تُعدُّ انتفاضة 19 ديسمبر 2018م الشعبيَّة أكبر انتفاضة شهدها تاريخ السُّودان المعاصر، من حيث الانتشار الأفقي الواسع في المدن والأرياف، والعمق الرأسي في أوساط مختلف قطاعات المجتمع السُّوداني، إضافة إلى المسار الزمني الذي تجاوز ستين يوماً إلى تاريخ كتابة هذا المقال. وقد بلورت هذه الانتفاضة شعارها الرئيس في "الحريَّة، والسلام، والعدالة"، راهنةً تحقيق هذا الشعار على أرض الواقع بإسقاط حكومة الإنقاذ (تسقط بس). وهنا مربط الفرس؛ لأن إسقاط النظام الحاكم في ظل حكومته العميقة، التي بلغ عمرها قرابة الثلاثين عاماً، يحتاج إلى تدابير متعددة، تتجاوز هتافات الشارع الثائر، والدعوة إلى الاستلهام بتجربتي أكتوبر 1964م وأبريل 1985م.

وبين استلهام التاريخ واستشراف المستقبل، برزت مجموعة من المبادرات التي طرحتها جهات مهنيَّة وسياسيَّة. غير أن القراءة الفاحصة في محتويات هذه المبادرات من حيث أصولها السياسيَّة، تدفعنا لطرح حزمة من الأسئلة المحوريَّة: ما الجهات السياسيَّة والمهنيَّة التي تصطف وراء هذه المبادرات؟ وما القواسم المشتركة بينها من حيث المحتوى والغايات السياسيَّة؟ وهل هناك إمكانيَّة لصوغها في مبادرة واحدة، تتبناها جهة قومية للتفاكر بين دعاة الإسقاط ودعاة الإبقاء في كيفية تنفيذ بنودها على أرض الواقع؟ ثم ما التحديات التي تواجه ترجمتها إلى واقع محسوس؟ كذلك، ما الفرص المتاحة لنجاحها، ومن قبل ذلك، الاستجابة لها؟ وما البدائل الأخرى المطروحة في الساحة السياسيَّة، إذا رفضت حكومة الإنقاذ الاستجابة إلى أطروحات الثائرين؟ بالطبع، لا يزعم هذا المقال بأنه يستطيع أن يجيب عن كل الأسئلة المطروحة أعلاه ومثيلاتها؛ لكنه على أقل تقدير سيلقي الضوء على جوانب مهمة منها، لعلها تساعد في بناء أطروحة حلٍ أفضل.

المبادرات السياسيَّة: المنشأ والمحتوي
صدرت أولى هذه المبادرات من مجموعة كبيرة من أساتذة جامعة الخرطوم في 30 ديسمبر 2019م، مطالبة بـ "1. التنحي غير المشروط لرئيس الجمهوريَّة عمر حسن أحمد البشير، وحلّ حكومته، وتسليم السُّلطة لحكومة انتقاليَّة، مُتَّفق عليها من كافة الأطياف؛ لتساعد في إخراج البلاد من هذه الأزمة، وتمهد [الطريق] لإقامة انتخابات حُرَّة ونزيهة لاختيار مَنْ هو قادرٌ على إدارة دفَّة البلاد. 2. التوقف الفوري عن القمع والترهيب والقتل ضد الأبرياء من أبناء الشعب الذين يمارسون حقَّهم المكفول في الدُسْتُور بالتعبير عن رأيهم. 3. إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين. 4. إيقاف التصريحات والممارسات العنصريَّة ضد أبناء دارفور، والتي تؤدي إلى تأجيج الفتن. 5. ضمان سلامة الموكب السلمي يوم الاثنين 31 ديسمبر، المنوط به إيصال رأينا ورؤيتنا لرئاسة الجمهوريَّة، كما يحتم علينا ضميرنا ودورنا كأساتذة جامعة الخرطوم." وبعد أن منعت الأجهزة الأمنية أساتذة جامعة الخرطوم من إيصال رؤيتهم إلى رئاسة الجمهورية، واعتقلت بعضهم، أصدر الأساتذة البالغ عددهم 531 عضو هيئة تدريس مبادرة ثانية في الأول من يناير 2019م، تناولوا فيها آليات الانتقال السلمي للسُّلطة، محددة في تشكيل مجلس سيادي من ست ولايات، وحكومة كفاءات، تكون مدتها أربع سنوات، بهدف معالجة المشكلات الاقتصاديَّة، وهيكلة الخدمة المدنيَّة والعسكريَّة والأمنيَّة، وإعداد بيئة سياسيَّة صالحة لقيام نظام ديمقراطي رشيد.
