كثيراً ما وقف عمر البشير رئيس النظام الديكتاتوري المتأسلم المخلوع، متباهياً حيناً وأخرى مزهواً وفي كثير من الأحايين متبجحاً، أن نظاماً كنظامه لن تسقطه "مواقع انترنت". وظل يردد ذلك وخلفه جوقة كوادره المتأسلمة في مواقع الاعلام وكافة برامج التوجيه الفكري كآلة إعلامية أخرى للتأثير نفسياً على العقل الجمعي للجماهير، تماماً كتلك الآلة الجهنمية لاعلام النازية الهتلرية في محاولة لاعتقال وعي الجماهير تحت تأثير الديماغوغيا والتهريج الاعلامي.
ظل يتبجح بذلك بينما نظامهم في دوائر الانقاذ كان يقع في واقع الأمر تحت رحمة كثير من تلك المواقع الأسفيرية والتي تدفقت إمكانيات بثها دفعة واحدة معلنة عن ثورة جبارة في عالم الميديا والتقنية الكونية والتي كانت إمكانيات نظام ديكتاتوري قمعي كنظام الأخوان المسلمين متواضعة أمامه وهو الذي درج على مصادرته لحريات التعبير بكل مستوياتها، خاصة مع ثورة الاتصالات التي تفجرت مع بدايات الألفية الجديدة وفرضت واقعاً جديداً لم تكن كثير من الدوائر مهيأة له، دعك من نظام فقير في إمكانيات تطوره على كافة المستويات كنظام ملالي القرن الواحد وعشرين في السودان.
وهكذا ولدت إلى جانب كثير من مواقع التواصل الاجتماعي، تجربة منبر وموقع "سودانيس أون لاين" التقنية بكل إمكانياتها التي تم توفيرها.
ساهم المهندس بكري أبوبكر المتخرج من جامعة الخرطوم في تأسيس الموقع والمنبر بمساعدة زوجته، وقد اجتهد من منفاه الاختياري بأمريكا في تطوير الموقع ومنبره، ليجتذب أوسع قطاعات من المهتمين بالحوارات الاجتماعية والسياسية وكافة الحوارات الحيوية الأخرى، وليتحول بعد برهة قصيرة إلى أحد أهم مواقع الحوار التقني في الميديا الحديثة وأرفع الروافد للثقافة والمعرفة السودانية.
صادف تأسيس "سودانيس أون لاين" تشديد النظام داخل السودان لقبضته في مصادرة كافة ما تبقى من منابر التعبير، وعلى كافة المستويات، حيث لم يترك ولو حيز ضئيل لأي رأي آخر، في حين أنه أفسح كافة منابر التعبير بما فيها أجهزة الاعلام والتي من المفترض أن تكون مملوكة للشعب، صادرها لمصلحته وجيرها لبوقه الاعلامي ولجماعته المتنفذة والتي راحت وفي عملية تغبيش بتهريج مستفز وغير موضوعي للوعي والمعرفة الجماهيرية. وواصل قمعه للرأي الآخر في أجهزة التلفزيون والاذاعة والصحف وهي الأجهزة الاعلامية التي نصبت على رئاستها كوادر متواضعة في إمكانياتها وتجاربها وخبراتها، حيث راحت وفي عملية إقصاء وإحلال مستفزة تقوم بعملية واسعة من التشويه والتخريب في بنية تلك الأجهزة حتى كادت أن تجهز على رسالتها تماماً، فانفض الناس من حولها ولجأوا إلى إجهزة الاعلام الأجنبية إقليمياً ودولياً من التي لم يقيض الله لنظام الانقاذ السيطرة عليها أو منعها من البث داخل السودان كما حدث للبعض منها، وإذاعة البي بي سي مثالاً.
