رأى أحدهم صورة رئيس تشاد إدريس دبّي وكبير مساعدي الرئيس السوداني السابق، الأمين العام السابق لحركة تحرير السودان، مني آركو مناوي وقائد قوات الدعم السريع في السودان، نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، محمد حمدان دقلو (حميدتي) عند زيارة الوفد الحكومي السوداني تشاد الشهر الماضي (يونيو/حزيران 2019)، فعلق بقوله: "ثلاثة تشاديين يقرّرون في شأن السودان". ولم يخل ذلك التعليق من طرفة تحكي ركاكة الحالة السودانية، فثلاثتهم لم يجتمعوا لمناقشة أمن بلادهم ومستقبل التنمية فيها، إنما توافدوا بِإمرة "الكفيل" للتفاكر عن كيفية تطويق الحراك، وللتباحث أيضاً عن سبل لتأمين مستقبلهم الشخصي، حال الانهزام وفشل المشروع التوسعي والاستيطاني.


الرئيس دبّي مرعوب من وصول حميدتي إلى الحكم في السودان، لأنه يخشى بطش القبائل العربية به، وقد سامهم هو وآخرون سوء العذاب، فأيُ تحالفٍ للقبائل العربية، خصوصا الرزيقات الحيماد، مع القبائل الأخرى، سينهي دولة زغاوة في تشاد (أو هكذا يتصوّرونها). وحمديتي يعلم أنه لا محيص له من تسليم الحكم للمدنيين، الأمر سيدخله في مواجهة مع "الإنقاذيين"، ولذا فهو يسعى إلى تأمين ظهره حال انقضاض المجموعة الكيزانية (الإسلاميون المرتبطون بالنظام السابق) إياها عليه. أمّا مِنِّاوي فقد علم أنه لا مناص له من التعامل مع غرماء الأمس، لا سيما أن الوسيط (أو العميل) هذه المرة هو أحد أقربائه، وليس "الجلابي" الذي لم يجرؤ مِنِّاوي بعد أن يخلع يده منه، أو يتمرد هو ورفاقه، فيعلنوا انفضاض سامر تكتل "نداء السودان" الذي لم يكن أكثر من خذلان السودان وضياعٍ أمره.


لم تزل الدولة السودانية تُدار بعقلية قبلية، لم تستوعب بعد أن الإشكالات الحدودية والإقليمية هي من صميم إشكال الدولة السودانية التي اعتمدت في تثبيت سلطتها على مركزية وسياسية وإدارية، لم تراع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للأقاليم السودانية المختلفة، ما تسبب في شكل التصدّع الوجداني الذي نراه اليوم، ودفع الكل للانجذاب نحو مركزيات أخرى، توفرت لديها امتيازات مادية، ولربما لبت لذويها أشواقاً روحية. كما أنّ للنخب الريفية ارتباطات وجدانية برصفائها عبر الحدود الجنوبية والشرقية والشمالية والغربية، وقد تكون أحياناً أقوى من ارتباطها بالنخب المركزية التي باتت تعاني من عُزلةٍ شعورية هائلة، على الرغم من تمسّكها بالقومية التي لا تعني لها سوى امتثال الآخرين، وإذعانهم لرأي "أصحاب الحل والعقد".


تخضع الحضارات لقانون الطرد والجذب، فينفعل الأفراد متأرجحين مثلما تنفعل الإلكترونات، فلا غرو أن تنجذب أطراف الهامش نحو المركز التاريخي للحضارة السودانية، مستلهمة العبر وغير مستسلمة لأساليب الاستنساخ المختلفة. محاولتنا استعادة هويتنا لا يمكن أن تكون رهينة لمشاريع انتهازية، يبشر بها أفراد من الهامش منهزمون، جعلوا مستقبل الجماهير الباسلة قرينة لأطماعهم الخسيسة وتطلعاتهم الواهنة.


كان الغرض من نشدان اللامركزية تعزيز الارتباط الشعوري والوجداني بالمركز طوعياً، بيد أنها طبقت بطريقةٍ حدت بالفكرة عن مقصدها، وأحدثت فراغاً انسربت منه جماعات عشوائية، وجدت طريقها إلى أعلى الهرم القيادي في الدولة، مستغلة الهرج والمرج السياسي، ومستفيدة من رغبة دولة التمكين (بمعنى تمكين المقاطيع والمفسدين) في إعادة صياغة الإنسان السوداني، وإذا لم تنجح فاستبداله. عليه، وجبت مراجعة قانون الهجرة واستحداث سياسة سكانية واتخاذ إجراءات حدودية صارمة لاستعادة الوطن المختطف.


لقد يئست الدولة الكيزانية (الحركية الإسلامية) من تفاعل الإنسان السوداني مع أوهامها، فعمدت إلى انتهاج سياسة "الإحلال والإبدال" التي استقطبت القبائل الحدودية، من كل النواحي الحدودية (مأساة أهل الشرق لا تقل عن مأساة الغرب)، مكّنتها وعملت على تهميش ذويهم بالداخل (بمعنى داخل الإطار القومي). النهج الإقصائي الذي اتبعته قوى إعلان الحرية والتغيير (قحت) من قضايا الهامش، ومن قيادته في بادئ الأمر، لا يبرر لأبناء الهامش الوقوع في أحضان هؤلاء العسكر المرتشين، كما أن الجرم الذي ظل يرتكبه "فلاقنة الهامش" تعاوناً مع الأمنيين والإسلاميين في اغتيال الناشطين لا يمكن درؤه بتهمة العنصرية، كأن يكتب أحدهم (محمد عيسى عليو): "الهجمة الإعلامية الشرسة التي تواجه قوات الدعم السريع تؤكد أن هذا البلد تتقمصه مكونات إقصائية لا تريد للآخر أن يكون له دور في خدمة الوطن إلا ثانوياً وهامشياً". متى كان ارتكاب المجازر والغدر بالصبيان والكهول والنسوان (العيين) خدمة للأوطان؟


