عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لست أدري أن كانت رحلة (بيت الشعر) في ربوع ولاية شمال كردفان، أمنية، أم حلم، أم مغامرة، أم تطبيق عملي لمقولة مارتن هيدجر (إن الإنسان يعيش شعريا على الأرض)؟.
وقد تكون كل الإجابات السابقة خاطئة حين نعلم أن رحلة القوافي المتنقلة في ربوع ولاية شمال كردفان التي تنطلق من الأبيض اليوم، تمثل ضربة البداية لما ييبتغيه بيت الشعر من دور ثقافي متجدد وجديد، يأتي في صورة مظلة تجتمع تحتها حركة الشعر السوداني، ومن خلالها تنطلق الفعاليات المتواصلة في ربوع السودان كافة. على أن المهم هنا أن بيت الشعر ينشد هذا الدور، دون أن يصور لنا الدنيا قصيدة شعر.
حتى لا تأتي النتائج قبل المقدمات، فإن (بيت الشعر) الكائن في جامعة الخرطوم، يمثل الفرع السوداني لـ (بيت الشعر) الأصل في إمارة الشارقة الذي يمثل فضاء لكل الشعراء والمثقفين العرب داخل دولة الإمارات وخارجها.
الأصل والفرع
أما بيت الشعر في الخرطوم، فقد جاء تنفيذا لمبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بتأسيس بيوت الشعر في الأقطار العربية تقديراً للشعر والشعراء العرب والحفاظ على مكانتهم في الأوساط الثقافية.

وجاء افتتاح بيت الشعر في الخرطوم في نوفمبر الماضي، في إطار تنفيذ المشروع الريادي على مستوى المنطقة والذي يحتفي بالشاعر العربي وبإبداعاته الشعرية ونتاجه الأدبي وتواصله مع الشعراء في لحمة أخوية شعرية قادرة على التعبير والإنجاز الأدبي الفاعل.
والشيء بالشيء يذكر فقد جاء افتتاح بيت الشعرفي الخرطوم تنفيذا لمبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، خطوة في درب طويل من الإنجازات والأشراقات قدمها صاحب السمو لأهل السودان، حيث تسمو (قاعة الشارقة) على بعد خطوات من بيت الشعر منارة سامقة في جامعة الخرطوم، أكبر بيت للعلم والمعرفة في السودان.
رحلة القوافي
رحلة القوافي مع بيت الشعر تجدد في النفس ذكرى الشعر السوداني الجميل، وتذكر حنين كل شاعر سطر مجاهل عمره خلف بوادي كردفان حتى أضاءت له سبل الحياة سناء وهناء، فهاهو العباسي كثير الأسفار في ربوع كردفان يصورها:
يا برق طالع ربا الحمرا وزهرتها ـ واسق المنازل غيداقا فغيداقا
وإن مررت على الحتان حي به ـ من المناشط قيصوما وطباقــا
وعلى مدى التاريخ كان سحر المكان في كردفان ملهما للشعراء، وهاهو شاعرنا الفذ محمد محمد علي يحدثنا عن سحر كردفان:
لما تبدت كــــردفــان غــادة فــي مشهـــدي
وعـــادني ما عــادني من ذكراهـا المخــلــد
تكريمهـــا للأنبيـــاء خــالــــد مــن خـــــلـد
ومـــن مجــال سحرهـا الــقـديــم والمجــدد
أرض الرجال الصاعدين في مراقي السؤود
ولعل الحنين بالغ الأثر في بيت شعر كردفان، ولعل هذه الأغنية الشعبية خير دليل:
الزارعنو في البورة
واطاتو ممطورة
زولا سمح صورة
بالفاتحة مندورة
الرحلة الأولى
جاء في مقدمة وثيقة النهضة أن ولاية شمال كردفان ولاية متفردة من حيث الموقع الجغرافي والتمازج العرقي والثقافي، وهذا يكفي لإنتاج ثقافي من شأنه أن يسهم بقدر كبير في نهضة الولاية وتعميق منظومة القيم التي يراد لها أن تشيع بين الناس. وكلنا يعلم أن هذه الولاية تذخر بتراث أصيل يعد أحد أهم عوامل تماسك النسيج الاجتماعي لهذه المنطقة التي عرف عن أهلها التسامح والتواصل بغض النظر عن القبيلة أو العرق. وبما أن شعراءنا ومبدعينا قد قدموا هذه القيم في أبهى صورها، فإن من واجبنا تعزيزها حتى تأتي نهضة شمال كردفان متكاملة من كافة الجوانب المادية والمعنوية.
في ضوء هذا الفهم المتقدم جاءت فكرة أن يبتدر (بيت الشعر) جولاته في ربوع السودان، بزيارة ولاية شمال كردفان، بمبادرة من الأستاذ خالد الشيخ محمود زير الثقافة الإعلام في الولاية، واكتملت بدعم قوي من مولانا أحمد هارون.
هوية جديدة
يبدأ بيت الشعر اليوم رحلة القوافي في شمال كردفان من الأبيض التي هي في مخزون أحمد هارون الثقافي (مدينة تجعلك تعيش في مجتمع متجانس ومتصالح لدرجة أن قبول الأخر يصبح عاليا).
وقد يمتزج هذا الإحساس بالفخر عند أحمد هارون حين يقول (نحن فخورون بأن مجتمعنا متعدد ومتنوع، لكنه متصالح، واستطاع أن يكوّن هوية جديدة اسمها الأبيض بتلالها وروابيها التي تزدان بمشاهد خلابة لا سيما في موسم الخريف).
تبدأ الرحلة اليوم وتستمر يوم وثاني وثالث ويوم هو يوم الفراق رابع، وفي ثنايا البرنامج المتنوع لرحلة القوافي، لا يخفي الأستاذ خالد الشيخ لهفته الشديدة في أن تسهم في بناء وعي مجتمعي، عبر التفاعل والاهتمام بالمكان والطبيعة الخلابة التي كلما نقترب منها، تثير في النفس الذكريات الجميلة صادقة ونبيلة، ذلك أن القصيدة متمردة بطبيعتها وثائرة بعنفوان شعرها المحلق في أرجاء الوطن متخطيا حدود المكان ومسافات الزمان، ولنا عودة بعد العودة.