمت بأن بنت العم جعفر جابت بهم أقطار السودان مستخدمة وسيلة تناسب وجدانهم وتتمشي مع خيالهم. هذا مجرد نموذج بسيط يمكن التوسع فيه وتعميقه فكريا وفلسفيا. آن لنا أن نتواضع، وقد فعلنا أو استشعرنا أهمية الإعتراف بالتقصير وسوء التدبير. هم لا يمثلون امتدادا لنا، هم أبناء عصرهم كما قال جبران. وعلى أحسن الفروض هم يمثلون إمتدادا للسمح فينا وفيهم، وقد برئوا من كثير من العلل التي ورثناها ومن التشوهات التي أصابت شخصيتنا ونفسيتنا نتيجة الإستبداد السياسي والإجتماعي الذي عشنا فيه لقرون. لا يعني الإتساق مع الذات أن النفس سوية لكن الفضاء الكوكبي الذي انفسح أمام الأفراد جعلهم يوقنون بأن "غياب الحرية سبب كل بلية"، لا سيما أن الإقتداء المبني على تعدد النماذج وإن ساء بعضها أفضل من الإمتثال الذي فرضته الوحدوية وصاغه إنعدام الفرص والجبرية.


لقد استطاع الجنرال إطالة أمد حكمه لأنه أمتلك مقدرة فائقة على توظيف طاقتنا السالبة، وهو لم يتفوق نسبة لبراعته الفكرية أو مهارته البلاغية لكن لأن شخصيته كانت حتى حين تمثل جماع السوء فينا جميعا. وهذا ما يجب أن نعترف به. لقد سرى شئ في وجداننا هو أشبه بالطاقة الإيجابية التي تبعثها الأهداف العلا وهذا سبب عجزه وعجز عصابته عن التعويل على القبح، فليس لدينا من الأن فصاعدا إلا ما هو جميل وما هو أصيل، أخرس_بس.


أقل ما يعرف حتى الأن أنهم نجحوا بإمتياز في إخراج العربة من الوحل. فهل ستسهويهم سرعة السير وتثنيهم الحماسة عن ضرورة إجراء العَمْرَة لهذه الماكينة الخربة ومن ثمّ إرجاع السلك البراني لدورتهةالكهربائية الطبيعية؟ أيّ الخصائص الثقافية أنسب لإستزراع هذه التجربة الرائدة لضمان نموها في المستقبل؟ كيف يمكن التخلص من أكثر الخصائص ضررا وإحتواء أكثرها نفعا؟ ألا يتطلب ذلك تحليل هذه التربة للتعرف على ذات الخصائص والنظر في كيفية تثويرها، لا سيما أن مفهوم التنمية لم يعد مقتصرا على التنمية الإقتصادية، بل بات يشمل التنمية الإجتماعية والبيئية والمؤسسية، فالإنسان هو وسيلة التنمية كما هو غايتها؟


لله درهم، ما أعظمهم من فتية ... سياسيون في حراكهم، استراتيجيون في مهامهم، مدنيون في أقوالهم، صوفيون في زهدهم، عسكريون في بسالتهم. لن أكثر فهم السودانيون الذين جهلهم الاسلاميون، خبرهم الطيب صالح، ووصفهم مؤخرا محمد عبد الماجد مباشرة بعد خروجه من المعتقل في مقالته البديعة (القراية أم دق) . كتب العميد معاش صلاح عربي معلقاً في إحدى القروبات "هؤلاء الشباب المتظاهرون نشأوا في الانقاذ لا يعرفون غيرها ولكن عصرهم هو عصر الانفتاح وعصر المعلومة المتاحة ويرون ويشاهدون العالم من حولهم وهم يعيشون واقع مخالف تماما داخل بلادهم .. هؤلاء الشباب ليسوا بطلاب سلطة كما هو حال بالنسبة لليق السياسي الذي حكم السودان منذ الاستقلال وحتي يومنا هذا .. هؤلاء الشباب طلاب دولة متطورة متقدمة شفافة يعيشون فيها بدون تفرقة يحققون فيها احلامهم يشاركون في تطويرها احرار في قرارهم لا خوف ولا تبعية يشعرون فيها بالعزة والكرامة ويتفاخرون بهذه الدولة في العالم .. وتسقط بس عبارة بسيطة ولكنها عميقة لا تعني بقذف الاخر للبحر وانما توضح سقوط النظام القائم الآن في نظرهم بعد ان تعشموا منه الكثير وخاب عشمهم في النهاية."


من كان يصدق أنه وفي ذات الوقت الذي كانت النخب فيه تمني نفسها بالغنيمة، تحيك المؤامرات، وتعمل فيه مع المجتمع الدولي علي تقنين خطة "الهبوط الناعم"، تحدث فيه "هبة" تعبث بعظيم فكرهم وتبعثر ما ادخروا من العشم؟ (هذا يذكرني بقصة الأستاذ الذي كان يحاضر تلامذته ويحدثهم عن استحالة سقوط حائط برلين في حياتهم، وقبل أن ينتهي السمستر كان الحائط قد إنهار ومضى أثرا بعد عين. فقد كانت عزيمة الشباب على تخطي حائط الأيديولوجيا حينها أقوى من مقدرة أبائهم على حراسة تلك الحدود).


إن من مضوا في هذه الطرق الشائكة استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا، إذ فوجئوا يوم رجوعهم بهبة الشباب، فقالوا استدراكا إننا كنا نعد لذلك اليوم سنين عددا، وتم ذلك بصياغة كانت أكبر إهانة لجموع الشعب الهادرة، ذلك بأنهم كانوا طيلة هذه الاعوام غاضبين وعلي الجمر ممسكين (ليسوا للطلح أو لرائحة الشاف متذوقين)، ولم يكونوا يوما فرحين مثل ذريته الخائبة تستفزهم لحظات حرجة أو خلجات نفس ولهة. مثل هذه السقطات يقع فيها قادة من النوع الذي يظن أنه يتحكم في مسيرة التاريخ وصيرورة الاحداث. لقد انعتقت هذه الأجيال من الخرافة واعتزمت ألا تهدي الطائفية ببيتيها أو الإمبريالية الإسلامية بشقيها بقية من عمرها (ما فعله الكهنوت في هذه البلاد يرتقي إلى مرتبة الخيانة العظمى لأنه تاجر بإرث أهل السودان)، دون مقاومة أو شهادة ترتقي بها سلم المجد وترتفع بهم في ملكوت السماء. أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فنهاه وأمره فقتله." هذا شهادة من قتل صبرا في سبيل الله وامتثالا لكتابه.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.