لقد فارقتم، يا معشر الجنجويد، قيم الإسلام والعروبة بأفعالكم المخزية، وجنحتم عن مواثيق النبل والرجولة. أين هي الشجاعة في اصطياد العزّل من فوق البنايات؟ أين هي الشهامة في اقتحام المنازل والتعرّض للحرمات؟ أما آن لنا أن نتخذ مسافة أخلاقية من هؤلاء المجرمين وأولئك المفسدين؟ لا يحتاج الهامش للاستقواء بالسلاح قدر حاجته الاستنجاد بالحُجة. نحتاج لتطوير فكرة الهامش، لئلا تستحيل إلى فكرة قبلية قاصرة، أو تصبح تجارة رابحة، يتنقل بها أصحابها بين العواصم العربية، والأفريقية التي لا تريد سوداناً مستقرّاً أو مزدهراً، كي يتسنّى لهم اقتطاع أراضيه وسرقة ثرواته. وها هم جماعة "الجبهة الثورية" يتهيأون للالتقاء بالرئيس أسياسي أفورقي في إريتريا، بعد أن التقى بعضهم بالرئيس دبّي في تشاد.


السودان محاط بحزام من الأوتوقراط الذين يرتجفون خيفةً على عروشهم التي بات يتهدّدها الزوال، فقدر هذا الشعب العظيم أن يخوض هذا المعترك أصالةً عن نفسه ونيابة عن الآخرين. السودان الديمقراطي سيُكَفِر عن سيئات منظومة نظام الإنقاذ التي ساعدت هؤلاء القادة، بل مكّنتهم من الوصول إلى السلطة، فكان أن أذاقوا شعوبهم سوء العذاب، نكّلوا بهم، ولم يحفظوا للسودان الجميل، بل كادوا له كل الكيد، وباتوا يستغلون محاصيله الزراعية التي تُهَرَب إليهم، ويعتاشون من موارده البترولية والغذائية التي تأتيهم من دون عناء. هذا إذا استثنينا مواطنيهم الذين يعيشون عالةً على بلدٍ هاجر أكثرية أهله، ومن بقي منهم بات مغلوباً في أرض أجداده ومأوى ربعه وخلانه.


ختاماً، لقد فجّر الشعب السوداني ثورته كي يقطع على السياسيين العاطلين فرصة التسول بالقضية، وكي يفسح للآخرين الحادبين فرصة الالتقاء بالمواطنين، والتفاكر معهم في الخرطوم، لا سيما أن الكل قد يئس من محاولات التفاوض الثنائي، بل وأيقنوا أنه لا طائل من حيل الاستقطاب الثنائي والأحادي، فالحل يبقى في التقاء المدنيين والديمقراطيين في مؤتمر مائدة مستديرة، تُعرض فيه القضايا، وتُناقش دونما وساطةٍ تجرف الحوار، أو أجندة تغري بالمساومة. تُسند الأدوار للرجال الذين يتوخون خدمة المواطنين، ملتزمين المواثيق، مُيَمِنَة أفئدتُهم صوب الوجهة وملتزمة ضمائرهم بالعهدة الثمينة والمتمثلة في الحفاظ على المصلحة العليا للبلاد، ولا تسند الأدوار لساسة مُغْرِضين أو ناشطين غير متمرسين.


كاذب، بل واهم، من يظن أن وجود الغرابة (من غرب السودان) في المجلس العسكري، يبشر بصعود أبناء الهامش، ويغري بإمكانية استعادة الغلابة دورهم الطليعي والطبيعي في الدولة السودانية. هذا صمود وقتي تعقبه انتكاسة، يكون أكثر المتضرّرين منها من المستضعفين الذين دأب هؤلاء "المصلحون" على نصرتهم. لم يناضل أفراد الشعب السوداني، والهامش خصوصا، كل هذا النضال لكي يجدوا أنفسهم وقوفاً على أعتاب السلاطين، لتمجيد "كائنات أميبية" تتمدّد متخذة أوصافها من شكل المواعين التي أوجدها فيها رب المعمل، بعد أن تغذّت من مخلفاته.


المشروع الذي ظللنا نبشر به يحتاج إلى كَياسة، ولا يحتاج إلى قَنّاصة، أصحابه يمتازون بالنبل والحصافة، ويتمايزون بقدرتهم على العطاء في باحةٍ تسودها الجماعية، وتكتنف أريجها العلمية والموضوعية. المفكر لا تدفعه الحمية، إنما تستنطقه النازلات، وتستفزه الحادثات حتى تستبين له سبل الضلال من سبل الرشاد، فمن أعظم من الشاعر علي عبد القيوم لتبيان هذا الواقع؟


أيّ المشارق لم نُغازل شمسها؟/ ونُميط عن زيف الغموض خِمارها؟/ أيّ المشانق لم نزلزل بالثبات وقارها؟/ أيُّ الأناشيد السماوياتِ/ لم نَشْدُد لأعراس الجديد/ بشاشة أوتارها؟