وفي الأول من يناير 2019م أصدر أيضاً تجمع المهنيين السُّودانيين، وتحالف قُوى الاجماع الوطني، ونداء السُّودان، والتجمع الاتحادي المعارض مبادرة جديدة، أطلقوا عليها "إعلان الحريَّة والتغيير"، وقد استندت هذه المبادرة إلى ثلاثة أهداف رئيسه؛ أولها "التنحي الفوري للبشير ونظامه من حكم البلاد دون قيد أو شرط"؛ وثانيها "تشكيل حكومة انتقاليَّة قوميَّة من كفاءات وطنيَّة، بتوافق جميع أطياف الشعب السُّوداني، تحكم لأربع سنوات"؛ وثالثها، "وقف كافة الانتهاكات ضد الحق في الحياة فوراً مع إلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات، وتقديم الجناة في حقّ الشعب السُّوداني لمحاكمة عادلة، وفقاً للمواثيق والقوانين الوطنيَّة والدوليَّة". ويضم تجمع المهنيين السُّودانيين الذي وقَّع على هذه المبادرة مجموعة من الروابط والجمعيات المهنيَّة المعارضة للحكومة؛ ويتكون تحالف قُوى الاجماع الوطني من سبعة عشر حزباً معارضاً، أهمها حزب الأمة القومي، والحزب الشيوعي السُّوداني، والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان قطاع الشمال، وحزب المؤتمر الشعبي، قبل انضمامه إلى الحكومة؛ ويتشكل نداء السُّودان من حركة تحرير السُّودان، فصيل مني أركو مناوي، وحركة تحرير السُّودان، فصيل عبد الواحد نور، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان قطاع الشمال، وحزب الأمة القومي، والحزب الشيوعي السُّوداني، وحزب المؤتمر السُّوداني، وحزب البعث، والحزب الناصري؛ بينما يضم التجمع الاتحادي المعارض الحزب الوطني الاتحادي المُوحد، والحزب الاتحادي الديمقراطي العهد الثاني، والوطني الاتحادي، والاتحادي الموحد، والحركة الاتحاديَّة، والاتحاديين الأحرار، والتيار الحر، واتحاديين معارضين.
وبعد يوم من تاريخ إعلان الحريَّة والتغيير، أعلنت جبهة التغيير الوطنيَّة، التي تتكون من اثنين وعشرين حزباً، انسحابها من حكومة الوفاق الوطني، واقترحت تشكيل مجلس سيادة انتقالي يتولى أعمال السيادة؛ وحكومة انتقاليَّة، تجمع بين الكفاءات والتمثيل السياسي، وتضطلع بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وفق برنامج يوقف الانهيار الاقتصادي، ويحقق السلام، ويشرف على قيام انتخابات عامة حُرَّة ونزيهة. كما طالبت الجبهة بحل المجلس الوطني ومجلس الولايات، وتعيين مجلس وطني توافقي من مئة عضو، وحل الحكومات الولائية ومجالسها التشريعية، وإعادة هيكلة الحكم الولائي والمحلي، وفق مكونات الحوار الوطني. تتفق هذه المذكرة في كلياتها مع إعلان الحرية والتغيير، لكن القُوى السياسيَّة المؤيدة لإعلان الحرية والتغيير لم ترحب بالجبهة الوطنية للتغيير، تعللاً بأن أعضاءها كانوا جزءاً من النظام الحاكم. وقد علَّق الأستاذ حسن عثمان رزق، القيادي بحركة الإصلاح الآن، على هذا الرفض قائلاً: إنهم "سواء اعترفوا، أو لم يعترفوا بالجبهة الوطنية للتغيير، فإن الجبهة تعترف بهم. نحن وهم الآن في الساحة، ويجب أن نعي الدرس، ولا يوجد مبرر للمزايدة، فالكل شارك في سُّلطة الإنقاذ، بمن فيهم الشيوعيون".
