تُنسب مأثورة "ليس في الإمكان أبدع مما كان" إلى الإمام أبي حامد الغزالي، ويقال إنَّ الزعيم إسماعيل الأزهري استخدمها عندما أعلن مناصرته لبروتوكول صدقي-بيفن (1946م)، الذي أقرَّ "وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري"، ويؤكد ذلك ما جاء في مذكراته (الطريق إلى البرلمان)": "أما نحن أنصار وحدة وادي النيل فقد ابتهجنا بالاتفاق، وخرجت مظاهراتنا في الطرقات تفصح عن بهجتنا تلك، وكان يهمنا من أمر الاتفاق شيء واحد كبير، هو الطعنة النجلاء التي سددها للإدارة البريطانية في السودان." وفي المقابل عبَّر حزب الأمة عن معارضته لبروتوكول صديقي-بيقن برقيتين منفصلتين أرسلهما إلى إسماعيل صديقي، رئيس وزراء مصر، وكليمنت أتلي، رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، جاء فيهما: "إنَّ السودانيين لن يرضوا بأن تكون حريتهم ثمناً لمصالح بريطانيا. ويعمل الحزب لتحقيق استقلال البلاد، وتحريرها من الاستعمار المصري والبريطاني، بكل وسيلة مهما تكن، وعليكم وحدكم تقع التبعات." واضح للقارئ الكريم أنَّ كل من الموفقين المتعارضين انطلقا من أجندة سياسية، تصب في مصلحة الاتحاديين والاستقلاليين الحزبية، ورؤيتهما المستقبلية تجاه تحقيق استقلال السودان؛ وبذلك تعددت الوسائل والهدف واحد.

 

وبلغة تُشبه مأثورة أبي حامد الغزالي، علَّق الدكتور جعفر عبد المطلب على الاتفاق الذي أبرمته قوى إعلان الحرية والتغيير مع المجلس العسكري، في فجر الجمعة الموافق 5 يوليو 2019م، قائلاً: "اليوم نستطيع أن نقول إنَّ الشعب السوداني قد استرد وطنه المختطف منذ العام 1989م"، ولم يمنع هذا التأييد المبكر جعفراً من التذكير المستحق بأن "الثورة ليست مهرجاناً ينتهي بنهاية التوقيع على الاتفاق"، بل عمل مستمر، لتحقيق أهداف الثورة المرجوة. ومن زاوية أخرى علَّق الناشط السياسي كمال علي الزين على مخرجات الاتفاق، قائلاً: "لكي لا نبدو مزايدين، ولا مخونين، سيرضيني هذا الاتفاق إن أرضى أم هزاع، وأبو عظمة، وأم محجوب، وأبو عبد الرحمن، وآباء وأمهات الذين نعلمهم، والذين لم نعلمهم من الشهداء، هؤلاء هم الذين دفعوا ثمن هذه الثورة من أحشائهم، إن رضوا رضينا، وإن أبو أبينا ... و كفى بهم حكماً ... هم من سيرجحون بيننا وبين الذين خرجوا يهنئوننا بالخسارة، ويتبادلون الابتسامات مع القتلة." يؤكد هذا التباين في الرؤى، أن الموافق ستتباين بشأن مخرجات الاتفاق، لكن الأهم في الأمر، أن ننظر إلى الاتفاق في ظل الظروف الموضوعية والشروط الواقعية التي أحاطت بتوقيعه، مع إدراكنا بأنه جسر عبور إلى المرحلة الثانية (الانتقالية)، التي يجب أن تقوم بتنفيذ برنامج الثورة وتطلعاتها المستقبلية. إذاً الأسئلة الموضوعية التي يجب أن تُطرح قبل تحديد أي موقف سياسي: ما عناصر القوة وعناصر الضعف التي شكلت البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي استند إليها الاتفاق، وما المهددات التي تحيط بشعارات الثورة، ما الفرص المتاحة بعد التوقيع على الاتفاق الذي عبر بنا إلى مرحلة التأسيس والبناء.