وهكذا وجد الملحقون بموقع بكري أبوبكر في منبره متنفساً واكتشفوا إمكانيات جبارة ما كانوا سيحلمون بها من توفير للحريات الاعلامية وحريات النشر دون قيود، إلا ما يتنافى مع حريات النشر المعمول بها من كافة النواحية الموضوعية والأخلاقية.
وما ساهم في اندياح المنبر تحديداً واطمئنان عضويته هو سياسة الادارة الذاتية للمنبر التي أتاحها مؤسس الموقع بحيث تم التوافق على تعيين أو تكليف عدد من عضوية المنبر لإدارته، ولم يكن بكري أبوبكر باعتباره صاحب الامتياز ورئيس مجلس إدارة الموقع والمنبر يتدخل مطلقاً في السياسات والطريقة التي تنتهجها إدارة الموقع بصورة ديمقراطية وحيادية.
ولقد ربطت أواصر العلاقات الأخوية بين عضوية المنبر شكلاً متقدماً حيث تأسست روابط اجتماعية بين كافة الأعضاء في البلدان التي تتواجد فيها عضوية لسودانيس، فتكونت صداقات حقيقية امتدت لخارج الموقع وتعرفت العضوية على بعضها البعض، درجة أن علاقات عاطفية وتزاوج تم بين عدد من أسر عضوية المنبر، وهكذا ظهرت روابط باسم "بورداب" أمريكا، مدني، لندن، كندا، أستراليا، الصين، السعودية ودول الخليج المختلفة وغيرها من المدن والدول، وهكذا انداحت العلاقات التي متنت أكثر علاقات العضوية بعضها ببعض، فاحتفلت بأعياد الميلاد والأعياد الدينية والوطنية ومناسبات الافطار الجماعي لرمضان والمولد وغيرها من المناسبات الاجتماعية، حتى أن بعض عضوية الموقع نظمت ليالي وأمسيات وطنية لدعم أوضاع مواطني الملاجئ والنزوح فتم الاحتفال والاهتمام بليلة "وليد دارفور" لدعم انسان مناطق دارفور التي تحاصرها الحروب وتطحنها أوضاع ما خلفته تلك الحروب غير الانسانية، ثم تنظيم الحملات لجمع الأموال في سبيل دعم مجموعات سكانية في حوجة لها أو لعلاج مطرب أو شاعر وطني بعينه وغيره من أشكال التضامن والتكافل الاجتماعي، إضافة لبناء عضوية المنبر لمكتبات تضم أعمالاً لعدد كبير من الشخصيات المؤثرة في المجتمع والحياة والتعريف بها للأجيال الجديدة، إضافة للمكتبات الشخصية لجميع عضوية الموقع من التي ساهمت بها عن طريق موضوعاتها التي تلمستها.
هذا إلى جانب تخصيص أسابيع وأيام بالمنبر للاحتفاء بشخصيات وطنية كانت مؤثرة في الحياة السودانية كأسبوع الاحتفاء الذي نظم للأديب والكاتب علي المك إلى جانب تمجيد المضيفة السودانية الشهيدة سهام عبد الرحمن التي استشهدت داخل طائرة الخطوط الجوية السودانية المنكوبة والتي قادت أيام تمجيدها بالمنبر المطربة السودانية نانسي عجاج مما كان له أبلغ الأثر في اشتراك أعداد كبيرة من عضوية سودانيس في الاحتفاء بها.
كان المنبر يقدم الحماية لمن يحتاجها من عضويته، بحيث يسمح لمن يرغب في استخدام الاسم المستعار له إن أراد ألا يكشف عن شخصيته أمام سلطات جهاز أمن النظام التي كانت تحصي أنفاس المعارضين في كل مكان، سواء كان يعيش بداخل السودان أو خارجه، وقد استمر هذا الوضع لفترة طويلة حتى إن حلت فترة ما بعد نيفاشا والتي كان من المفترض أن تنتقل فيها الدولة إلى مرحلة التحول الديمقراطي بدأت سياسة المنبر في التحول نحو الشفافية وانحسرت بالتالي رويداً رويداً ظاهرة الأسماء المستعارة، سيما وقد تآذت بعض عضوية المنبر من هذا التخفي عند القلة من العضوية والتي استخدمت هذه الأسماء المستعارة في غير موضعها، عن طريق التهجم المقذع والمضر ببعض العضوية ومواقفها المتعددة.