وفي 26 يناير 2019م، أصدرت مجموعة الـ 52 بياناً للشعب السُّوداني، أبانت فيه موقفها من الاحتجاجات الشعبيَّة المطالبة بإسقاط النظام، وحاولت أيضاً أن تعيد الروح في مبادرة السلام والإصلاح التي أطلقتها في مارس 2016م؛ إلا أنَّ المبادرة لم تحظ بأي قبول من رئاسة الجمهورية آنذاك، بل وصفها أحمد عبد المجيد، ممثل حركة العدل والمساواة جناح (بخيت دبجو) في لجنة العلاقات الخارجية للحوار الوطني، بأن فيها "افتراء" على الجهد الذي بُذل في مداولات الحوار الوطني، كما رفضها صلاح علي آدم، القيادي في حزب المؤتمر الوطني، واصفاً إياها بغير المجدية؛ لأنها لم تأت من دوائر الحوار الوطني. بغض النظر عن الرفض الذي قُوبلت به المبادرة في حينها؛ إلا أنَّ عدداً من مجموعة الـ 52 أعاد النظر في محتوياتها، وأعلن إعادة انتاجها في مؤتمر صحافي، مستنداً إلى مطلبها المحوري الذي يقضي بتكوين حكومة انتقالية، تتولى إدارة شئون البلاد بالتوافق بين قيادة الحراك الجماهيري والقُوى السياسيَّة الكبرى، ويتمُّ تشكيلها من كفاءات مشهود لها بالكفاءة في مجالات تخصصها، وذات مصداقيةً وتوجه قومي ديمقراطي مع تمثيلٍ للأحزاب السياسية الرئيسة. كما دعت المبادرة إلى ضرورة إحداث "تحول ديمقراطي عبر انتخابات حرة ونزيهة"، تديرها وتشرف عليها مفوضية انتخابات قومية مستقلة. إلا أن بعض أعضاء هذه المجموعة، أمثال البروفيسور محمد يوسف أحمد المصطفى، والبروفيسور بلقيس يوسف بدري، والأستاذ فيصل محمد صالح، قد رفضوا ما جاء في هذه المبادرة، محتجين بأن مطالب الثورة الشعبيَّة قد تجاوزت سقفها الإصلاحي. ولذلك يقول محمد يوسف: "مرت مياه كثيرة من تحت الجسر، مع تصرُّم السنين، حتى فجَّر شعبنا هبَّته الثوريَّة المباركة الحاليَّة، مطالباً بالحريَّة والتغيير، وليس مجرد الإصلاح، فقد ثبت للجميع أنَّ الإنقاذ عصيَّة على الإصلاح...إنَّ العديد من الموقعين [على المبادرة]، وأنا شخصياً واحداً منهم، قد تجاوزوا محطة الإصلاح هذه نهائياً، ويقفون الآن بكل هِمَّة ونشاط تحت رايات إعلان الحرية والتغيير من أجل الإسقاط التام لنظام الإنقاذ". ويعني هذا التوجه أنَّ الدعوة التوافقية الإصلاحية التي شكلت روح المبادرة في نسختها الأولى قد أضحت غير صالحةٍ للوضع السياسي الراهن، الذي ينادي بالحرية والتغيير. ومن هنا جاءت فكرة رفض المبادرة؛ لأن منهجها الإصلاحي يتعارض مع تطلعات إعلان الحرية والتغيير، وكذلك مع مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم، التي ترفض الأطروحات التي تنادي بإصلاح النظام من الداخل، لأنها ترى أن المشكلات التي يعانيها السُّودان ما هي إلا صنيعة سياسات النظام الخاطئة، ولذلك لا يجوز أن يكون النظام ورموزه جزءاً من الحل.
