"رحيل جيل بكامل ملامحه"(1/2)

فاجعة الرحيل
رنَّ جرس هاتفي الجوَّال عند الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس الموافق 20 سبتمبر 2018م، ووقتها كنتُ في اجتماعٍ مهمٍ بجامعة قطر، قطعتُ الاتصال، ثم أرسلتُ رسالة اعتذارٍ إلى أخي محمد (حميد)، مفادها أنني لا أستطيع التحدث في هذه اللحظة، مراعاةً لقيمة الاجتماع، وتقديراً لمقامات الحاضرين؛ ولكن الشيء الذي أزعجني حقاً، أنَّ حميداً لا يتصل أثناء ساعات العمل الرسميَّة إطلاقاً؛ إلا إذا كان هناك أمراً جللاً. وبعد انتهاء الاجتماع مباشرة، أعدتُ الاتصال، فكان صوته حزيناً مَبْحُوحاً عبر أثير الهاتف الجوَّال: "أحسن الله العزاء؛ إنَّ الوالد قد انتقل إلى رحمة مولاه صباح اليوم"، لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تبعثرت أفكاري في تلك اللحظة، وتناثرت كأشلاءٍ فوق أمواج بحر متلاطمة، وتملكني شعور بالخوف من المجهول، وإحساس بفقدان الأمان في هذه الدنيا الفانية، ولكن تثبتُ بقوله سبحانه وتعالى: "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ". ثم بعد ذلك تساقط الدمع هتوناً؛ لأبٍ رؤوفٍ رحيمٍ، ومعلم قدوة في سائر ضروب الحياة الإنسانيَّة. إنها الفاجعة الكُبرى التي لا تضاهيها فاجعة، والرحيل المُر، والانطفاء المفاجئ لآخر قنديل زيتٍ كان يضيء لنا ليالي الشتاء.
وفي ظهر يوم الخميس الموافق العاشر من محرم (أي يوم عاشوراء) 1440ه، شيع أهلنا بالولاية الشماليَّة جثمان الراحل العُمْدَة إبراهيم محمد أحمد أبوشوك، بعد عمرٍ بلغ الثمانية وثمانين عاماً، من مسقط رأسه بحصاية العُمْدَة إلى مثواه الأخير بمقابر هارون، التي تقع شمال غرب طرابيل قَنتِّي ذات التاريخ العريق والإرث الحضاري الضارب في القِدم. وصلى على جثمان الفقيد جمع غفير من أبناء المنطقة، الذين تقاطروا من نواحي مختلفة في استجابة عفويَّة نادرة لحضور مراسيم التشييع والدفن، وفاءً وتقديراً لمقام الفقيد، الذي عمل بين ظهرانيهم رئيساً لمحكمة التضامن الريفيَّة (1978 -2012م)، ورئيساً لفرع البديريَّة بالولاية الشماليَّة (1965- 1969م)، وعمدة لعموديَّة قَنتِّي (1954- 1969م)، فضلاً عن المناصب القياديَّة التي اعتلاها في المجالس الريفية على مستوى المنطقة ومجالس المديرية، واتحادات المزارعين القوميَّة والولائيَّة والمحليَّة، ومجالس الإدارات الزراعيَّة لمؤسسة الشماليَّة ومشروعي الكُلُد وقَنتِّي، كما كان له دور رائد في لجان التعليم، والصحة، والصُلح (الأجاويد)، والخدمات العامَّة في المنطقة، لما يربو على نصف قرن من الزمان. ولكل هذه الاسهامات المتعددة، كان رحيل العُمْدَة إبراهيم يمثل رحيل جيل بكامل ملامحه؛ لأنه كان آخر زعماء الإدارة الأهلية في الولاية الشمالية، الذين بدأوا حياتهم العمليَّة في عهد الحكم الثنائي للسُّودان (1898- 1956م)، وطوروا مهاراتهم الوظيفية في عهد الحكومات الوطنيَّة المتعاقبة، ثم ارتحلوا تباعاً إلى الدار الآخرة، تاركين خلفهم رصيداً حافلاً من العطاء والانجاز.