 

أولاً: تتبلور عناصر قوة هذه الثورة المجيدة في الوعي السياسي العالي الذي انتظم معظم أرجاء السودان، بكل فئاته العمرية، وقطاعاته المهنية والحرفية، وفي التظاهرات السلمية التي وقفت بكبرياء أمام كتائب "الشمس والظل" القمعية التي لم ترع القيم الأخلاقية والآداب المرعية في ضبط الأمن العام ومكافحة المتظاهرين؛ وفي شعار "الحرية والسلام والعدالة" الذي رفعه الثائرون عالياً خفاقاً؛ وفي عنصر الشباب (بنين وبنات)، الذين شكلوا القوة الضاربة كماً ونوعاً في دفع عجلات الحراك الثوري، كما بذل نفر منهم أرواحهم ودمائهم شهداء في سبيل هذا الوطن.

 

ثانياً: تتمثل عناصر الضعف في الوضع الاقتصادي المنهار الذي يعاني السودان منه طيلة السنوات العجاف التي مضت، فعملية انقاذ الاقتصاد السوداني تحتاج إلى وصفة اقتصادية سحرية، وتفهم من الحكام والمحكمين لأهداف الثورة ورسالة الفترة الانتقالية، فضلاً عن سياسة خارجية واعية، تراعي التوزان الإقليمي، وتفتح آفاقاً جديدةً للعون الخارجي والاستثمار في السودان.

 

ثالثاً: تتجسد المهددات في القوات النظامية وغير النظامية التي تحتاج إلى تشذيب وتهذيب مهني، يرتقي بها إلى مصافي القوات النظامية المهنية القائمة على الضبط والربط، والحس القومي العالي، والمهام الدستورية المرتبطة بحماية أمن البلاد وحدودها المترامية. وكذلك المؤسسات السياسية والاقتصادية التي أنشئت لخدمة المؤتمر الوطني أو طغمة النظام الحاكم المباد من حساب الخزينة العامة.

 

رابعاً: أما الفرص المتاحة فتتمثل في وضع رؤية استراتيجية واضحة المعالم لإدارة الفترة الانتقالية؛ لتحقيق غايات الثورة القائمة على الحرية والسلام والعدالة؛ ولإحلال السلام واصطحاب الحركات المسلحة في عملية التغيير وإعادة التعمير والبناء. وفوق هذا وذاك، التوظيف الإيجابي لطاقات الشباب للعمل، والبناء، والانتاج الذي يلامس أطراف عبقرية الثورة وتطلعات شبابها المشروعة. واعتقد أن الدكتور محمد حسين أبو صالح قد وضع معالم خطة استراتيجية في هذا الشأن جديرة بالدراسة والتدبر.

 

خامساً: لا تأتي الرؤية الاستراتيجية من فراغ؛ لكنها تعتمد في الأساس على اختيار العناصر الصلبة، وذات الكفاية المهنية العالية، والرؤية المستقبلية الراشدة، والطُهر السياسي، والالتزام الأخلاقي؛ لشغل المناصب السيادية (التنفيذية، والتشريعية والقضائية) المهمة؛ لأن إعادة هيكلة دولة ما بعد الاستقلال، وبناء مستقبل السودان وفق مبادرات استراتيجية مدروسة وتجارب ناجحة تحتاج لكفاءات بمثل هذه المواصفات، وتضحيات جسام من أجل السودان وشعبه الأبي. ومن جانب آخر، على الذين لم يفلحوا في تحقيق متطلبات البناء والتعمير في الفترات السابقة من تاريخ السودان المعاصر ألا يشغلوا أنفسهم بالهدم والتخذيل، بل يتواضعوا، وينضموا لركب التغيير باختلاف مشاربهم السياسية؛ لأن السودان يحتاج لكل أبنائه الشرفاء؛ ليُسهموا في دفع عجلة الثورة إلى الأمام، ويشتركوا في حاصد ثمارها، بدلاً من أن يغردوا خارج السرب، ويكون شعارهم في هذه المرحلة الحرجة "الكل يكسب"، والمقصود بالكل هنا، السودان وأهله الطيبون الأخيار.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.