في ذات صباح وأنا أصطحب صغيراتي إلي المدرسة صبحاً ذرفت عيناي دمعاً، ولهت إحداهنّ بل عجبت إذ رأتني طرباً -- فكيف يجمع المرء بين الحزن والفرح؟ وأنا أتسمّع إلي أحد معلمي الوطنية ومنشديها العظام، الباهي العطبراوي، وهو يتغنى بقصيدتي الأثيرة (يا وطني العزيز)، تفكرت فيمن يُبلغ عنّا الشهداء عمّا حققناه من نصر. فقد كانت أجمل أمنياتهم بعد ما رأوا من النعيم المقيم، هو أنّ نمضي في طريقنا لا نلوي واّلا نعبأ بالصعاب ولا ندخر جهداً في سبيل التغلب علي التحديات الجّمة، فتلك همة مطلوبة بل هي رغبة مهيوبة وجب اكتنازها كي نستطيع صناعة مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.

يجري البحث هذه الايام عن شخصية "مستقلة" تملي الفراغ الذي ظل شاغراً لمنصب رئيس الوزراء. فالصعوبة التي تواجهها المجموعة المنوط بها تحديد هذا الشخص مرجعها الاتي:
أولاً، هذا أمر طبيعي يحدث حال الانتقال من الشرعية الثورية إلي الشرعية الديمقراطية، والتحدي المُتمثل في صعوبة المزواجة بين الديمقراطية المباشرة (Direct Democracy) والديمقراطية التمثيلية (Participatory Democracy) أي التوفيق بين شرعة الانتخاب وشرعة الانتداب .

ثانياً، هنالك هوة بين رغبة المعتصمين وطموح المفاوضين، لا يمكن التغلب عليها إلاّ إذا أقررنا بأننا وفي ظل التدافع المضنى والطويل مع عصابة الإنقاذ قد دُجِّنا، هذا إذا لم نقل بأنها أي العصابة "أفلحت" إذ هربت (أو أُقْصِيت) بعد أن سَكَّنَت فينا منهجيتها وآلياتها في تدمير الذات. فهل سنفلح في طرد نافع علي نافع (أحد رموز النظام البائد) من دواخلنا بعد أن طردناها من سوحنا وساحتنا؟

لا أستطيع الإجابة علي هذا السؤال لكنني أجزم بأن نخبنا تحتاج إلي إعادة تأهيل نفسي ومعنوي، قبل التطرق إلي حاجتها الملحة والعاجلة إلي تلقي تدريب عملي و ميداني في قضايا الحكم، التي أصبحت قضايا متداخلة، شائكة ومعقدة.

ثالثاً، قبل التطرق إلي الأسس المعيارية والآلية أو المنهجية اللازم اعتمادها لتحديد المرشح، يلزم أن نتحدث عن الاولويات السياسية، أو التعريف بالمرشح كي يعرف المواطنون مدي الاستعداد النفسي، للمرشح المنوط به تحقيق الأهداف الاستراتيجية العليا للثورة، وليس خدمة أهداف خاصة به. فشرط المشاركة في أي فاعلية هو إقرار المُشَارِك بأهداف المنشط قبل التحقق من أهلية ذاك الشخص للانخراط في عمل من المفترض أن يتسم بالتشاركية، الاعتراف، والتبادلية. بمعني أخر، لابد من ضبط الأسس الإجرائية بعد التأكد من تحقق تلكم المبدئية.

إن الأولويات السياسية والمبادئ الأساسية للثورة تتخلص في الآتي:
• سيادة القرار الوطني وصيانته من التطفل، والنأي بالسودان عن دوائر الإستقطاب الإقليمي والدولي فليس ثمة شيء جرح كبرياء السودانيين في الأونة الأخيرة مثل تسول الرئيس المخلوع وارتمائه في أحضان المترفين المتخمين من كآفة أنحاء العالم العربي، الخليجي خاصة. هنا يلزم توجيه سؤال لقادة المجلس العسكري الذين استخدموا اللجنة الأمنية كسلك براني (خارجي) سهل لهم تجاوز التعقيدات التي تقتضيها طبيعة التعامل مع الجيش كمؤسسة وطنية تم تجيير إرادتها منذ زمن بعيد:

هل ما قمتم به أيها السادة وما تسعون لتحقيقه هو مشروع استقلالي وطني (أم) هو استثماري تجاري؟ هل هو مشروع استثماري تم ترويجه كمشروع وطني، والى أي مدى يمكن نجاح هذا الأمر دون الاصطدام بالإرادة الشعبية أو بالمؤسسة العسكرية؟

• تحقيق السلام داخلياً وإطفاء الحريق الذي نشب في كافة أنحاء الريف السوداني وظل يستعر بفعل العنصرية التي ظلت تمارسها النخب المركزية لقرون، بل تسعي لتقنينها من خلال الممانعة لتغيير بنية الوعي وتأطير سبل التفكير.