أضواء على الميلاد والنشأة
يحدثنا الثِقات من الأسرة بأن ميلاد إبراهيم كان بعد ثلاثة أعوام من تأسيس مشروع الكُلُد الزراعي عام 1927م. وكأقرانه في ذلك العهد، بدأ تعليمه بالقرآن والكتابة في خلوة الشيخ مصطفى سيدأحمد بابوش، ثم خلوة الخليفة أحمد كورينا، ومنها انتقل إلى مدرسة منصوركتي الصغرى، بجنينة السيِّد علي الميرغني، ثم إلى مدرسة كُورتي الأوليَّة، حيث درس على ناظرها الشهير الأستاذ عوض حمور، والأستاذ أحمد محمد خير كير، والأستاذ شمس العلا التهامي، والأستاذ عبد الحليم القاضي؛ وزامل في تلك الفترة من أبناء قَنتِّي عبد المنعم عبد الله المكي، وعبد الغفار محمد صالح، وفتح العليم علي أبوشام، ومن جلاس البار الشاعر إسماعيل حسن فضل السيِّد، ومن الركابيَّة زين العابدين عيسى عمر، وإبراهيم حاج موسى. وبعد أن أكمل السنة الرابعة بنجاح بمدرسة كُورتي الأوليَّة، تمَّ قبوله بمدرسة عطبرة الوسطي، حيث اتسعت دائرة كسبه المعرفي، وتفتحت عيناه على بدايات الحركة العماليَّة في مدينة الحديد والنار، وأنشطتها المناهضة للاستعمار، وتوجهاتها اليساريَّة المتأثرة بالفكر الماركسي. هكذا مثَّلت عطبرة مرحلة كسب مهمة في حياة الفقيد المعرفيَّة والسياسيَّة؛ تبلورت معالمها بصورة جليَّة في سنوات الدراسة التي قضاها بمدرسة وادي سيدنا الثانويَّة بإمدرمان في نهاية الأربعينيات ومطلع خمسينيات القرن الماضي (العشرين)، تحت إدارة ناظرها المستر و. م. فركهارسون-لانق (W. M. Farquharson-Lang). وفي تلك المرحلة الدراسيَّة النابضة بالحياة، تجددت علاقة الفقيد بصديقه وزميله في مدرسة عطبرة الوسطى، عثمان سيدأحمد إسماعيل البيلي، وابن قريته عبد الغفار محمد صالح؛ وتعرَّف على رهط من الزملاء والأصدقاء الآخرين أمثال مهدي الفحل، ومحمد علي فضل (صقر)، ويوسف محمد علي، ومحمد عثمان الخليفة علي مالك، وصلاح إبراهيم أحمد، وحسن الشيخ، وعمر مصطفى المكي، ويوسف فضل حسن، ومهدي مصطفى الهادي، وأبو القاسم سعد، وطه محمد طه. وفي وادي سيدنا كان إبراهيم (الشهير بأبو زرد) ناشطاً في فعاليات الجبهة المعادية للاستعمار، وفي مظاهرات الطلبة المتكررة ضد الوجود الاستعماري، الأمر الذي دفع مستر لانق إلى وصفه "بعدو المدرسة" (you’re the enemy of the school)، وأخيراً أصدر قراراً بفصله من وادي سيدنا في السنة النهائيَّة؛ إثر اضراب المدرسة الشهيرة عام 1951م، وكتب عنه تقريراً سالباً، يقضي بعدم صلاحية التحاقه بأي مؤسسة عسكريَّة؛ ولذلك عندما قدم للكليَّة الحربيَّة رُفض طلبه بناءً على توصية مستر لانق.
