عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رغم أن السيرة الذاتية من أكثر الأجناس الأدبية مراوغة، إلا أن الدكتور منصور خالد في كتايه الجديد (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية)، نجح في إعداد (نص متين ذي منظومة معرفية) يقترح إقامة علاقات مع القارئ، ليست بصيغة التصديق أو (إني الموقع أدناه) كما في السيرة الذاتية التقليدية، بل هي (اقتراح) قابل لملامسة فضول القارئ وإثارة شهيته، بهذا تخلق شذرات منصور خالد وهوامشها (أثرا) في القارئ.
ينتمي كتاب منصور خالد (شذرات من وهوامش على سيرةذاتية) الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع في القاهرة، بأجزائه الأربعة الضخمة لأدب السير الذاتية، وهو جنس يتداخل مع الفن الروائي، حيث قدم للمتلقي تفاصيل من حياته بضمير المتكلم (أنا) تأكيدا على هيمنة شخصيته على بنية هذا العمل الأدبي، وبذلك صار السارد متكلما ومنتجا للقول في العموم، وهنا التفاصيل:.
الحوادث والأمكنة
استطاع منصور خالد في (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) حبك الحوادث وجعلها تتفاعل مع الأمكنة التي مرت بها، حيث تراه ينتقل بك بكل عفوية وتلقائية من أمدرمان إلى سنار إلى بروقسي وسقادي وعدة مدن وقرى في السودان، إلى عالم باريس ولندن ونيويورك. وتراه بنفس العفوية يترك كل شيء خلفه، ليجد لنفسه مكانا آخر لاستعادة روحه الوثابة، حيث يتدفق قلمه السيال في رسم المشاهد والأحداث.
هناك امتداد زمني بين الماضي والحاضر في (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية)، حيث استعان منصور خالد بتكنيك الاسترجاع، ليعود بالمتلقي بين الحين والآخر لطفولته وعلاقته بوالده الذي انتقل إلى جوار ربه في سن مبكرة وعائلته في العموم، التهم في فجر شبابه كتب العلم والفقه، وأهمل في مراهقته الرياضة، وهاهو الآن على مشارف التسعين يريد أن يجري ويلعب وينطلق، ويكتب ليفجر ثورة معرفية نحن في حاجة ماسة لها.
الخروج عن المألوف
قارئ (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية)، سيعيش حتما لحظة بلحظة تمرد المبدع منصور خالد - كما تشهد على ذلك معظم أعماله- في وجه مجتمع يرفض فكرة التغيير بمعنى الخروج عن المألوف.
وإذا اتفقنا على مسألة الخروج عن المألوف هذه، فـإن كتاب (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) الذي سنتعرضه بأجزائه الأربعة في حلقات بعنوان جامع (شذرات منصور خالد وهوامشه ـالحساب ولد)، هو من الكتب القيمة الشاملة الفاحصة والتي لا شك ان مؤلفه قد بذل قصارى جهده من اجل إخراج هذا المولود، بهذا الشكل والمضمون المتكامل والوافي.
ورغم أن استعراضنا سيكون بعنوان (الحساب ولد)، إلا أن غالب الظن أن منصور خالد المؤلف قصد أن يكون هذا المولود الكبير مرجعا أدبيا ونقديا ومعرفيا وتاريخيا وفنيا، إضافة إلى ملاحظة مهمة جدا فحواها أن بين دفتي الكتاب بأجزائه الأربعةحضورا نقديا فاحصا وفاعلا وقويا للمؤلف الذي وضع بصماته العميقة على محتوى معظم النصوص التي تناولها أو دونها.
ارتكز الدكتور منصور خالد على ما اعتمده اللغويون العرب والنحاة في عملية جمع اللغة والنحو، وتقعيدهما. حينما قام بجمع نصوصه وقراءتها، ثم تبويبها وفقا للظاهرة التي تميزت بها وليس وفقا لتصنيف متعارف عليه مسبقا، بل أن النصوص هي التي فرضت عليه هذا التبويب والتصنيف في شذراته، وكان موفقا في اختبار عناوينها الفرعية المستمدة من رحم النصوص ذاتها.
الملاحظة الأخيرة أن هناك لغة عالية المستوى استخدمها المؤلف مشحونة بالكثير من المفاهيم والمصطلحات الحديثة التي أغنت القارئ عن الكثير من المؤلفات الأخرى المقاربة لها.
