حَقَّب بعض المؤرخين تاريخ السُّودان إلى قديم، ووسيط، وحديث، مستأنسين في ذلك بالتحقيب الثلاثي للتاريخ الأوروبي، الذي ارتبط بأحداثٍ مفصليةٍ، شكَّلت السمات العامَّة لحِقبه التاريخيَّة ومازت بينها؛ لكن لا يعني ذلك أنَّ فواصل الحقب التاريخيَّة في السُّودان كانت متطابقةً مع نظائرها الأوروبية. بل نلحظ أنَّ ملامح الحِقْبَة الحديثة في السُّودان بدأت تتشكل بعد الغزو التُرْكي-المصري عام 1820م، وارتبطت عمليَّة التشكل بتحولات أساسيَّة في التركيبة السياسيَّة والاقتصادية-الاجتماعيَّة لسودان ما قبل "التركية السابقة". وتمثلت تلك التحولات في توحيد الممالك والمشيخات السُّودانيَّة في كينونة سياسيَّة، أُطلق عليها "السُّودان التُرْكي-المصري" لاحقاً. وكان ذلك السُّودان التُرْكي-المصري محكوماً بحزمة نظم إدارية-امبرياليَّة، حددت أبعاد العلاقة الرأسيَّة فيه بين الحُكَّام والمحكومين، ووثَقت حركة التجارة المحليَّة بالسوق الرأسمالي العالمي.

ظهرت مجموعة من الدراسات التاريخيَّة التي تناولت هذه الحِقْبَة الحديثة في تاريخ السُّودان (1820 -1955م)، من زوايا مختلفة. ونعرض في هذا الجزء الدراسات الشاملة منها، دون المقالات والأبحاث الجزئيَّة ذات الموضوع الواحد، أو الموضوعات المتعددة، وذلك بهدف وضع كتاب البروفيسور محمد سعيد القَدَّال، تاريخ السُّودان الحديث، 1820-1955م، في موضعه الصحيح بين الأدبيات النظيرة له. ويأتي في مقدمتها كتاب البروفيسور مكي الطيب شبيكة "السُّودان في قرن، 1819-1919م"، والذي صدرت طبعته الأولى في القاهرة عام 1947م. بدأ شبيكة كتابه القرني بإرهاصات الغزو التُرْكي المصري، وختمه بنهاية الحرب العالميَّة الأولى، التي أفرزت واقعاً جديداً في الوطن العربي الذي كان يخضع خضوعاً اسمياً للخلافة العثمانيَّة، كما أنها أسهمت في القضاء على السُّلطان علي دينار (ت. 1916م)، آخر سلاطين الفور، وضم دارفور رسمياً إلى السُّودان الإنجليزي-المصري عام 1916م. وبعد عقد ونيف من الزمان صدر كتاب للمؤرخ البريطاني بيتر هولت (Peter Holt) عن "تاريخ السُّودان الحديث"، بدءاً بالغزو التُرْكي-المصري وانتهاءً بمطلع الحكم العسكري الأول (1958 -1964م) في السُّودان. ثم ظهر في العام 1964م كتاب ثالث بعنوان "تاريخ السُّودان الحديث"، لمؤلفه الأستاذ ضرار صالح ضرار، الذي وصف الكتاب في مقدمته بأنه "دراسة من سوداني؛ لتاريخ بلاده في الحِقْبَة الأخيرة، التي برز فيها السُّودان كجزءٍ من أجزاء الصراع العالمي، حيث انتهت فترة ما يُشبه العصور الوسطى من تاريخه؛ ليدخل السُّودان في عصره الحديث. وابتدأت تلك الحِقْبَة باستيلاء محمد علي باشا - والي مصر- على السُّودان، وضمِّه إلى ممتلكاته، مما جعل البلاد بعد ذلك موضع صراع للأطماع الأوروبية. وتنتهي فترة التأريخ في هذا الكتاب باستقلال السُّودان الذي حدث في أول يناير عام 1956م." وإلى جانب هذه الكتب الثلاثة كان هناك كتاب مدرسي باللغة الإنجليزية عن "مختصر تاريخ السودان" القديم والوسيط والحديث للأستاذ مندور المهدي، وكذلك "تاريخ السُّودان الحديث" للبروفيسور حسن أحمد إبراهيم، الذي كان يُدرَّس لطلبة المساق الأدبي في المدارس الثانويَّة. وإذا أنعمنا النظر في هذه الكتب، نلحظ أنها اتسمت بأربع سمات، ضيَّقت دائرة تداولها، أو قللت من سعتها المعرفيَّة، وهي تتمثل في قصر الحيز الزمني (شبيكة)، والحاجز اللغوي للقارئ العربي (هولت، المهدي)، والمنهج شبه الأكاديمي في تدوين التاريخ (ضرار)، والإيجاز في العرض حسب متطلبات الكتابي المدرسي (المهدي، إبراهيم). وسداً لهذه الثغرات المنهجيَّة واللغويَّة، أصدر البروفيسور محمد سعيد القَدَّال "تاريخ السُّودان الحديث، 1820-1955م" في طبعته الأولى في القاهرة عام 1992م، ثم في طبعته الثانية في أمدرمان: مركز عبد الكريم الثقافي، عام 2002م. وفي العام 2008م صدر كتاب باللغة الإنجليزية عن "تاريخ السُّودان الحديث"، للبروفيسور روبرت كولنز (Robert Collins)، ترجمه إلى اللغة العربية مصطفى مجدي الجمَّال، ونشره المركز القومي للترجمة (القاهرة) عام 2010م، ويغطي الكتاب فترات تاريخ السُّودان الحديث (التركي-المصري، والمهدية، والحكم الثنائي)، والفترات المعاصرة إلى عام 2006م.

إذاً، ما أهميَّة "تاريخ السودان الحديث، 1820-1955م" للقارئين بالعربيَّة والمهتمين بتاريخ السُّودان؟ تتبلور أهميته في أربع نقاط جوهريَّة، وذات صلة وثيقة بموضوعه، وبالفرضيات التي أستند إليها، وبالمنهج الذي تبنَّاه المؤلف في عرض أجزائه (أو كتبه كما أطلق عليها المؤلف) الخمسة وفصوله الاثنين وعشرين. وأول هذه النقاط، إنَّ هذا الكتاب يقدم للمكتبة العربيَّة دراسة شاملة عن تاريخ السُّودان الحديث (1820 -1955م)، في شكل تثقيفي لعامة القارئين، ومرجعٍ دراسيٍ لطلبة الجامعات، الذين يدرسون تاريخ السُّودان الحديث متطلباً جامعياً، أو تخصصاً في مجال التاريخ.

وثانيها، إنَّ هذا الكتاب قد انطلق من نظرة ثاقبة، مفادها أنَّ تاريخ الفترة المدروسة عبارة عن تاريخ حكم أجنبي ومقاومة داخليَّة في السُّودان، إذ أنها تبدأ بالعهد التُرْكي-المصري (1820 -1881م)، الذي أسهمت المهديَّة ثورةً ودولةً (1881-1898م) في تقويض أركانه، وعلى انقاض المهديَّة أُسس الحكم الإنجليزي-المصري (1898 -1955م)، الذي دخلت الحركة الوطنيَّة معه في حركة شدٍ وجذبٍ إلى أن أُعلن استقلال السُّودان من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م. ولذلك يرى القَدَّال أن تاريخ هذه الحِقْبَة في جوهره يتبلور في "دراسة نظم الحكم الأجنبي وممارسته، ثم دراسة مصادمة أهل السُّودان لذلك الحكم في أشكال مختلفة"، امتدت لقرن وربع من الزمان. وفي إطار جدليَّة الفعل الاستعماري ورد الفعل الوطني، استطاع القَدَّال أن يبزر الجوانب الاستغلاليَّة للمُسْتَعْمِر، ويبين كيف وظَّف المُسْتَعْمِر قدرات أهل السُّودان البشريَّة في خدمة أجندته الاقتصاديَّة والسياسيَّة الناهبة لخيرات البلاد والمقيدة لحريات أهلها السياسية.

