عمود : محور اللقيا

ها قد أكملت التظاهرات السلمية الثلاثة اشهر منذ إندلاعها في يوم 19 ديسمبر 2018 و لا زالت في زخمها الجماهيري و في بادرة لم تكتف فيها بالعاصمة المثلثة فقط بل تعدتها و غطت كل مدن السودان و بعض قراه ! هذا الزخم الجماهيري و الذي يملأ صدور المتظاهرين و المؤيدين تأييدا و إندفاعا كان حريا به أن يملأ بهم الميادين و الساحات و الشوارع , كما هو الحال في تظاهرات الجزائر التي إندلعت بعد إندلاع تظاهراتنا و لكن لم تطالها القبضة الأمنية الجزائرية في حراكها السلمي كما طالت و لا زالت تطال القبضة الأمنية السودانية المتنوعة تظاهراتنا رغم سلميتها , و في الجزائر لم يتم إعلان حالة الطوارئ و لكن قد تم ذلك عندنا إمعانا في قمع المتظاهرين و مطاردتهم و إقتحام بيوتهم و تقديمهم لمحاكمات تحكم عليهم بالجلد و بالغرامة و بالسجن !
لقد تبين جليا طيلة مدة التظاهرات الجارية أن لا خلاف على قيادة حراكها و توجيهاتها بالتاريخ اليومي و بالساعة فصار الأمر متروكا لتجمع المهنيين السودانيين في تنسيق متكامل مع مكونات تحالف إعلان الحرية و التغيير و في إتباع لسياسة النفس الطويل التي وصمتُ بها هذه التظاهرات في إحدى مقالاتي خلافا لما كان الحال في التظاهرات السابقة . لقد إزداد وعي الشعب السوداني بفعل التراكمات السياسية و التجارب المحبطة و ما بها من دروس قد تم إستيعابها و بفعل الإستنارة من مثقفيه الوطنيين كتابة و خطابة و بفعل إزدياد الضائقة المعيشية و عدم وجود الحلول الحكومية .
هذه المرة و نتيجة لإزدياد وعي الشعب السوداني قد صار للحراك الثوري ميزتان : الميزة الأولى انه قد شمل كل مدن السودان و بعض قراه كما ذكرت و لم يكتف حراكه بالعاصمة المثلثة فقط . أما الميزة الثانية فهي أنه قد شمل سودانيي الداخل و الخارج معا و هذه تعتبر محمدة جديدة لأنه في حالات الثورات السابقة كان دور سودانيي الخارج ينحصر في التاييد و المتابعة و كتابة البيانات و ربما الإحتجاجات أمام السفارات السودانية في بلاد المهجر و لكنهم هذه المرة قد صار دورهم كبيرا و لا يقل أهمية عن دور سودانيي الداخل و سوف أبين لكم هذا في ما تبقى من هذه المقالة ..
نتيجة للتظاهرات داخل السودان و في مدنه المختلفة و للعنف و الضرب و التقتيل الذي حدث للمتظاهرين حتى فاق عدد الشهداء منهم الخمسين شهيدا , تحرك سودانيو الخارج من خلال جالياتهم في المدن و الأقطار الغربية في أوربا و أمريكا و قاموا بمسيرات و تظاهرات صاخبة شارك فيها عشرات الالاف في عدة أماكن , شملت من ضمن ما شملت المسيرة الضخمة أمام البيت الأبيض الأمريكي التي تجمع لها سودانيو أمريكا من كل الولايات والتي أشار المراقبون أنها في ضخامتها قد أعادت إلى الأمريكيين ذكرى المسيرات ضد حرب فيتنام في ستينات القرن الماضي , و تلتها المسيرة الضخمة في تورنتو في كندا في يوم المرأة العالمي و التي تجمع لها كل سودانييى كندا و الجوار الأمريكي و آخرين من جنسيات مختلفة و تحدثت فيها مجموعة من الناشطات السودانيات و تم عرض صور ناشطات أخريات على شاشات مكبرة , ثم تلت تلك المسيرة تظاهرات عدة قامت بها الجاليات السودانية في عدة مدن في بريطانيا متزامنة مع هذه المسيرات و تم عرض صور الناشطات على الشاشات المكبرة في لندن , و من ضمن المسيرات كانت التظاهرة الضخمة التي تجمع لها السودانيون من كل دول أوربا و تلاقوا في بروكسل أمام مقر الإتحاد الأوربي , و لا أنسى هنا دور المدونات و المدونين الذين ملأوا وسائل التواصل الإجتماعي بفيديوهاتهم التي تتكلم عن الحراك الجماهيري . هذه المسيرات و التظاهرات و اللقاءات كان لها القدح المعلى في عكس ما يحدث من حراك جماهيري داخل السودان إلى دول العالم و إلى الميديا العالمية و قد تجلت نتيجة ذلك في ما بدر من مواقف وما سوف يتجلى أكثر .
لا يخفى على أحد الشعور الوطني الجامع لكل فئات سودانيي الخارج و تعاطفهم مع المتظاهرين داخليا و تقديم كل المساعدات المالية و العينية للحراك الجماهيري من الجاليات السودانية في مختلف أماكن تواجدها بل و أماني الكثيرين منهم أن يكونوا داخل السودان مشاركين في المظاهرات , فغالبيتهم قد أُجبروا على الهجرة القسرية سواء من إحالات الصالح العام أو من التضييق أو من الضائقة المعيشية و البطالة , و حتما إذا ما إنقشع الظلام و عاد السودان إلى سابق عهده و تمددت فيه المشاريع الزراعية و الصناعية و كثرت فيه فرص العمل و ما تحتاجه من خبرات و مهارات ... حتما عند ذاك لن يبخل سودانيو الخارج على السودان بما لديهم .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////