في إطار هذا المشهد السياسي المعقد والمأزوم، ظهرت مجموعة أخرى أطلقت على نفسها "نواة تيار المستقبل"، حيث أقرَّت في مبادرتها السياسيَّة موضوعية الظروف التي أفضت إلى اندلاع الهبَّة الشعبيَّة، وساندت حقّ المتظاهرين الدستوري في التعبير عن آرائهم، كما رفضت ممارسة العنف الأمني المفرط في التصدي للمظاهرات السلمية. ويدور محور هذه المبادرة في دعوة رئيس الجمهورية إلى التنحي الطوعي من الحكم، وإفساح المجال للتوافق الوطني، الذي يقضي بتشكيل مجلس مؤقت يتولى أعمال السيادة، ويُسهم في تشكيل حكومة كفاءات انتقالية، لها برنامجها العملي الذي يتسق مع معطيات الظروف السياسيَّة الراهنة. ويغلب على أعضاء هذه المبادرة الطابع المهني، وإن بعضاً منهم، أمثال البروفيسور مصطفى إدريس، والدكتور محمد محيي الدين الجميعابي، والدكتور عبد الرحيم عمر محيي الدين، كانوا من القيادات النافذة في المؤتمر الوطني في مراحل مختلفة من تاريخ تطوره السياسي.
وزبدة القول أنَّ هذه المبادرات باختلاف توجهاتها السياسيَّة قد حظيت بتأييد في أوساط القطاعات السياسيَّة والمهنيَّة التي تعمل خارج منظومتي الحكومة والحزب الحاكم، فمثلاً قطاع كبير من خريجي كليتي الهندسة والعمارة بجامعة الخرطوم (2529 مهندس) أعلنوا تأييدهم الصريح لإعلان الحرية والتغيير، ولمبادرة أساتذة جامعة الخرطوم. وكذلك أعلنت مجموعة من الأساتذة السُّودانيين بالجامعات الأمريكية، وبعض النشطاء السياسيين، والمهنيين الذين يقفون على الرصيف السياسي تضامنهم مع مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم.

القواسم المشتركة بين المبادرات
أولاً، تؤكد ديباجة كل المبادرات المذكورة أعلاه أنَّ السُّودان يعيش في حالة أزمة سياسية متجذرة، تمظهرت بعض جوانبها في تدهور الأحوال الاقتصادية غير المسبوق، مما خلَّف ضائقة معيشية ضنكة؛ أخذت بخناق المواطنين، ثم دفعتهم إلى الاحتجاج السلمي ضد السُّلطة الحاكمة، ولم يزل شعار هتافاتهم الرئيس "حرية، سلام، وعدالة، والثورة خيار الشعب". وبناءً على ذلك، أيَّدت المبادرات حقَّ المواطنين الدستوري في التظاهر، وانتقدت من جانب آخر التصدي الأمني الباطش للمتظاهرين سلمياً، كما طالبت بمحاكمة أفراد القوات الأمنية المتورطين في أعمال العنف والقتل غير المبرر.

ثانياً، اتفقت المبادرات باختلاف منابتها الفكريَّة وتوجهاتها السياسيَّة على ضرورة قيام حكومة انتقالية من الكفاءات الوطنيَّة، وفق مهام ومسؤوليات محددة، تهدف إلى وضع برنامج سياسي محكمٍ لمواجهة الأزمة الاقتصادية، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة الخدمية، والعسكرية، والأمنية، والقضائية، ثم تهيئة المناخ السياسي لإجراء انتخابات ديمقراطية حُرّة ونزيهة.