وثالثها، إنَّ تاريخ السُّودان الحديث قد خرج على الحِقْبِ التاريخيَّة المغلقة، التي قسمت صيرورة الحركة التاريخيَّة في السُّودان إلى فترات موسومة بأسماء بعض الحُكَّام في مصر أو السُّودان، فمثلاً في دراسة العهد التُرْكي-المصري (1820-1885م) قُسمت الحِقْبَة الزمنيَّة إلى عهد محمد علي باشا، وعباس باشا، ومحمد سعيد باشا، والخديوي إسماعيل باشا؛ وفي فترة الحكم الثنائي (1898 -1956م) إلى عهد السير فرانسيس رجيلند ونجت (Francis Reginald Wingate)، و السير لي إستاك (Lee Stack )، و السير جون لودر مافي (John Loader Maffey)، و السير جورج استيورات سايمز (George Stewart Symes)، دون النظر بإمعانٍ في التطورات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة وإسقاطاتها على المشهد السياسي المحلي، وكذلك النظر في المؤثرات الخارجيَّة التي شكلت بُعداً مهماً في واقع الحراك السياسي في السُّودان. وتجاوزاً لهذه المشكلة المنهجيَّة، نظَّم القَدَّال هيكل كتابه، موضوع هذا التقديم، وفق جدليَّة ثلاثيَّة، تتجسد في التمكين السياسي، وبناء الدولة ونظمها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ثم المقاومة الداخليَّة التي كانت تنمو في ظل الأنظمة السياسيَّة الحاكمة، ثم تثور عليها، وهكذا دواليك. وبهذا العرض الجدلي استطاع القَدَّال أن يتجاوز إخفاقات بعض الدراسات السابقة، وينظر إلى حركة تاريخ السُّودان الحديث من منظورٍ شاملٍ، تتجه بوصلته صوب التركيبة الاقتصادية-الاجتماعيَّة، وأثرها في التحولات الفكريَّة والسياسيَّة الفوقيَّة، بعيداً عن رهانات التفسير البطولي أو المثالي للتاريخ، الذي لا يقدم تحليلاً منطقياً لدور الفرد الجمعي في إطار الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي أفرز الظروف الموضوعيَّة والبيئة الحاضنة للحدث التاريخي.

رابعها: إنَّ هذا الكتاب استند إلى كمٍ وافرٍ من المصادر الأوليَّة والدراسات السابقة التي انجزها باحثون أكفاء عن تاريخ السُّودان الحديث باللغتين العربيَّة والإنجليزيَّة، فضلاً عن الأدبيات التي انجزها المؤلف نفسه، والتي نذكر منها: "الإسلام والسياسة في السُّودان: 621-1985م"؛ و" الإمام محمد أحمد المهدي: لوحة لثائر سوداني"، و"السياسة الاقتصاديَّة للدولة المهدية"؛ و"المهديَّة والحبشة"؛ و"الانتماء والاغتراب: دراسات ومقالات في تاريخ السُّودان"؛ و"تاريخ الطريقة الختميَّة في السُّودان (تعريب المترجم له)". ويضاف إلى ذلك خبرته الطويلة في مجال التعليم والتعلم، حيث بدأ القَدَّال حياته الأكاديميَّة مدرساً لمادة التاريخ في المدارس الثانويَّة (1959 -1969م)، ثم أستاذاً للتاريخ بمعهد المعلمين العالي (1970 -1972م)، وكليَّة الآداب بجامعة الخرطوم (1981 -1992م)، وكليَّة التربية بجامعة عدن (1993 -2000م)، وأخيراً ختم حياته الأكاديميَّة بالعودة إلى كليَّة الآداب بجامعة الخرطوم (2000 -2008م). ويعلِّق القَدَّال نفسه على أحد مخرجات هذه الخبرة المتراكمة، قائلاً: إنَّ طلابي ساعدوني "على استقامة بعض الحقائق، ودفعوني بحب استطلاعهم إلى الاستزادة من المعرفة، وأوحوا إليّ بعض الأفكار والاستنتاجات. لقد كانوا أجيالاً نابهة، يقظة الحس، رفيعة الأداء. فشكري لهم لما تعلمته منهم. وشكري إلى مجموعات المعتقلين السياسيين، الذين التقيتُ بهم في سجون السُّودان: في سجن كوبر العمومي، وسجن سواكن، وبالذات المعتقلين السياسيين في سجن بورتسودان العمومي في الفترة من أكتوبر 1989 وحتى أكتوبر 1990. فقد استمعوا إلى بعض المحاضرات من هذا الكتاب. وكانت أمسيات ثرة تلك التي تناولنا فيها بالحوار تاريخ السُّودان الحديث." ولهذا وغيره، يُعدُّ كتاب "تاريخ السُّودان الحديث" نسيج وحده؛ لأنه استند إلى العديد من المصادر الأوليَّة والثانويَّة، كما أنَّ ميسمه المعرفي استقام على يد أستاذ خبير في صنعة التعليم والتعلم، وفي تدريس التاريخ لأجيال متعاقبة من الطلبة النابهين.