ولقد لعب بذلك منبر سودانيس أو لاين دوراً ريادياً متقدماً في نقد لساسات نظام الانقاذ في جميع مناحي الحياة ولم يترك شاردة أو واردة لم يتناولها في تعرية سياسات أهل الاسلام السياسي، حيث أصبح " بورد المنبر" قبلة ديمقراطية وبمثابة أوراق صحفية يومية يقبل عليها قراء ومتصفحي الانترنت من غير عضوية سودانيس أون لاين، وكان مصدراً للأخبار والمعلومات وتحليلها عن طريق تقارير وتحقيقات رصينة جداً وصادقة في نقل المعلومة وبث الخبر والتوثيق والتسجيل الأمين، الأمر الذي أوجد مصداقية بين المتصفحين والمنبر.
لقد أصبح موقع سودانيس أولاين اليوم أحد أهم المراجع لمختلف الموضوعات السودانية وغير السودانية حيث وثقت عضويته للكثير من الأعمال والدراسات والقضايا الحية في المجتمع السوداني سياسياً واقتصادياً وفنياً وثقافياً ورياضياً عبر ما يقارب المليون عنوان لمختلف الموضوعات، بحيث تحول إلى مرجع ثقافي ضخم لا غنى عنه لأي دارس أو باحث أو مهتم، وهو ما يشكل مأثرة ثقافية جبارة في حياة السودانيين الثقافية والتاريخية.
لقد تحول منبر سودانيس أو لاين ليصبح شوكة حوت في حلق النظام القمعي، وشكل موقعاً معارضاً من طراز متقدم في تعرية سياسات النظام والدعوة لتوسيع قاعدة معارضته فساهم في توسيع وتنظيم دوائر المعارضة السودانية والدعوة لضرورة وحدتها تحت شعارات تهدف إلى اسقاط النظام، الأمر الذي دفع النظام في كثير من الأحيان إلى حجب للموقع ومصادرة ظهوره للمتصفحين داخل السودان، ولكن دون جدوى تذكر، حيث نجح هؤلاء التصفحين لاختراقة هذا الحظر دوماً.
وما ساهم في شهرة المنبر واتساع مساحات القراء والمتصفحين لموضوعاته المتعددة هو انضمام عدد كبير من قطاعات الدوائر المهمة والمؤثرة في المجتمع السوداني لعضويته، من بين المطربين والتشكيليين والسياسيين والشعراء والمثقفين والصحفيين والكتاب والأدباء والرياضيين والمؤرخين والعسكريين والقانونيين والمحامين وطلائع العمال والموظفين والمعلمين وأساتذة الجامعات وخلافهم.