• إلغاء كافة أنواع التمييز والاقصاء التي كانت تمارس بشوفوفية متناهية ضد النساء، الشباب والفقراء.

لا يعقل أن نطالب بشخصيات "مستقلة"، فيما نوقن بأنّها مستقيلة، جَبُنت عن إبداء رأيها طيلة الثلاثة عقود الماضية في قضايا جوهرية كالمذكورة أعلاه، الأدهى أن تكون قد استخدمت مبدأ التٌقية تحسباً لمثل هذا اليوم الذي تمحص فيه الآراء وتمتحن فيه المواقف. ظللت أكرر لمدة عقد من الزمان بأن الحياد في شأن المحنة التي عاشتها بلادنا هو موقف غير أخلاقي، كما أن الكسل الفكري أمر غير مجدي. لأن من لم تؤرق مضجعه قضايا شعبه، لن يعرف طريقاً إلي حلها. فبلادة الضمير هي سبب تعطل التفكير.

عطفاً علي هذه النقطة، أود أن أقول بأنه من غير الإنصاف إبعاد النخب الحزبية تماماً، بيد أننا يمكن أن نحدد لها نسبة لا تتجاوز 15%، فقد يكون المرء متحزباً، لكنه مستقلاً في تفكيره حراً في إبداء رأيه، ينطبق هذا الأمر علي قامات من ذات اليمين ومن ذات اليسار، والامثلة كثيرة لمن تفكر واعتبر. أمّا أحزاب الوسط، لاسيما الطائفية منها، فلا يلزم أن تؤخذ بموقف قيادتها، لأن هذه القيادات أفرغت الأحزاب من رجالاتها وجيرت إرادة عضويتها من خلال صراع مرير ليس هنا المجال لذكره، حتي ظن الكل بتواطؤها وهي من ذلك برأ. ينطبق هذا الأمر علي حزب الأمة أكثر من إنطاقه علي الاتحادي الديمقراطي. لقد صمد حزب الأمة صموداً باهراً، مما أعجز قيادته ودفعها لعسكرته (إحالة القيادة إلي شرطي وعسكري متقاعدين)، الأدهى اعتماد مبدأ التوريث لمتطلعة تعاني من انفصام في الشخصية وافتقار كامل لأسس التفكير المنطقية.

إن بعضً من القيادات الحزبية التي تفاوض عن المعتصمين اليوم هي قيادات أفرزتها "سياسة وضع اليد"، ظروف الفراغ السياسي، تعطل مسيرة التدافع حتي اصبح الفارق بين القادة الحاليين وبين الفئة العمرية المتواجدة في الميدان ثلاثة عقود، هامش الحرية المتاح لمجموعات أثنية دون أخري، إلي آخره.

بالنظر إلي حجم التحديات وإلي القضايا المناقشة أعلاه، فإنني أقترح أن يُمْهَل رئيس الوزراء الُمنْتَدَب فترة ستة أشهر يستطيع من خلالها تكوين مجلس الوزراء وألا يُلْزَم بأسماء قد تعيق إمكانية الاستيعاب للأخرين "المُبعدين". يجب أن يعرض هذا الشخص (أو الفرد الُمْمتَحَن) برنامجاً واضحاً ولو في شكل التحديد للمبادئ العامة، حتي يتم تمحيصها وفحص محتوياتها من قبل القادة العسكريين (لجنة الأمن في العهد البائد والتي عَيَّنت نفسها وصي على القوات السودانية المسلحة مستغلة ظروف الفراغ السياسي وإحساس المواطنين بالمحنة)، الصحفيين المحترمين وليس العاهرات اللائي عملن طيلة الثلاثة عقود على تزييف وعي المواطن السوداني، وحتي المواطنتين المعتصمين، فهؤلاء أولى بالاستشارة وقد وفق تجمع المهنيين إذ قرر إعلان أسماء المرشحين في الميدان العام. فذلك حريّ أن يكشف عن بعض مقدرات المرشح، والاهم يعطيه ثقة في النفس تجعله يقاوم أي محاولة من العسكريين أو المدنيين للتغول علي سلطاته.

أفلح الصحفي والأستاذ/ عثمان ميرغني، إذ نوه إلي أهمية إخضاع القوات النظامية لسلطة رئيس الوزراء. هذا الأمر وإن اعتمدته الشرعية الثورية فإن تقريره يعتمد علي قوة شخصية رئيس الوزراء، الذي يجب أن يستعين بالضغط القاعدي للمعتصمين والضغط الفوقي للأوربيين، والأمريكان إلى حد ما، في تفريغ سلطة العسكريين وإحالة مجلسهم إلي لجنة دفاع وطني مهمتها رفع تقارير إلي معاليه. لقد كانت المؤسسة العسكرية أكثر المؤسسات تضرراً من حكم العسكر، ولذا فإن حسم وضعيتها بالطريقة التي وصفته أعلاه من شأنه ان يزيح عن العسكريين عبء السياسة ويجعلهم يتفرغون لتجويد الشأن الفني استعداداً لتحمل مهمة الدفاع عن الوطن والمواطنيين.

