* عدت للسودان بعد مضي فترة طويلة نسبياً كنت بعيداً عنه وعن الأهل والصحاب والأمكنة، بعد عودتي بأيام خرجت لمشوار فقصدت صاحب أمجاد طالباً توصيلي، سألني عن وجهتي، فأجبته بأنه جوار جامع " الملك فاروق"، نظر لي السائق ملياً وضحك ملْ شدقيه، في طريقنا لمشواري كانت ضحكته التي أطلقها ما تزال ترن في أذني وداخل نفسي الأمارة بالتساؤلات الكبيرة والصغيرة. فسألته عن سرها. صمت لفترة وهو ينقل بصره ما بيني وبين الشارع أمامه، ثم سألني بعد فترة " إنت كنت مسافر من بلدنا دي فترة طويلة؟. فأجبته بالايجاب وسألته متعجباً " عرفتني كيف" ،، صمت مرة ثانية وهو ينقل بصره من جديد ما بيني وبين الشارع أمامه، ثم قال لي " بنقول ليهو جامع "فاروق" ،، مش جامع "الملك" فاروق، فاندهشت من " فراسته "!.

* هذه مقدمة إخترتها كمدخل لطرح موضوع يتعلق بالتسميات وكيفية اختيارها للأماكن التي نقوم فيها بتقديس بعض الشخصيات والمؤسسات والأمكنة ،، خاصة "التافه" منها من التي لا ترقى بأن تكون في منزلة "التقديس والتقدير والتمجيد".
* فجامع الملك فاروق بني تمجيداً لـ "جلالته" فترة سيادة ما نسميه الحكم الانجليزي ـ المصري، وقت أن ساد الاستعمار الكولونيالي على بلادنا بعد أن أسكت صيحات جدودنا الأشاوس على تلال كرري وهم يتقدمون زرافات ووحداناً لمواجهة سلاح المكسيم كمدفع جديد تم تجريبه في أجسادهم الفتية.
* وهكذا بقي اسم "جامع فاروق" حتى بعد أن رفعنا علم استقلالنا ذي الألوان الثلاثة بزرقته وصفرته وخضرته النضرة، ودون إلاء عناية بالطبع لرفع ضوابط "إستقلالنا الاقتصادي" جنباً لجنب مع ضوابط "إستقلالنا الوطني".
* لم يفكر أحد فينا وحتى اليوم الماثل في أمر تغييره ليتماشى مع فعل الاستقلال الذي في واقع الأمر لم نقرنه باستقلال اقتصادي يعمق معانيه الوطنية أكثر في دواخلنا.
* وكان ـ وما يزال ـ هذا الأمر ممكناً، إن كنا قد انتخبنا أسماءاً من بين وطنية أبطالنا لنختار إسماً ينسجم مع معاني هذا الاستقلال لننعتق به من ربقة "التبعية" للأجنبي.
* أما كان في حكم الامكانيات أن نطلق على الجامع المشار إليه اسم “جامع الأمير عثمان أزرق" تمجيداً لذكرى ذاك الجندي المهدوي الوطني الذي أبلى منذ انضمامه للجيش الوطني للدولة المهدية وحتى لحظة استشهاده البطولي؟. أو لو أطلقنا عليه اسم حاج الشيخ عمر دفع الله أول وطني يقود مظاهرة سياسية في البلاد زمن مقاومة ثوار عام 1924 ضد الوجود الأجنبي على البلاد. أو قل "جامع السلطان عجبنا بن أروجا " نسبة للمقاتل الشرس المقاتل الوطني الذي قاد شعب النيمانغ في تخوم جبال النوبة وهو زعيمهم وسلطانهم المغوار، لنعزز من معاني الوحدة الوطنية ولملمة "هوامش" البلاد " وهواملها" في بوثقة جامعة نعترف فيها بسودانية الجميع.
* وما يغيظ في أمر التسميات هو مدى ابتذال الديكتاتوريات العسكرية لمثل هذه المعاني وإفراغها من مضامينها حين استخدامها "تقية" ودون لون أو طعم أو رائحة.
* ونجد أن أكثر من مارس ذلك وسط ديكتاتورياتنا العسكرية هي فترة الانقاذ خلال هيمنتها على بلادنا ومقدراتها ردحاً من الزمن.
* المجلس "الوطني"، بنك أم درمان "الوطني" المؤتمر "الوطني" شركة حديد التسليح "الوطنية" وهي إحدى شركات "تماسيحهم"، ثم تعالوا ننظر لمعاني "الشعب" من شاكلة المؤتمر "الشعبي"، الدفاع "الشعبي"، الأمن "الشعبي"، اللجنة "الشعبية" وكذا في زمن نميري ساد اسم قوات "الشعب" المسلحة. أو خذ عندك اسم أكاديمية "نميري" العسكرية ،، لماذا ليست أكاديمية "فتحي أحمد علي" وقد كان هو القائد العام للقوات المسلحة وقت الهجوم الغادر للأخوان المسلمين على الديمقراطية واجهاضها، وكان اللواء الراحل أحد الثوار الذين جلسوا في القاهرة يرتبون لاسقاط الانقاذ بواسطة التجمع الوطني الديمقراطي الذي ساهم في "فرتقته" من ترتفع أصواتهم اليوم لركوب موجة ثورة ديسمبر.
* من جانب آخر فرض أسماء مغمورة ونكرة وباهتة ومتواضعة ولا علاقة لها لا بالجماهير ولا بقضاياها، فضلاً عن إقحامها في قوائم التمجيد وكأنها شخصيات أبلت في معاني خدمة الشعب وهي في واقع الأمر ليس لها أي عرق قد سال في خدمة البلاد.
* علي عبد الفتاح، الزبير محمد صالح، إبراهيم شمس الدين، بيو كوان، وذاك الذي أفسد السودانيون السودانيون اسمه تهكماً عندما ربطوه "بأرذل ممارسة اجتماعية تعرفها ليالي العاصمة "، درجة أن أصاب الحرج أهل الانقاذ وفكروا في تغيير اسم الشارع الذي يحمل اسمه، قبل أن تغشاهم الغاشية!.
* إذن لنصنع قطيعة مع مفاهيم تلك الدولة وغيرها من التي لا يعرف الناس من أين أتى أصحابها وحاولوا فيها تشويه معالم حياتنا ومجتمعنا بواسطة ما أطلقوا عليه " إعادة صياغة إنسان السودان" في ظل دولتهم "الحضارية"!.
* ومرة تانية ،، بلا لمة!.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.