عمود : محور اللقيا

ربما يجول بخاطر القارئ العزيز بعض من تساؤل عمّا هو المقصد من العنوان اعلاه و ما هي أهميته , و لكن لسبر غور الخاطر الغالي أشير إلى أن الكثير من تخاطبنا على وسائل التواصل الإجتماعي و الصحف صار ينقر على أوتار العروبة و الأفريقانية و هل نحن عرب أم أفارقة و أننا كنا سنكون أفضل الأفارقة بدلا من أن نكون أسوأ العرب , و حديث كثير يقال في هذا الأمر و كأنما الأمر صار صراعا بين العروبة و الأفريقانية في عنصرية بغيضة كانت غير معروفة عند دخول العرب السودان و تقبل النوبيين لهم في ممالكهم المسيحية الثلاث و كذا كان الحال عند تحالف عبد الله جماع و عمارة دنقس ( تحالف عربي – أفريقي ) عند قيام السلطنة الزرقاء , و لكن ظهرت العنصرية في العهد التركي حيث تم تفضيل العنصر الأبيض على الأسود بناء علي ثقافة البحر الأبيض المتوسط , ثم حدث العكس في فترة الدولة المهدية كرد فعل لذلك فتم تفضيل العنصر الأسود على الأبيض ! الآن تطور الأمر و صرنا نقرأ في وسائل التواصل الإجتماعي أن بعضا من السودانيين المستنيرين قد أخذوا عينات من دمائهم لفحص الحمض النووي DNA و تبين لهم من الكروموسوم Y أنهم ينتمون إلى السلالة الأفريقية و ليست العربية ! سوف أبين ان نتيجة فحوصاتهم تلك سليمة و لكن فاتهم أن السلالة الأفريقية أصيلة بينما الشعب العربي متحول و أنهما وجهان لعملة واحدة .
يقول علماء الآثار و الأجناس أن الإنسان العاقل منتصب القامة قد ظهر في أفريقيا منذ 200 الف عام , و من أفريقيا حدثت هجرات الإنسان إلى بقية العالم , فكانت الهجرة الأولى من أفريقيا بواسطة أشباه الإنسان منذ 2 مليون عام بسبب تغييرات مناخية أدت إلى تضخم الصحراء الكبرى و تغيير مجرى النيل و كانت عن طريق القرن الأفريقي إلى كل مناطق العالم . ثم كانت الهجرة الثانية بعد العصر الجليدي الأخير فكانت الهجرة من أفريقيا هذه المرة نتيجة للتغييرات المناخية و قد عُرفت هذه الهجرات عن طريق خريطة الجينوم البشري و كانت قبل حوالي 60 ألف سنة فدخلوا عن طريق باب المندب إلى الجزيرة العربية ثم شمالا إلى الشرق الأدنى و من ثم إلى بقية العالم . المهاجرون من أفريقيا الذين إستقروا في جنوب الجزيرة العربية كوّنوا سلالة العرب العاربة و يمثلهم القحطانيون ذوو البشرة السمراء و قد سُمي قوم عاد و ثمود و جديس و طسم بالعرب البائدة و أُطلق إسم العرب المعربة على العدنانيين أحفاد سيدنا إسماعيل و أُطلق إسم العرب المستعربة على خليط العرب مع الشعوب الأخرى و هم الغالبية , و في الحقيقة فإن لفظ عرب كان يطلق قديما على البدو و قد وردت كلمة أعراب في القرآن بهذا المعنى , و أظن لا زلنا نطلق في السودان لفظ عربي علي البدوي . لقد إستقر الوضع في جنوب الجزيرة العربية بعد بناء سد مأرب في الألفية الثانية قبل الميلاد و لكنه تعرض إلي ثلاثة إنهيارات منذ عام 800 قبل الميلاد أدت ألى هجرات إلى الشمال وإلى الغرب عودة إلى أفريقيا حتى إنهيار السد تماما في عام 575 ميلادية بسبب السيول و الفئران التي أحدثت تشققات في صخوره , ثم بعد ذلك غزا الأحباش جنوب الجزيرة العربية لهدم الكعبة .
لقد تفشت في أمريكا ظاهرة التقصي لمعرفة أصلول السلالات بين الأمريكيين عامة وذوي الأصول الأفريقية خاصة و ذلك عن طرق فحص الحمض النووي و الكروموسومات و قد تبين من نتائج الفحوصات أن أصول جميع الأمريكيين الأفارقة تعود إلى سلالتين أفريقيتين تم إعتبارهما كسلالتين أفريقيتين أصيلتين و هما سلالة النوبة و الزولو ! النوبيون يعيشون في الجزء الشمالي من السودان و كانت لهم طرق تجارية مع غرب أفريقيا , بينما الزولو يعيشون في جنوب أفريقيا .
إن الحمض النووي DNA للسلالة البشرية يبين كيفية إنتشار الإنسان عبر كوكب الأرض خاصة الكروموسوم Y الذي يحمل الجينات الذكورية و الذي لديه خاصية المحافظة علي النوع , فالرجل يرث كروموسوم Y من والده و كروموسوم X من أمه بينما المرأة ترث كروموسوم X فقط من والديها و نتيجة لذلك فإن كروموسوم Y ينتقل سليما في معظمه من الوالد إلي إبنه إلي ما لا نهاية و يضيف كل رجل جزءا يسيرا جدا إليه و أن الإختلافات الطفيفة تمثل علامات إنتشار النوع البشري علي الأرض . المهم هنا أن العلماء قد أثبتوا أن جذور شجرة الكروموسوم Y موجودة في أفريقيا ! الآن أصبح في الإمكان معرفة التاريخ السلالي لكل رجل من خلال أخذ عينة من دمه و فحص الكروموسوم Y عندها يظهر الأصل الأفريقي واضحا و من ثم التغييرات السلالية الطفيفة ! إن عملية سواد لون البشرة عند الأفارقة يقوم بها جين أميني و لكن عندما تحدث الهجرات من أفريقيا يحدث تعديل لهذا الجين ليلائم ظروف الإضاءة الشمسية الخافتة فيحدث تبييض في لون البشرة !
لقد أثبت العلم ان أصل الإنسان واحد و يعود إلى أبينا آدم الذي كان أدمي البشرة في لون الطين اللازب الأسود و أن إختلافات الألوان و السحنات كانت نتيجة الهجرات و ان رسولنا الكريم قد وضّح لنا مبدأ المساواة في خطبة الوداع التي قالها في وسط أيام التشريق و هو حاج : ( يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد و إن أباكم واحد , ألا لا فضل لعربي على أعجمي و لا لأعجمي علي عربي و لا لأحمر علي أسود و لا لأسود علي أحمر إلا بالتقوى , أبلّغت ؟ قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم قال : أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم حرام , ثم قال : أي شهر هذا ؟ قالوا : شهر حرام , ثم قال : أي بلد هذا ؟ قالوا : بلد حرام , قال : فإن الله قد حرّم بينكم دماءكم و أموالكم و أعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا , أبلغت ؟ قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : ليبلغ الشاهد الغائب ) .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم وهو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى رحاب المكون السودانوي العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.