نقاط الخلاف بين المبادرات
أولاً: تكمن النقطة الجوهرية للخلاف بين المبادرات المطروحة في الدعوة إلى تنحي رئيس الجمهورية وحكومته تنحياً غير مشروطٍ، أو أن يتحول رئيس الجمهورية إلى رئيس تشريفي مع حكومة كفاءات انتقالية، تختارها قطاعات الشعب السوداني، ويكون لها الحل والعقد في إدارة شؤون البلاد. يرفض تجمع المهنيين وأصحاب مبادرة جامعة الخرطوم والقطاعات الشبابية الثائرة الخيار الثاني؛ لأنه لا يلبي طموحاتهم الثوريَّة، ولذلك يعلنون التزامهم بالتغيير الجذري الذي يقضي بتصفية النظام ورموزه الشمولية. وقطعاً للطريق إمام مبادرات الخيار الثاني الإصلاحية، أصدرت قوى الحرية والتغيير بياناً مكوناً من خمسة بنود في 13 فبراير 2019م، يُقرأ نص البند الثالث منها: "... نحن نرحب بكل الجهود والمبادرات الوطنيَّة الخالصة، التي تعمل من أجل إسقاط النظام، ووضع البلاد على مسار انتقالي، يصفي دولة الفساد والاستبداد، ويؤسس لانتقال ديمقراطي شامل وحقيقي. فالطريق يسع الجميع، كما نؤكد تواثقنا على ميثاق الحرية والتغيير كمرجع رئيسي، واستلهامنا لميثاق هيكلة الدولة السُّودانية كأساس للتوافق على سياسات بديلة تفصيليَّة، تقوم عبر عمليَّة تشاركيَّة موسعة، تضطلع الحكومة الانتقاليَّة بتنفيذها، لوضع البلاد على طريق السلام والحريَّة والتنمية المتوازنة المستدامة، وإقرار العدالة للجميع، دون تمييز، وتصفية آثار دولة الشموليَّة والحرب، وضمان عدم انتكاسة وتراجع الثورة عن غاياتها."
ثانياً: ترتبط نقطة الخلاف الأخرى بالجهات المنشئة للمبادرات والانتماءات السياسيَّة لبعض المنتسبين إليها. والدليل على ذلك أن بعض القطاعات الثورية رفضت مبادرة السلام والإصلاح، ومبادرة تيار المستقبل، تحججاً بأن القيادات المؤثرة التي أسهمت في صوغها والترويج لها ذات توجهات إسلاميَّة. تحاول الالتفاف على المبادرات الأخرى لإعادة استنساخ حكومة الإنقاذ في طبعة ثانية.

خطاب الحكومة تجاه المبادرات السياسيَّة
بدأ خطاب الحكومة بنبرة استعلائيَّة، مال فيها إلى التهديد بكتائب الظل الساهرة على حراسة النظام، وتخوين المتظاهرين بأنهم "مندسون لتخريب مكتسبات الشعب"، وعملاء موساد تقف خلفهم حركة العدل والمساواة جناح عبد الواحد نور، وشذاذ آفاق تدفعهم نزوة الإلحاد والعلمانيَّة لـتأسيس حكومة لا علاقة لها بقيم الإسلام الراسخة في المجتمع السُّوداني. لكن عندما تصاعدت حدة التظاهرات، وانتشرت المواكب الاحتجاجيَّة أفقياً في مدن السُّودان المختلفة، ورأسياً بين قطاعات المجتمع الفاعلة، لجأت الحكومة للاعتراف بالحق الدستوري للمواطنين في أن يعبِّروا عن آرائهم سليماً. ثم أضحى الحديث عن الحقّ الدستوري في التظاهر أحد الكليشيهات الثابتة في خطاب الإعلام الموالي للحكومة. بَيْدَ أنَّ الممارسات الأمنيَّة العنيفة ضد المتظاهرين العزَّل قد كشفت زيف هذا الخطاب المراوغ؛ لأن العنف الأمني المفرط قد أفضى إلى استشهاد أكثر من سبعين ثائراً من الثوار الذين كانوا يهتفون بسلمية المظاهرات في الشوارع والساحات العامَّة. ويضاف إلى ذلك أنَّ القوات الأمنيَّة الضالعة في استخدام العنف ضد المتظاهرين لم تكن قوات شرطة معلومة للناس، بل كان معظم أفرادها من الشباب الملثمين، الذين يمتطون ظهور سيارات رباعية الدفع (التاتشرات)، لا تحمل لوحات رسميَّة، تبين الجهات التي تتبع إليها. وفي الأسبوعين الأخيرين، تبني رئيس الجمهوريَّة، ورئيس مجلس الوزراء، وبعض المؤسسات الحكومية، وقيادات في المؤتمر الوطني خطاباً سياسياً فيه نوع من التراجع، والتواضع في النبرة الاستعلائيَّة، والتخفيف من استخدام فزاعة المؤامرة، حيث أقرَّت الحكومة بشرعيَّة المظاهرات، ومطالب الشباب المتظاهرين التي يجب أن تُدرس بجدية ويُنظر فيها بموضوعية! وفي إطار هذا التراجع بدأت تظهر بعض العبارات الناقدة لمؤسسات الحكومة وقوانينها، ونذكر على سبيل، نقد رئيس الجمهورية لبعض السياسات البنكيَّة الإسلاميَّة التي أفضت إلى تفاقم الأزمة المصرفية، وكذلك قانون النظام العام، الذي قد أضحى، من وجهة نظره، أداةً "للابتزاز والتشهير بالمواطنين"، والبُعد عن مقاصد الشريعة الإسلامية.