يعكس تاريخ السُّودان الحديث طرفاً من منهج البحث العلمي الذي تبنَّاه القَدَّال في دراساته السابقة واللاحقة، مستنداً في ذلك إلى منهج الماديَّة التاريخيَّة، القائمة على فرضيَّة التركيبة الاقتصاديَّة المؤثرة في تحديد أنماط الحياة الفكريَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة. وإلى جانب ذلك استخدم مناهج العلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة الأخرى استخداماً تكاملياً في تحليل النصوص الوثائقيَّة التي اعتمد عليها في دراساته عن المهديَّة؛ لأن كان يعتقد أن الوثائق ليست نصوصاً محايدة، أو حقائق مجردة، بل نصوص تعبِّر عن فعل أو رد فعل في واقع سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي معينٍ؛ ولذلك يجب أن تخضع إلى تحليل موضوعي في إطار ذلك الواقع الذي نشأت فيه؛ لتكتمل صورتها عندما يُعاد تصميمها في متون السرديات التاريخية. ويظهر هذا المنهج جلياً في هذا الكتاب موضوع التقديم، وفي مختارات أخرى من أدبياته، مثل: "الإمام محمد أحمد المهدي: لوحة لثائر سوداني"، و"السياسة الاقتصاديَّة للدولة المهدية"؛ و"المهديَّة والحبشة". ونلحظ من زاوية أخرى تأثُّره بمدرسة الحوليات الفرنسيَّة، التي كانت تروَّج للمنهج المقارن في قراءة الحدث التاريخي الواحد عبر أمدٍ زمنٍ طويلٍ، وفي فضاءٍ مكانيٍ واسعٍ. ويبرز هذا التأثر في كتابه عن "الإسلام والسياسة في السُّودان: 621-1985م"، والذي وصفه البروفيسور يوسف فضل حسن بأنه "تجربة متميزة في تناول ظاهرة تاريخيَّة واحدة، ربط الدين بالدولة، عبر حِقْبٍ تاريخيَّةٍ تمتد منذ دخول العرب السُّودان وحتى تطبيق قوانين سبتمبر 1983م. وقد وظَّف القَدَّال كل خبراته لإنجاز هذا العمل، فهو لا يقف عند سرد الأحداث، وإنما يبين متى حدثت، ولماذا حدثت؟ وكيف حدثت؟" وفي أدبياته عن سير الأعلام تجاوز القَدَّال أسقاط التفسير البطولي للتاريخ إلى دائرة النظر في دور الفرد الجمعي، وطبيعة علاقته المتبادلة مع المجتمع الذي عاش بين ظهرانيه. ويتجلى هذا المنحى في طبيعة الأسئلة التي طرحها في تقديم كتابه "الإمام محمد أحمد المهدي: لوحة لثائر سوداني": "كيف نشأ محمد أحمد؟ وكيف تطورت شخصيته؟ وكيف خرج من جو الصوفيَّة إلى جو المهدية؟ وكيف تفاعل مع مجتمعه حتى تمَّ ذلك الخروج؟ وما العوامل التي كان أثرها كبيراً على نفسه، والتي دفعته إلى دروب من الحياة كانت جديدة على كثير من معاصريه؟ وكيف استطاع شاب في الخامسة والثلاثين من العمر أن يقيم الأرض على حكم أجنبي بغيض، وأن يقود الآلاف في معارك عنيفة، ويحمل لواء النصر خفاقاً طوال أربع سنوات؟" ثم وضع القَدَّال هذه الأسئلة الجزئيَّة في إطار أسئلة محوريَّة أوسع نطاقاً، ونذكر منها: "كيف يلعب الفرد دوراً كالذي لعبه المهدي في حياة السُّودان؟ هل يستطيع الفرد أن يحرك التاريخ بذلك الصخب الذي فعله المهدي؟" ويردُّ على هذه الأسئلة، قائلاً: "وفي السُّودان حيث تضعف القاعدة الماديَّة والثقافيَّة، وينحصر الوعي، حيث يلعب الزعيم، والحاكم، والفقير [أي رجل الدين] دوراً في حياة الناس، يبرز دور الفرد في الأحداث الأكثر سطوعاً. وربما بدأ أنه مستقل استقلالاً مطلقاً عن الأحداث، هو قطعاً ليس كذلك. ولكن حجمه الذي يلعبه أكبر، وهو محكوم في آخر الأمر بالظروف الموضوعيَّة وخاضع لها... فلا حديث عن الظروف بلا قائد، ولا عن قائد بلا ظروف موضوعية." وفي ضوء هذه الثنائيَّة الجدليَّة بين الفرد والظروف الموضوعيَّة المحيطة، قدَّم القَدَّال دراسة رائدة عن الإمام المهدي، وسار على نهجها في سيرة "الشيخ القَدَّال باشا: مُعلم سوداني في حضرموت: ومضات من سيرته: 1903-1975م"، وفي سيرة "الشيخ مصطفى الأمين: رحلة عمر من الغبشة إلى هامبورج"، التي ألَّفها بالاشتراك مع الدكتور عاطف عبد الرحمن صغيرون؛ وفي سيرة "السلطان علي بن صلاح القعيطي: نصف قرن من الصراع السياسي في حضرموت"، التي ألَّفها بالاشتراك مع الأستاذ علي بن صلاح القعيطي. وآمل أن تكون هذه النماذج قد أبانت السمات العامَّة لمنهج الأستاذ القَدَّال في البحث العلمي والتدريس، كما أنها أنارت الطريق للقارئ الفطن الذي سيلحظ استخدام هذا المنهج المركب في أكثر من موضع في "تاريخ السُّودان الحديث، 1820-1955م".

وفي ختام هذا التقديم، تبقى ليَّ كلمة أخيرة، مقصدها أنَّ القَدَّال كتب في تقديم الطبعة الثانية لكتاب "تاريخ السُّودان الحديث"، قائلاً: "وصلتني رسالة من صديقي البروفيسور يوسف فضل، المدير الأسبق لجامعة الخرطوم، تاريخها 2/6/1996، أبدى فيها إعجابه بالكتاب. وتلقيتُ رسالة من الأخ محمد الحسن القَدَّال من البحرين، قال فيها إنَّ الكتاب أحسن ما قرأ عن تاريخ السُّودان الحديث. إلى جانب تعليقات أخرى من عدة جهات. وكلها أسعدتني، ودفعتني إلى إعادة طباعته. ولن تكتمل سعادتي إلا بإنجاز الجزء الثاني من عام 1954 إلى 1969، الذي حالت ظروف الاغتراب القهري دون إنجازه. وإذا لم يتحقق ذلك، فأنا على يقينٍ من أنَّ أجيالاً فتيَّة، سوف تتولى إنجازه، بطريقة ستكون بلا شك أفضل." للأسف توفي الأستاذ محمد سعيد القَدَّال في يوم الأحد الموافق 6 يناير 2008م، بعد عمر ناهز ثلاثة وسبعين عاماً، وقبل أن يرى مشروع كتابه الثاني النور. لكن العزاء في صدق حدسه التاريخي؛ لأنَّ طالبته الألمعيَّة البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه، قد تبنَّت هذا المشروع، وشارفت الآن على إنجازه.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.