عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عمود : محور اللقيا
آيات الله قد هدت الجبال , هكذا يقول أهلنا الطيبون و يؤمنون بما يقولون و يزدادون إيمانا ... و أنا أقرأ في كتاب الله إستوقفتني آية كثيرا , لأنني قد ربطتها بواقعنا المعاش حاليا . يقول الله تعالى في سورة آل عمران : ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) الآية 118 , و قد جاء في التفاسير و الحواشي أن الله قد نهى المؤمنين أن يتخذوا المنافقين في المدينة خواصا لهم لأنهم ظاهريا يبدون للمؤمنين إسلامهم و الولاء لهم بينما هم في قرارة أنفسهم يودون جرهم إلى الكفر مرة أخرى , و قد بيّن الله صفات هؤلاء البطانة أنهم منافقون و أنهم لا يقصرون في فساد الدين و أنهم يحبون العنت و المشقة الشديدة للمؤمنين ! سبحان الله , على من تنطبق صفات هؤلاء البطانة ؟
الإنقاذيون إستولوا على السلطة بحجة إنقاذ المواطنين مما كانوا يكابدونه في ظل حكومات الديموقراطية الثالثة من تدهور للوضع الإقتصادي و إزدياد في حدة التضخم و إرتفاع للأسعار و خراب للمؤسسات العامة و إنهيار للحدمات الصحية و التعليمية و تعطل للإنتاج و إنشغال للمسؤولين بجمع المال الحرام و تفشي للفساد في كل مرافق الدولة , مما جعل المواطنين على حافة المجاعة .. هذا ما ورد في البيان رقم (1) عند إنقلاب الإنقاذيين في 30 يونيو 1989 و كأن اليوم هوالبارحة !
لم يتخذ المواطنون بطانتهم الإنقاذية بحكم إرادتهم بل هي قد فُرضت عليهم بقوة الشرعية الثورية و يا لها من قوة ! هذه البطانة قد كان همها الأول هو تثبيت أقدامها على أرضية الحكم و قد أخذ منها هذا الأمر الكثير من الجهد و الوقت في سبيل التمكين الذي أنساها هدفها الذي أعلنته أولا من أجل المواطنين . مع مرور السنوات تحولت الشرعية الثورية في الحكم إلى شرعية دستورية بعد حل مجلس قيادة الثورة و إنتخاب الرئيس البشير رئيسا للجمهورية ثم إجازة دستور نيفاشا 2005 و الذي أدى إلى إنتخابات ( الخج ) في عامي 2010 و 2015 و بذلك صارت البطانة الحاكمة هي شكليا من إختيار المواطنين !
هذه البطانة لا تحترم المواطنين من عامة الشعب و ليس لها إحساس بأنها قد أتت من أجل خدمتهم , بل على النقيض فإن خطابها الإعلامي مفعم بالتعالي و الإحتقار للمواطنين فنعتتهم بأنهم كانوا قبل الإنقاذ ( شحادين ) و كانوا لا يلبسون سوى قميص واحد أو قميصين و أنهم لم يكونوا يعرفون ( الهوت دوق ) و أن عليهم العودة إلى أكل ( الكسرة ) و أنهم لم يكونوا يعرفون الكهرباء في أرجاء عدة .. أما عن خطاب التحدي و خلق العداوات فهو المهيمن على الخطابات السياسية المفعمة بالترهيب و الوعيد و بإطلاق النيران من أجل القتل و بحمل السواطير و الفؤوس و قطع الرؤوس , و أن من لا يعجبه الأمر عليه بلحس كوعه ! إضافة لذلك كانت المعاملة السيئة للنساء بموجب قانون النظام العام بشكله الهلامي , ثم إستشراء الفساد الذي أقعد بالبلاد و أدى إلى تفشي البطالة و الإفقار و إلى إرتفاع الأسعار إلى مدي فوق طاقة المواطنين . لقد جرت محاولات للقضاء على الفساد بتكوين مفوضيات لمحاربة الفساد و لكن كان يتم وأدها كل مرة لأن هنالك إنطباع عند الفئة الحاكمة كما ورد على لسان أحدهم عندما سؤل : ( من أين لك هذا ؟ ) فأجاب عليهم بأن تلى عليهم من الآية 37 من سورة آل عمران : ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) !
في سورة الكهف التي نداوم علي قراءتها صبيحة كل يوم جمعة تلى الله تعالى عن ذي القرنين علينا منه ذكرا و أنه تعالى قد مكّنه في الأرض ثم خيّره بين تعذيب القوم الذين وجدهم في تتبعه لمسلكه أو أن يتخذ فيهم حسنا , فكان رد ذو القرنين في الآيتين 87 و 88 : ( قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يُرد إلى ربه فيعذبه عذابا نُكرا , و أما من آمن و عمل صالحا فله جزاءً الحسنى و سنقول له من أمرنا يسرا ) صدق الله العظيم . أوليس هذا خير مثال لمن يمكّنه الله في السلطة كيف يكون حكمه ! العدل هو أساس الحكم , و هذا ما تتبعه السلطة القضائية و السلطة الإدارية في الأنظمة الديموقراطية , العمل بالأحكام الدنيوية و ترك الأحكام الأخروية للعزيز المقتدر . في نفس سورة الكهف يقول الله تعالى في الآيتين 103 و 104 : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا , الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صُنعا ) صدق الله العظيم .
كل الذي ذكرته من أفاعيل الإنقاذيين الذين أظهروا غير ما يبطنون في بداية حكمهم ثم عندما تحكموا و تمكنوا ظهروا على حقيقتهم و بأوجه أخرى لم يقصروا فيها في فساد الدين الحق و في حب العنت و المشقة الشديدة للمواطنين المؤمنين .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم وهو التعايش السلمي الديموقراطي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى المكون السوداني العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !