ما أن خيم مساء الثالث من أبريل عام 1993 على سماء المستشفى العسكري بأم درمان، حتى حملت الريح ولولتها الحزينة لتغشى سعف نخيل قريته ود النعام في الكربة بمنطقة منصوركتي، لتجعله يميل يمنة ويساراً وكانه ينوح حزناً على النبأ الذي أودعته تلك الرياح المولولة والخاص بصمت وتر ربابة المغني ابن المنطقة وإلى أبد الآبدين، وهو يودع الدنيا وما فيها وقد أسلم الروح في أحدى غرف ذلك المستشفى في ذاك المساء الحزين. وهكذا ينسرب خبر الرحيل ليعم كل بلاد السودان المتوغلة (بأحزانها الحديثة) هي الأخرى والتي جثمت عليها أحداث سياسية ستمتد بلاويها لتلف البلاد بكل المآسي التي توطنت وأصبحت عقبة كؤود في وجه تقدم بنيها نحو مراقي التطور والاستقرار المنشود!.

حينها طاف بخيال قطاع واسع من محبي ومعجبي المطرب الأعمى، التاريخ الفني الذي تشكل به طربه في الرابع من ديسمبر عام 1959 عندما وطئت أقدامه ولأول مرة استديوهات الاذاعة السودانية ليسجل أولى أغانيه، فيتلقى مستمعو برنامج (ربوع السودان) أغنيتين بديعتين من صوت شجي وعلى نغمات ربابة حنينة وهي تعزف (فاوضني بلا زعل) ليلحقها بأغنية (نوارة قنتي) التي كتب كلماتهما ووضع الحانهما بنفسه.
فمنذ مولده في تلك القرية الوادعة عند منحنى نهر النيل في العام 1930، وما أن أكمل وهو غر صغير الخلوة وكذا المرحلة الأولية، حتى بدأت أوتار حنجرته تشتد وتقوى وتصير إلى صوت باهر وجميل، فبدأوا يقدموه في محيط القرية عند مناسبات أفراحهم.
وما بين ضفاف ذاك النهر وأشجاره ومزروعاته وصوت عصافيره المغردة في فسحة القرية، شب مطرب القرية وهو يتشرب كل جمال الطبيعة من حوله، مما شحن حنجرته بالصوت البديع الممتلئ شجناً لينثر به في مقبل سنواته الفنية العامرة درراً خالدة من أغنيات المنطقة وليغدو حاديها والمعبر عن تراثها الخالد الذي حفظه مدوناً ومدوزناً له بين ضلوعه وأوتار ربابته.
وقتها لم يكتمل بعد وعي الأمة بضرورة حفظ وتسجيل وتوثيق تراث البلاد في كل ربوعه، وربما قيض الله لإذاعة أم درمان وجمهور المستمعين كوكبة إعلامية مبدعة من أمثال علي الحسن مالك وعوض أحمدان ومحمد سعيد دفع الله لكي ينتبهوا إلى ضرورة حفظ التراث والفلكلور السوداني لبقاع ومناطق شعوب السودان، وهكذا ولد برنامج "في ربوع السودان" بمقدمته الغنائية والموسيقية الآسرة والتي أضحت إحدى أشهر المقدمات لبرامج الاذاعة مع توأمها الآخر، شعار برنامج (ما يطلبه المستمعون":ـ
من أم در يا ربوع سودانا ،،
نحييك وإنت كل آمالنا.
هكذا ،، أعوام ورائها سنوات إمتدت وطالت، منذ ما بعد استقلال البلاد ،، وما يزال أهل السودان يؤملون في ربوع بلادهم التي هجر بنوها أراضيها الخصبة الشاسعة زرافات ووحدانا ليتكدسوا بعاصمتها، ومن ضاق به الحال أكثر، هجر البلاد بكاملها.
هكذا إذن ولد البرنامج الأشهر في الاذاعة السودانية، سيما وأن شكل وطريقة وأسلوب مطرب الشمال الجديد ولونيته التي انتقل بها من منطقته إلى العاصمة قد ساهمت في اندياح هذه اللونية ليغدو البرنامج المشار إليه، هو الحاضن والناقل لأغنيات كانت غارقة في محليتها إلى رحاب القومية التي احتفى بها أهل السودان واستقبلوها بمحبة عززت من ثراء التنوع الثقافي الذي من المفترض أن يساهم في إغناء وإثراء الهوية السودانية التي ما يزال أهالها يتباحثون حول توافق بشأنها!.
وهكذا ساهم مطربنا العزيز في خلق الأرضية التي قامت عليها دعائم طرب الشمال بكل بهائه وحنينه ومودة العلائق بين سكانه، حيث شيد المداميك الأولى لأغنية الطنبور ومتًن من أساسها في دروب مسيرة الأغنية السودانية.
فتقدم بأغنية الطمبور في لونيتها الفلكلورية والتراثية، أدخل عليها الكورس ليعضد من مكانة الغناء الجماعي عند أهل الشمال، وأعلى من شأن (الصفقة والرقيص) البديع ليغدو أحد محمولات غناء أهل الشمال قاطبة، فأصبح مطربنا رائدً لهذه اللونية في غناء أهل السودان، ضف لذلك أنه كان مصدراً وحجة موثوقاً فيها حول أغاني الشايقية وشمال البلاد تاريخياً، ومن جانب آخر استطاع أن يتغنى بقصائد عدد من أبناء المنطقة والذين بهم استطاع " أن يوجد لأغنية الشمال نسباً بعد أن كانت مجهولة المصدر" ويشار إليها (بأغنية التراث فقط)!. فغنى للعديد من شعراء المنطقة، منهم السر عثمان الطيب، إسماعيل حسن، عبد الله قطبي، حسن سيد أحمد، محمد الحسن مساعد، جمال الدين محمد خير، إبراهيم بن عوف، حسن محمد بخيت، ود الدابي، خضر محمود سيد أحمد، عبد الوهاب ضرار، نور الهدي كنه، إبراهيم سعيد، مكي محمد مكي، إدريس مالك، ورّاق المجذوب، مصطفى سفيري، سيد أحمد أبوشيبة، سيما كل من الشاعرين حسن الدابي ومحمد سعيد دفع الله اللذين ساهمت أشعارهما بارتياده لآفاق الاندياح والصيت. وهكذا استمع له معجبوه في العديد من أمتع الأغنيات " فاوضني بلا زعل، مشتاقين إنت متين تجينا، الغرام ياناس الغرام، يوم الجمعة، كلمني بقيت قيام، الزول الوسيم:ـ
في طبعو دائماً هادئ
من أوصافو قول أسكرني هات يا شادي
من حور العيون إحتار غزال الوادي
الخد كالزهور تلقاه دائماً نادي".
وأما تلك الأغنية المؤثرة والحزينة، فقد رددها طويلاً بأسى ولوعة وهو يخص بها ابنه الذي ولد أصماً وأبكماً، فتمثلت الفاجعة النفسية والاجتماعية والأسرية لدى المطرب المرهف في كونه لا يرى أيضاً!، فكيف بأب لا يستطيع رؤية ملامح ضناه، وابن لا يسمع أو يتحدث عن لواعج ومكنون عواطفه لأبيه؟!:ـ
ﻻ ﺷــــﻮﻓﺘﻦ ﺗﺒــِــــﻞ ﺍﻟﺸــﻮﻕ ﻭﻻ ﺭﺩﺍً ﻳﻄﻤِّـــﻦ