في ظل هذا الخطاب الحكومي المتناقض في جوهره، لم تحظ المبادرات المطروحة في الساحة السياسيَّة بأي قبول من الحكومة التي أضحت تراهن على انتخابات 2020م. والشاهد على ذلك قول الدكتور فيصل حسن إبراهيم، نائب رئيس المؤتمر الوطني، الذي أكَّد أنَّ حزبه يرفض مبادرات تشكيل حكومة انتقاليَّة، قائلاً: "ما في حكومة انتقاليَّة، ولا أوهام، والناس عليها ترجى الانتخابات، والاحتكام للصندوق." ثم انتقد مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم الداعية إلى تشكيل حكومة انتقاليَّة، وتساءل مستنكراً "ما الفرق بين جامعة الخرطوم وجامعة الجنينة، كلهن جامعات"، وأساتذة جامعة الخرطوم ليسوا بأفضل من نظرائهم في الجامعات الأخرى، الذين لم يتقدموا بمبادرات شبيهة. ثم تحدث عن مبادرة السلام والإصلاح لمجموعة الـ(٥٢)، التي يقودها رئيس الوزراء الأسبق، الدكتور الجزولي دفع الله، قائلاً: "لماذا بادر الـ(٥٢) من دون الآخرين، واصفاً بعضهم بأنهم شيوعيون وعلمانيون وإسلاميون مغبونون. وبذلك نصل إلى أن الحكومة لم تطرح أي مبادرة سياسيَّة خلاف الدعوة لانتخابات 2020م، ولم ترحب بالمبادرات المطروحة في الشارع السياسي. أما الأحزاب المؤتلفة (الموالية) مع المؤتمر الوطني فآثرت السير الخجول في ظل الحزب الحاكم، بتبعيَّة منقطعة النظير، وذلك باستثناء أحزاب الجبهة الوطنيَّة للتغيير (22 حزباً) التي خرجت من "حكومة الوفاق الوطني"، وبعض المواقف الفرديَّة هنا وهناك. أما حزب المؤتمر الشعبي فيجهد نفسه في البحث عن خيارٍ ثالث، ولذلك وصف الصحافي أحمد فضل سلوكه السياسي بالذي يحاول أن "يُصلح رمانة علي قضيب ميزان معطوب." والدليل على ذلك، قول تاج الدين بانقا، ممثل الحزب في مجلس الولايات، "للجزيرة نت": إنَّ لجنة الحزب تعمل الآن على بلورة مبادرة تقوم على خيار ثالث بين "تسقط بس" و"تقعد بس".

التحديات وآفاق المستقبل
أولاً: ليس لكل المبادرات المطروحة في الساحة السياسيَّة آليات للتنفيذ، لأن المظاهرات الشعبيَّة وحدها لا تسقط النظام وتأتي بحكومة انتقالية بديلة؛ لكنها تشكل ضغطاً عالياً ربما يدفع الحكومة لتلبية مطالب المتظاهرين دون شروط مسبقة، أو يدفع فصيلاً من فصائلها الأمنيَّة-العسكرية إلى إجبارها على التنحي لصالح حكومة انتقالية، مع ضمان مخرج آمن لرموز النظام الحاكم، أو يطرح الفصيل الأمني العسكري نفسه كخيارٍ انتقاليٍ مع حكومة مدنيَّة، كما حدث في أبريل 1985م.
ثانياً: بالرغم من وجود قواسم مشتركة بين المبادرات التي عرضناها أعلاه؛ إلا أن بعض الجهات السياسيَّة تشكك في صدقيَّة بعض الجهات المنشئة والمروجة لها. ويبدو أن مثل الاصطفاف السياسي متأثر بأدبيات الصراع التاريخي بين اليسار واليمين، والذي لم ينتج حواراً هادفاً يصب في مصلحة السودان، بل أضعف أمكانيَّة بلورة موقف وطني موحد بشأن المبادرات المطروحة، التي يمكن توظيفها توظيفاً إيجابياً لتضييق دائرة الخيرات المتاحة للنظام الحاكم.