لم يمنع الفصل من الدراسة إبراهيم من تثقيف نفسه بنفسه، فكان قارئاً نهماً؛ إذ حوت مكتبته الخاصة الكثير من الإصدارات في التاريخ، والسياسة، والأدب، وتراجم الأعلام، ونذكر منها ديوان أبي الطيب المتنبي، وعبد الناصر والعالم لمحمد حسنين هيكل؛ وروسيا الناصريَّة ومصر المصريَّة لفؤاد مطر؛ وتاريخ شعوب وادي النيل لمكي الطيب شبيكة، وكرري لعصمت حسن زلفو، والأرض الآثمة لباترك فان رنزبرج، ترجمة علي المك وصلاح أحمد إبراهيم؛ والعرف والأرض في المديريَّة الشماليَّة لأبي مدين الطيب البشير. وإلى جانب ذلك، كان مواظباً على قراءة والصحف والمجلات المصريَّة، ونذكر منها على سبيل المثال: آخر ساعة، والمصور، وروز اليوسف، وصباح الخير. أما علاقته مع أبي الطيب المتنبي فكانت علاقةً فريدة؛ إذ ينشد عليك من قصائده الحسان في مدح سيف الدولة بن حمدان (عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ *** وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ)؛ وفي هجاء كافور الإخشيدي (أُرِيكَ الرّضَى لوْ أخفَتِ النفسُ خافِيا *** وَمَا أنَا عنْ نَفسي وَلا عنكَ رَاضِيَا)؛ وفي وصف شِعْبَ بوان (مَغَاني الشِّعْبِ طِيباً في المَغَاني *** بمَنْزِلَةِ الرّبيعِ منَ الزّمَانِ)؛ وفي بعض المواقف السياسيَّة الحرجة التي تقتضي ترجيح المصلحة العامَّة على حساب قناعاته الفكريَّة، كان يستشهد بقول أبي الطيب المتنبي (ومن نَكَدِ الدّنْيا على الحُرّ أنْ يَرَى *** عَدُوّاً لَهُ ما من صَداقَتِهِ بُدُّ). ويكاد يحفظ جميع قصائد ديوان الشاعر الطموح (المتنبي)، ويشرح مناسباتها ومعانيها، ويستأنس بحكمها وأمثالها في معظم المواقف السياسيَّة والاجتماعيَّة التي تستدعي الاستشهاد والمقايسة. وإلى جانب ذلك، كان العُمْدَة إبراهيم يحفظ كثيراً من قصائد شعراء العرب البارزين أمثال أمرؤ القيس، وأبي تمام، والبحتري، وشوقي، وصلاح عبد الصبور، ونزار القباني، وشعراء السُّودان أمثال العباسي، وتوفيق صالح جبريل، والحردلو، وحسونة، وإسماعيل حسن؛ فضلاً عن أنه كان متبحراً في مساجلات الشعراء المحلين ونكاتهم الأدبيَّة في منطقة مروي الكُبرى. وفوق هذا وذاك، كان الفقيد مستمعاً متميزاً لراديو هيئة الإذاعة البريطانيَّة (العربيَّة)، ملماً إلماماً واسعاً بأخبار العالم وأحداثه السياسيَّة المتشعبة، ولم يقف عند الأخبار السياسيَّة فحسب، بل كان يستمع بانتظام إلى برامجها المتنوعة، أمثال "الرأي الآخر" للأستاذة مديحة رشيد المدفعي، صاحبة النبرة الصوتيَّة المميزة، وكذلك برنامج "قول على قول" للأستاذ حسن سعيد الكرمي، الذي كان ينقل المستمع بين عيون الشعر العربي، وحكمه، وأمثاله، بأسلوبٍ ممتعٍ أخَّاذٍ، وباستقصاءٍ أدبي فريد. ولذلك أجمع الذين اكتبوا عنه بعد رحيله، بأنه كان مثقفاً ثبتاً، ملماً بأمور السياسة، وعالماً بدقائق البيئات المحليَّة في الولاية الشماليَّة. ولذلك شهد الدكتور أبو الحسن (الشاذلي) مصطفى له بقوله: ولو أنَّ الفقيد "اختار البقاء في المركز، وخاض غمار العمل السياسي الوطني، فمن المؤكد أنه كان قادراً على انتزاع مكانٍ متقدمٍ في قلب الساحة السياسيَّة الوطنيَّة، بما يمتلكه من مواهب قياديَّة وسياسيَّة، مع عمق الثقافة والفكر، والنظرة الثاقبة لتوازن القُوى محلياً ودولياً، مع التزام ثابتٍ بأهداف وقضايا التطور والتقدم في السُّودان."


إبراهيم أبوشوك في محكمة ود مدني
بعد أن رفضت الكليَّة الحربيَّة طلبه للالتحاق بها، جلس إبراهيم لامتحان السكرتير الإداري، وبعد ان اجتاز الامتحان، تمَّ تعيينه في وظيفة كاتبٍ بمكتب السكرتير القضائي (الهيئة القضائية لاحقاً) بالخرطوم، ثم نُقل إلى محكمة ود مدني المدنيَّة، للعمل تحت إشراف القاضي البريطاني بودللي. ويصف الأستاذ خضر سيدأحمد مكاوي في "ذكريات الفتي المعهدي" تلك الفترة بقوله: "لم يكن لدينا في ذلك الحين من المتعلمين [في ود مدني] سوى المناضل إبراهيم محمد أحمد شوك، الذي فُصِلَ من المدرسة الثانويَّة؛ لنشاطه السياسي ضد الاستعمار؛ وعُين في وظيفة كاتب بالمحكمة المدنيَّة. كنا نغشاه في مكتبه في طريق عودتنا، ونستمع منه إلى حديث السياسة. وكان يحثنا على الاطلاع، وألا نكتفي بالدراسة المنهجيَّة." وفي تلك الحقبة الوطنية كانت مدينة ود مدني من المدن الرائدة في تاريخ السُّودان الحديث، إذ ارتبط اسمها بفكرة مؤتمر الخريجين الذي شكَّل نواة العمل السياسي الوطني في السُّودان، وصاحب فكرة المؤتمر الأستاذ أحمد خير المحامي، أحد مؤسسي جمعية واد مدني الأدبيَّة التي أسهمت في صوغ الحياة السياسيَّة والثقافيَّة في الجزيرة المرويَّة. وفور وصوله إلى ود مدني انخرط إبراهيم في أنشطة الحركة الوطنية، وبنى علاقة وطيدة مع الأستاذ أحمد خير المحامي.