فتجد في عضويته أسماءاً بارزة في أوساط السياسيين كالخاتم عدلان وسعاد إبراهيم أحمد ونعمات مالك ورباح الصادق المهدي والسر بابو وعبد الله علي إبراهيم، ومن المطربين والموسيقيين أسماءاً مؤثرة في مقام نانسي عجاج والموصلي وشاكر عبد الرحيم وعبد اللطيف وردي وعاطف أنيس ومصطفى السني وطارق أبوعبيدة وعز الدين عبد الماجد وأروة الربيع وزوجها الموسيقار كمال يوسف وهشام شيخ الدين وحمزة سليمان وتشكيليين كعبد الله بولا والباقر موسى وإيمان شقاق وعصام عبد الحفيظ وأيمن حسين ومدونين كبكري الصائغ والكيك وأنور التكينة، وكاريكاتيريست كعمر دفع الله وود أبو وعبيد وفوتوغرافيين مؤثرين عبر عدسات كاميراتهم الذكية كإبراهيم نقد الله وعصام عبد الحفيظ وأيمن حسين وطلال عفيفي ومن الشعراء رقية والمكاشفي محمد بخيت وراق وفضيلي جماع وطلال دفع الله ومحمد المكي إبراهيم ومحمد نجيب وأسماء الجنيد وصحفيين في مقام الراحل أحمد سالم وكل من هاشم كرار، عثمان ميرغني وأمل هباني وكمال عباس وسجيمان وصلاح شعيب ودراميين ومسرحيين كمحمد السني دفع الله وبدر الدين شنا وكتاباً بارزين كرانيا المامون واستيلا قايتانو ويحيي فضل الله ومصطفى مدثر وعبد الله الشقليني وخالد العبيد وإشراقة مصطفى وناشطين اجتماعيين كأماني عبد الجليل وكمال الزين وأحلام إسماعيل حسن ومنى خوجلي وأبو ساندرا ودينق ومجدي إسحق وكبار وياسر الشريف والمر وإبراهيم عدلان وكوستاوي وعبد الكريم الأمين وصلاح الأمين والشريف والليندي ومحمد البشرى الخضر وزوربا وبدر الدين الأمير وخضر حسين وفتحي صديق وصديق عمر التوم وعبد الحليم عبد الجليل ومحمد حيدر ومحامين كمحمود الشيخ ومحمد المرتضى حامد وروائيين كليلى صلاح وعاطف عبد الله وحمور زيادة إلى جانب مختلف القوى والأحزاب السياسية والحركات المسلحة الثورية التي انتظمت عبر ممثليها في منبر الحوار الديمقراطي بموقع سودانيس أون لاين.
هذا إلى جانب الفرص التي مُنحت بديمقراطية فسيحة لمؤيدي ومشايعي نظام الانقاذ عبر طروحاتهم الفكرية وآرائهم حول مختلف القضايا التي كانت تشغل بال الشأن السوداني فيما يخص سياسات نظامهم المتأسلم، وهي الكتابات التي لم تستطع التأثير بقدر إثارتها لمزيد من السخط والتهكم والاشفاق على مثل تلك الدفوع البائسة واليابسة عن نظام كانت جميع مكونات الشعب ترى فيه نظاماً لا مستقبل سياسي له طال الأمد أم قصر، وهو ما تأكد في مستقبل تطور الصراع السياسي للسودان عندما مرغت مجموعات شباب البلاد بأولادهم وبناتهم أنوف أهل النظام ومتنفذيه وسدنته وحماته في التراب وأودعتهم مزبلة التاريخ في نهاية الأمر، بتلك الثورة الجبارة التي تفجرت عبر تراكم كمي وكيفي لغضب الشعب السوداني الذي قرر ختام مهزلة الأخوان المسلمين في ديسمبر عام 2019.
لقد قدم منبر سودانيس أون لاين وعبر عضويته الحية رداً بليغاً على فرية أن مواقع الانترنت غير مؤثرة، بتقديمه لأنموذج حي وشاخص في كيفية التأثير الاعلامي وحشد طاقات الأقلام المؤثرة لطلائع السودانيين في التحريض والمعارضة وفضح سياسات النظام ونشر فضائحه المالية والاقتصادية وفساد عضويته وحاشية البشير وأهله وكشف آلة قمعه التي طالت المئات من المناضلين داخل أقبية سجونه وبيوت أشباحه ورص صفوف السودانيين في منازلة الديكتاتوريات العسكرية مهما تجبرت وتفرعنت وكررت مآسي الأنظمة القمعية في إهانة شعوبها ومحاولة تكبيل إنطلاقها نحو مستقبلها المشرق.
ــــــــــــــــــــــ
* نشرت بصحيفة التيار

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.