ثالثاً: عندما تضحى المبادرات صفريَّة بين الطرفين (تسقط بس أو تقعد بس)، يحتاج الصراع إلى تدخل طرف خارجي "محايد"، أو منحازٍ إلى أحد الطرفين، وعند هذه المنعطف تفقد عمليَّة التغيير بُعدها الوطني، وتضحى رهينة أجندات خارجيَّة.
رابعاً: في أي عمل ثوري يسعى إلى إحداث تغيير في بنية النظام السياسي الحاكم وإضعاف مرتكزاته السياسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة، يجب أن يمر التغيير بمرحلتين متداخلتين. تتمثل إحداهما في مرحلة النضال الثوري، التي تعطي الأولويَّة لإسقاط النظام الحاكم، مع توافق الثائرين على تأجيل تنفيذ مطالبهم السياسيَّة الأخرى، تقديراً لأولويات الثورة المعلنة. وعند هذا المنعطف تتراجع الاختلافات السياسيَّة والأيديولوجيَّة ذات النظرة الإقصائيَّة، وتعلو روح العمل النضالي المشترك التي يمكن أن تُؤهل الثائرين ومناصريهم باختلاف توجهاتهم السياسيَّة إلى تحقيق نصرٍ سياسي سريع، يضع اللبنات الأولى لبناء المرحلة الثانية. أما المرحلة الثانية فتبدأ بعد تحقق الهدف المشترك (إسقاط النظام)، حيث تظهر التباينات السياسيَّة التي اختفت في مرحلة النضال الثوري والهدف المشترك لإسقاط النظام الحاكم. لكن إذا لم يكن للثائرين وأنصارهم رؤية استراتيجيَّة متفق عليها، تعصمهم من الصراعات الجانبيَّة، حتماً ستفقد الثورة بسهولة المنجزات التي حققتها في مرحلة النضال الأولى، وتجربتا أكتوبر 1964م وأبريل 1885م، وثورات الربيع العربي في الألفية الثالثة خير شاهدٍ على ذلك.
خامساً: يجب على الحكومة أنْ تخرج من خندق الحلول الأمنية العقيمة، وتعترف بأنها تعاني من آثار تركيبة بنيوية خاطئة منذ نشأتها الأولى، لأنها قد أُسست على انقلاب عسكري عام 1989م، وعلى سياسة تمكين أقصت الأخر الكفء من دوائر الممارسات المتكافئة في إدارة الشأن العام، وعلى انتخابات قُصد بها شرْعَنة النظام العسكري وسيادة الحزب الواحد. ولذلك فإن الدعوة إلى انتخابات 2020م في ظل الظروف السياسية الراهنة والقوانين المقيدة للحريات لا تلبى تطلعات الشارع السُّوداني المنتفض. فمن الأجدى أن تُعَدِّل الحكومة في جدول أولويات خطابها السياسي، وتنظر في بقية الحلول المطروحة بموضوعية؛ لإخراج البلاد والعباد من نفق الأزمة السياسية الآنية وإفرازاتها المستفحلة.
سادساً: إذا كانت انتخابات 2020م هي المخرج الآمن الوحيد لواقع السُّودان المأزوم، فالانتخابات لها متطلباتها المشروعة، والتي تقتضي تشكيل حكومة انتقالية قومية ومحايدة في ظل واقع السُّودان المعيش، تُكلَّف بتهيئة المناخ السياسي العام لإجراء الانتخابات، بما في ذلك إقرار الحريات العامَّة، ورفع القوانين المقيدة لها، وتعيين مفوضية انتخابات قومية ومستقلة، وقانون انتخابات يضمن سلامة الإجراءات الفنية والإدارية، ويرعى ممارسة الحق الانتخابي بحرية ونزاهة وشفافية، في ظل رقابة محليَّة عادلة ومتساوية من الأطراف المتنافسة، وإشراف محايد من منظمات الرقابة الدولية والإقليمية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.