إن ضعف شخصية الرئيس أو حيادتيه من شانه أن يحيل التحديات (التنموية منها خاصة)، الي معارك مرجئة بين العسكريين والمدنيين، العسكريين فيما بينهم، والمدنيين فيما بين أنفسهم، إلي آخره من سبل التدافع غير السوي.

إن عقم النخب المركزية عن استحداث طريقة جديدة في التفكير قد ساهم في إعطاء العسكر فرصة لن يفوتونها (تأثراً بطريقة تأهليهم وليس بالضرورة تشككاً في نواياهم) في محاولة الاستحواذ علي المشهد السياسي، تأطير العلاقة راسياً، وتأسيس نوعاً من الهرمية تضخم من ذاتهم التشريعية والتنفيذية وقد تستفزهم في التمدد في كافة الأصعدة، التي هي من مسؤولية وصلاحية الجهاز السياسي المدني.

أود أن أدلف في الجزء الأخير من هذا المقال إلي الاسس المعيارية، بعد ان تطرقت لشكل المنهجية التي يمكن أن تتبع لاختيار رئيس الوزراء القادم.
إن معيار الاختيار يحدد علي ضوء التحديات التي يلزم التغلب عليها، وهي كالاتي:-

• ما هو السبيل الأمثل للانتقال من السياسة بمعناها التعبوي إلي السياسة بمعناها الاحتراقي؟

• كيفية التوفيق التفعيلية والتمثيلية بالنظر الي حجم النتوءات الأثنية والجهوية والطبقية وعظم التحديات الحالية؟

• كيف يمكن أن ننجح في خلق علاقة عضوية بين المجلس السيادي والجهاز السياسي المدني في الفترة الانتقالية تتسم بالندية ويشوبها نوعاً من الأريحية اللازمة لبناء النقابة ودعم جسور التواصل بين هذين المجلسين المهمين؟

ختاماً، إن اختيار قائد يمتلك رؤية يمكن أن تحدث تحول نوعي في سياقات الفكر السياسي السوداني ويفتح مسارات من شأنها أن ترتقي بحياة المواطنين وترتقي بمعاشهم يتطلب اعتماد منهجية صارمة أشبه بالمنهجيات التي تعتمدها الجامعات لاختيار العميد المؤسس لاحدي الكليات، والتي تعتمد معايير لا تقتصر علي الكفاءة العلمية والإدارية فقط، إنما تأخذ في الاعتبار مقدرة ذلك الشخص وبراعته في التنقيب عن ملكات الأخرين، اجتذاب أراءهم، صياغتها وبلورتها في وثيقة استراتيجية تعمل القيادات والأجيال من بعده على تنفيذها ومراجعة بنودها.

إن من الضروري أن يعهد للسفارات في كل دول العالم التواصل مع الدول المضيفة كافة لتسهيل دور الخبراء السودانيين في المهجر، ترشيد وتفعيل طاقاتهم عبر منصة للسياسات التنموية يتم تشييدها في كل دولة، تلتقي دورياً في مؤتمرات إقليمية (أمريكا، كندا، الخليج، إفريقيا، الصين، ألى أخره من الأصقاع التي يتواجد فيها السودانيون)، وتكون من أهم واجبتها أن ترفد الأمانة العامة للتخطيط التنموي (التي هي بمثابة ال Think Tank) في الدولة بالآراء والإحصاءات اللازمة. لا محيص إذن عن الاستعانة بالفكر واعتماد العلم – الذي هو نقيض الدجل– كي يتسنى لنا الانتقال من طور السياسة بمعني الحيازة إلي السياسة بمعني الكياسة، ومن الأخيرة إلي السياسات المبنية علي النتائج والأهداف الرشيدة.

يجب أن لا يقتصر جهدنا في البحث عن مجرد خبير، بمعنى "أفندي قد يكتفي برفع التمام لشاويش"، فنحن نبحث صاحب رؤية تحويلية، سياسي غير مؤدلج، ناشط لا يمكن تدجينه، قديس لا يمكن تدنيسه، صنديد لا تستهويه المطامع ولا ترهبه المدافع، حكيم لا تستميله حيل المتملقين وحليم ولا تستفزه اراء المتغولين. فالاعتماد على أهلية ذلك الشخص يكون على قمته في بادئ الأمر، وتدريجيا يتناقص حتى يضمحل تماما متى ما تم ترفيع القدرات المؤسسية وقل الاعتماد على الكاريزما. إذا لم نجد ذاك المؤسس في هذه اللحظة الحرجة، فواجبنا أن ندعم من هو أفضل في زمرة الراغبين غير الولهيين أو المتطلعين، وأن لا نبخل عليه بالمشورة اللازمة، فما عاد العالم يحفل بالكاريزما قدر احتفائه بالعمل الجماعي المؤسس علي الشوري والرامي لتحقيق مجتمع علمي ديمقراطي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////