ﺃﺭﻳﺘــﻚ ﺗﺒﻘﻰ ﻃﻴﺐ ﺇﻧﺖ .. ﺃﻧــﺎ ﺍﻟﺒـــﻲ ﻛﻠﻮ ﻫَﻴــﻦ
ﻗﻠﻴﺒﺎ ﻟــﻲِّ ﺭِِﻫﻴِﻒْ ﻋـــــﺎﺭﻓﻮ ﻣـــــﺎﺏ ﻳَﺤَﻤـﻞْ ﺣِﻨﻴّﻦ
ﺇﻧﺖ ﻣــﺎﺏ ﻳﻐﺒﻴﻚ ﺣﺎﻟــــــﻮ ﺍﻟﻔﻴﻬﻮ ﻛﻞ ﺍﻟﺒﻴﻬﻮ ﺑﻴّﻦ
ﺑﻘﻴﺖ ﻣــــــﺎ ﻟــﻲَّ ﻏﻴﺮ ﺃﺷﻌﺎﺭﻱ ﺃﻛﺘِﺒا ﻓﻴﻚ ﻭﺃﺩﻭِّﻥ
ﺃﻗـــﻮﻝ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺰﻳـــﻞ ﻣﺎ ﺑــــــﻲَّ ﻭﻻّ ﻗﻠﻴﻞ ﺗﻬــــﻮّﻥ
ﻭﻣﺎﻟﻜـــﻦ ﻳﺎ ﻗﻤـــﺎﺭﻱ ﺑﺘﺸــﺪِﻥ ﺇﻳﺶ ﻻﺯﻣﺔ ﺗﻐﻨِّـﻦ
ﻧﻐﻴﻤﺎﺗﻜِــﻦ ﺗَﻬِﻴـــﺞ ﺃﺷﻮﺍﻗـــﻲ ﻟﻠﻌﻴﻨﻴــﻦ ﻳَﺒﻜِّـــﻦ
ﺑَﺪِﻳﻜِـــﻦ ﻭﺻﻴﺔ ﺃﻣﺎﻧﺔ ﻟـــﻲ ﺳﻴﺪ ﺭﻭﺣــــﻲ ﻃِﻴﺮﻥ
ﺗـــﺮﺍ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺍﻟﻌﻠِﻲ ﺷﻔﺘﻨﻮ ﻗـــﻮﻟﻦ ﻟﻴـﻬﻮ ﺃﺣﻜِــــﻦ
ﻗﻮﻟِﻴـــﻠُﻮ ﺍﻟﺴُﺤﺐ ﻓـــﻲ ﺭﻭﺿـــﻮ ﻣـﺎ ﻋﺎﺩِﻥ ﻳﻜﺒِﻦ
ﻭﺃﺿﺤﻰ ﻣَﺤﻞْ ﺧﺮﺍﺏ ﻣﺎ ﻓﻴﻬﻮ ﻏﻴﺮ ﺯﻫﺮﺍً ﻣَﻀﺒﻠِﻦ
ﻗــﻮﻟﻦ ﻟﻴﻬﻮ ﻟﻴﻠﻮ ﻃﻮﻳــﻞ .. ﻃﻮﻳﻞ .. ﻃﻮﻻً ﻳَﺠﻨِّﻦ
ﻻ ﻗﻤـــﺮﺍً ﻇﻬﺮ ﻓﻲ ﺳﻤﺎﻫﻮ، ﻻ ﻧﺠﻤﺎﺕ ﻳَﻀـﻮِِﻥ
ﻭﻛُــــﻞ ﻣﺎﻟﻴﻬﻮ ﻳﺘﺼﺒّﺮ ﻳﻘــﻮﻝ ﺃﻳـــــــﺎﻡ ﻳﻌـــﺪِﻥ
ﻳَﻤﻨّﻲ ﻟﻨﻔﺴﻮ ﺑـــــﻲ ﻟﻘﻴــــﺎﻙَ ﻭﻻّ ﺗﺮﺩﻟﻮ ﻳَﻤﻜِﻦ.
هكذا كان مطربنا الراحل الذي طربت لغنائه ونغم طنبوره المطربة أم كلثوم وطلبت سماعه بالاسم عند زيارتها السودان في العام 1968، وفي أمر الحانه وقدراته الموسيقية فقد قال المترجمون لنغماته أنه درج على " توقيع اسمه عند نهاية كل أغنية من أغنياته"!، وتحدث عنه الصحفي والكاتب صلاح شعيب ضمن مقال رصين له مشيراً لقدراته الموسيقية واللحنية بأنه " قدم موسيقى تصويرية لمسلسلٍ إذاعي درامي في إذاعة أم درمان في سبعينات القرن الماضي ، مكون من 13 حلقة. قدم موسيقى المقدمة والنهاية للمسلسل، وموسيقى الفواصل بآلة الطنبور. نقل صوراً تعبيرية قوية، تصور مزالق تطور الفعل الدرامي، وتنقله من قوة العاطفة إلى قمة دراما الأحداث. كانت تجربته تكشف عن قدرته المبدعة في تأليف الألحان التصويرية وصناعة الشجن ومتابعة القص الدرامي بكل أبعاده".
للفنان محمد آدم محمد أحمد – وهو الإسم الحقيقي للنعام آدم - الرحمة والخلود.
ـــــــــــــ
* نشرت بصحيفة الميدان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////