حميمية أمدرمانية
يخلق منصور خالد جوا من الشعور بالحميمية الذي يشعر به الإنسان في أيام الطفولة لدى سماع القصص التي تخلق في النفس ذلك الخدر اللذيذ. ولعل حميمية سكان أمدرمان المغروسة في دواخل منصور خالد كانت ملهمه الأول حين يجعلك تلتهم ـ إن شئت ـ في جلسة واحدة 426 صفحة تمثل الجزء الأول من كتاب (شذرات من، وهوامش على، سيرة سيرة ذاتية)، المعنون بـ (سنوات التكوين وبدايات الحياة العامة).
وعندما تفرغ من قراءة الجزء الأول، تحس أن منصور خالد هو ذلك الطفل الأسمر الذي يحمل على وجهه كل الملامح الأمدرمانية الأصيلة، من ولع التفاصيل وإحساس قوي ـ شأن كل سكان أمدرمان ـ بالتفوق على الآخرين.
تحس به وتتأكد تماما أن منصور خالد يثير ويستحق الاهتمام بعد أكثر من سبعين عاما قضاها صحافيا ومحاميا وموظفا دوليا ووزيرا لثلاث حقائب، ومساعدا تارة ومستشارا تارة أخرى لرئيس الجمهورية، ثم باحثا في أرقى المراكز العلمية العالمية، ومؤلفا مرموقا لعدة كتب نشرت بأكثر من لغة، ثم مناصرا ومستشارا سياسيا لجون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، في مشروعه المسمى (السودان الجديد). وقبل كل تلك المناصب كان سكرتيرا خاصا أو شخصيا لطيب الذكر الراحل عبد الله خليل، وتلك لوحدها قصة تستحق أن تروى.
قوة الالتزام
يرى فيليب لوجون، أبرز منظّري السيرة الذاتية في العالم، في مقاربة نظرية لمفهوم السيرة الذاتية، أن كتابة السيرة الذاتية هي ممارسة فردية واجتماعية تظهر فيها قوة التزام الشخص الذي يتكلم، ذلك لأن السيرة الذاتية، ليست نصا تاريخيا يلتزم فيه المؤلف بقول الحقيقة في مقابل التخيل الذي لا يلتزم فيه المؤلف بشيء.
إذا بحثنا عن قوة الالتزام في (شذرات من، وهوامش على، سيرة ذاتية)، ندرك أن منصور خالد قدم جملة التزامات للقارئ تبدو جلية في التطابق الواضح في كل شيء بين الراوي والشخصية، مقترنة بعدة براهين تكفي لإبرام عقد بين القارئ والنص، يثبت بأن ما يقراه القارئ هو سيرة ذاتية وهو ما يصطلح عليه لوجن (ميثاق السيرة الذاتية).
بمقاربة لوجون ندرك أننا أمام سرد نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص وذلك حينما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخه الشخصي، وقياسا على ذلك فإنني أعتقد منصور خالد هو الرجل الثاني في كتابة السيرة الذاتية السودانية بعد صاحب الفتح الكلي بابكر بدري في كتابه (حياتي) بأجزائه الثلاثة، ودليلي في هذا الاعتقاد أن منصور خالد نفسه أوضح لايستطيع مجاراة بابكر بدري في طريقة كتابته، ذلك أن (بابكر بدري رجل نسيج وحده)، حسب وصفه.
ربوة عالية
ترسم (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) سيرة منصور خالد في هذه المرحلة الغنية بالتحولات سعي صاحبها لتحقيق ذاته وبلورة وجوده الفاعل في الحياة، ذلك أن أهم ما يميز منصور خالد، أنه رجل قادر طوال الوقت على وضع أفكار مهمة على مائدة الحوار، وسواء اتفقت أو اختلفت مع هذا الرجل، فإنك تجد نفسك مدفوعا لمناقشة ما يقول، لكني اراه في هذه الشذرات قد جلس في ربوة عالية، كشف من علوها المشهد السوداني لأكثر من سبعين عاما مضت. وفي جلسته تلك استعان بباقات من الزهور ومجموعة من الحجارة، ثم عصا غليظة.
ومن تلك الربوة المرتفعة، شرع منصور خالد يقسم الزهور النضرة الجميلة كلما جاءت سيرة عبد الله خليل أو جون قرنق أو داؤد عبد اللطيف، وبقية الأسرة النوبية.
وقبل أن يستمتع القارئ بمناظر الزهور الجميلة، يشرع منصور خالد في القذف بالحجارة مختلفة الأوزان والأحجام كلما جاءت سيرة الحركة الاتحادية بمسمياتها كافة، أو الحزب الشيوعي، أو بعض الشخصيات المرموقة في حقبة ثورة 25 مايو 1969.
وبعد أن يتفادى القارئ تلك الحجارة المتنأثرة بأسباب موضوعية وحجج قوية، شرحت أحيانا بتفاصيل مملة، نفأجا بمنصور خالد يحمل عصا غليظة يهش بها بعنف كلما جاءت سيرة الزعيم الخالد الرئيس إسماعيل الأزهري أو ذكر الأخ الحبيب السيد الصادق المهدي.
الكتابة المفتوحة
تغلب على أسلوب منصور خالد في الجزء الأول من (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) الكتابة المفتوحة المشغولة بالنثر الخالص الذي يأتي كأسلوب يحوي ويحتضن البوح الذاتي المعني بفراديس الطفولة المنسية والحاضرة في آن، والنثر سيكون أيضا هو الملاذ والمأوى لصور غاربة وشذرات مبعثرة، وتأملات سارحة، سيكون لزاما على منصور خالد أن يحميها من الشتات والفقد والنسيان.
وسيكون الجزء الأول المعنون (سنوات التكوين وبدايات الحياة العامة)، والحال هذه، حاميا وحارسا لكل التفاصيل الشعرية والومضات الروحية للرفقة والصحبة والصداقات الحميمة التي جمعت المؤلف مع مجموعة من الشخوص الغارقين في ساس يسوس، وغيرهم من الجميلين المهجوسين بفنون إبداعية مختلفة مثل الأدب والشعر والسينما والتشكيل والاستثمار في صناعة والزهور والورود.
ينحدر منصور خالد من أسرة آل عبد الماجد العريقة، وينتهي نسبها إلى الشيخ حامد ابعصاة، فهو منصور خالد محمد عبد الماجد حامد النور مكي علي الشيخ حامد، ونلاحظ هنا أن منصور خالد قد استخدم منهج التدوين التقليدي لصلة النسب، وهو منهج ابتدره الباحث الفذ البروفسير يوسف فضل، لقبول شجرة النسب كما يقدمها صاحبها، لكنه يوصي بالتحقق عندما يقوم فرد أو جهة بالكتابة عن أنساب الآخرين. وقبل أكثر من عشر سنوات دفعت عراقة هذا النسب منصور خالد إلى تحقيق مخطوطة السيرة الماجدية، وكان ذلك فتحا جديدا في مضمار قراءة المخطوطات القديمة بصورة تقدم إضاءة جوهرية للنص القديم تسمح لنا بالوقوف على الحدود الفاصلة بين القراءة الكلاسيكية للنص والقراءة الحديثة، ذلك أن قيم الكتابة التقليدية غالبا ما تكبل القراءة الحديثة وتوجهها بوعي أو بدون وعي.
ظاهرة الحسد
رغم أن منصور خالد يملك رحابة صدر غير عادية مع كل المختلفين معه فكريا، إلا أن إحساسا مريرا بحسد الآخرين له تجده يسطر على معظم (شذرات من وهوامش من سيرة ذاتية). ولعل الإحساس المرير بالحسد كظاهرة سودانية تتفشى وسط النخب السودانية، لم يجد حظه من البحث العلمي.
ورغم أن منصور خالد يمتلك جدية مدهشة سواء كتب فى شئون العلاقات الدولية والتى يملك نواصيها ببراعة كعالم قدير، أو في الفن والموسيقى، والتي ينحاز فيها للمتعة والإثارة كعاشق للغناء الأصيل، إلا أنه كان كثير الشكوى والرد المفحم حينا، و(النقنقة)، حينا آخر من كثيرين يعتقد أنهم يحسدونه على تفوقه في الحياة.
وقبل كل ذلك وبعده، فإن قلم منصور خالد في الرد على كل هؤلاء، يكتب ويطرح أفكاره من رؤية وطنية خالصة، تصب فى المصلحة السودانية، حسب تقديره، ولا يأبه لو غضب منه البعض أحيانا، أو كرهه الرمانسيون والحالمون بأمجاد ولّت، وعلى ما يبدو أنها لن تعود.
نواصل
نقلا عن صحيفة (أخبار اليوم) السودانية بتاريخ 20 مارس 2019م

////////////