وفي ود مدني شهد إبراهيم أول انتخابات برلمانيَّة في السُّودان (1953م)، كانت المنافسة فيها حامية الوطيس بين الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة. ومن الطرائف السياسيَّة التي ظل الفقيد يذكرها عن تلك الفترة، الصراع السياسي بين الأستاذ حمَّاد توفيق، مرشح الوطني الاتحادي، والأستاذ عبد الرحمن علي طه، مرشح حزب الأمة، في دائرة المسلميَّة. وإذ يقول الفقيد في هذا الشأن: قدم الاستقلاليون طعناً ضد مرشح الوطني الاتحادي حمَّاد توفيق، مفاده أن حمَّاد ليس سودانياً، لأنه يمتلك ترخيصاً لاستيراد الخمور الأجنبيَّة؛ وفي المقابل رفع الاتحاديون طعناً ضد مرشح حزب الأمة الأستاذ عبد الرحمن علي طه، مشككين في أصله السوداني. وعندما عرض إبراهيم ملف القضيَّة على القاضي بودللي، وجماهير الحزبين ومحاموهما يصطفون خارج أسوار المحكمة؛ للسماح لهم بحضور جلسات القضيَّة والسماع لمرافعة الطرفين، كتب بودللي على ظهر ملف القضيَّة (P.A. Put Away)، ضعه جانباً، وبذلك أعلن شطب القضيَّة؛ لعدم كفاية الأدلة القانونيَّة والموضوعيَّة، دون السماع لمرافعات الطرفين؛ لأنه وصل إلى قناعة بأن البلاغات المقدمة للمحكمة بلاغات كيديَّة، ناتجة من تصاعد المنافسة الانتخابيَّة الشرسة بين الحزبين الغريمين. ويعتقد إبراهيم أنَّ هذا القرار كان واحداً من القرارات القضائيَّة الصائبة التي أصدرها القضاة البريطانيون، والتي تعكس مدى براعتهم القانونيَّة في حسم القضايا ذات الطابع السياسي-الكيدي، دون أن يصدروا قرارات متعجلة، يكون لها انعكاسات السالبة في إرباك المشهد العام، وتوسيع الشقة السياسيَّة، وتفتيت النسيج الاجتماعي. أما نتيجة انتخابات دائرة المسلميَّة، فقد كانت لصالح الأستاذ حمَّاد توفيق (الوطني الاتحاد) الذي فاز 7580 صوتاً على منافسة الأستاذ عبد الرحمن علي طه الذي حصل على 5003 صوتاً. وقد عزى الصحافي بشير محمد سعيد فوز الأستاذ حمَّاد توفيق على منافسه ابن دائرة المسلميَّة إلى الدعم المعنوي والمادي الذي قدمته الحكومة المصريَّة للوطني الاتحادي؛ لأنها أيقنت أن وجود الأستاذ عبد الرحمن علي طه في البرلمان السوداني الأول سيكون "خطراً على رغبتها في إخضاع السودان لها، وفي تحقيق وحدة وادي النيل. [...] ومن هنا رأت أن تبعده مهما كلف ذلك من مال وجهد."
ونواصل في الحلقة الثانية سيرة العُمْدَة إبراهيم أبوشوك، بالتركيز على مسوغات انتقاله من محكمة ود مدني المدنيَّة إلى عموديَّة قنتي، وعرض دوره الإداري والقضائي في تسيير أعمال العموديَّة مع نخبة من مشايخ القُرى البارزين، ثم النظر في أنشطته القيادية المتعددة في اتحادات المزارعين القوميَّة والولائيَّة والمحليَّة، فضلاً عن لجان التعليم والصحة والصلح التي كانت تشكل بُعداً اجتماعياً مهماً في حياة صاحب السيرة. (يتبع: الحلقة الثانية).


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////