تأتي المكارهُ حين تأتي جُملةً، وأرى السرورَ يجئ في الفلتات، ومن مكاره هذا الدهر في خواتيمه وفاة الإداري-الكيميائي عبد الفتاح محمد صالح، المدير الأسبق للمؤسسة العامة للبترول، الذي انتقل إلى جوار ربه في يوم الأحد الموافق 29 ديسمبر 2019م. حزنتُ حزناً شديداً لوفاة المرحوم عبد الفتاح، وذلك لسببين. أولهما، أنَّ الفقيد كان من أوائل أبناء قريتنا (قنتي) النوابغ، الذين درسوا بجامعة الخرطوم في ستينيات القرن العشرين، وترقوا في سُلم الخدمة المدنية بكفاية عالية، وجدارة مُحكمة، ونزاهة منقطعة النظير. وثانيهما، أنَّ المرحوم قد أرسل إليَّ، قبل أشهر من تاريخ وفاته، نسخةً من مسودة كتابة الموسومة بـ "تجربتي في إدارة البترول في السودان (1963-2003م): خفايا وأسرار وتضحيات"، وطلب مني مراجعتها، وكتابة تقديم لها. وكان حريصاً أن يرى الكتاب النور، ويكون شاهداً على العصر الذي خدمه بكفاءة عالية ونكران ذات؛ لكنه انتقل فجأةً دون سابق انذار، تاركاً مسودة الكتاب عهدةً في عنقي؛ لأقوم مراجعتها ونشرها. أنه حقاً رحيل مُر، وأمانة باهظة الثمن، أن تترك أيها الراحل أعزَّ ما تملك في عهده شخصي الضعيف، دون أردها إليك بتعليقاتي المتواضعة، لتراجعها المراجعة الأخيرة، ثم تدفع بها إلى الناشر بنفسك. لذلك أرجو أن تسمحي لي بنشر تقديم مسودة الكتاب وفاءً لشخصك الكريمة، الذي أحسبه فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ، وكذلك تعريفاً للقارئين بعطائك المهني الفريد، وتأكيداً لالتزامي بمراجعة المسودة والمساعدة في نشرها. رحمك الله أيا الراحل رحمة واسعة، واسكنك فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً.

تقديم الكتاب: "تجربتي في إدارة البترول في السودان (1963-2003م): خفايا وأسرار وتضحيات"
يُوثِّق هذا الكتاب لتجربة الإداري-الكيميائي عبد الفتاح محمد صالح، وإسهاماته المهنيَّة في تطوير إدارة قطاع البترول في السُّودان، منذ نشأتها في مكتب صغير تابع لوزارة الصناعة في ستينيات القرن العشرين، وكيف تطور ذلك المكتب تحت إشرافه ومعاونة بعض زملائه إلى قسم إداري، ثم إلى مؤسسة فاعلة، أُطلق عليها اسم "الإدارة العامَّة للبترول"، التي استطاعت أن تنظم علاقات حكومة السُّودان الأفقيَّة مع شركات البترول الأجنبيَّة العاملة (شل، أجيب، موبيل، توتال) في السُّودان، وتُخضع تلك الشركات لسيطرة الحكومة في إدارة هذا القطاع الحيوي-الاستراتيجي. كما استطاعت الإدارة العامَّة للبترول أن تنظم وتدير علاقات حكومة السُّودان الرأسيَّة مع الشركاء المحليين (الوكلاء)، الذين ربطوا خدمات قطاع البترول باحتياجات الأفراد والقطاعات المستهلكة في السُّودان.
ويبرز الكتاب من زاوية أخرى الدور المهني والإداري لعبد الفتاح في صوغ كثير من السياسات التي أسهمت في تطوير الهيكل الإداري والأداء الوظيفي للإدارة العامَّة للبترول؛ ويتطرق لاعتراضاته المهنيَّة والإداريَّة الصريحة والمبررة في مواجهة مقترحات بعض الإداريين والسياسيين النافذين في وزارة الطاقة والتعدين، والذين، حسب وجهة نظره، كانوا يسعون إلى استغلال الإدارة العامَّة للبترول في خدمة تطلعاتهم المهنيَّة والسياسيَّة. وتساعد المقابلة بين الطرفين الباحثين في تقييم الإنجازات التي حققتها الإدارة العامَّة للبترول (المؤسسة العامَّة للبترول لاحقاً) والاخفاقات التي نجمت عن سوء تخطيط وتنفيذ وإدارة بعض مشروعاتها التنموية.
ويلقي الكتاب إضاءات كاشفة على ملفات الفساد التي ارتبطت بقطاع البترول في السُّودان، والمواقف المبدئيَّة والأخلاقيَّة لعبد الفتاح، التي جعلته ينظر إلى تلك الملفات من زاوية أنها إهدار للمال العام، ونهب لثروات البلاد؛ لمصلحة شِرذِمَةُ من الإداريين والسياسيين والسماسرة الجشعين، الذين وضعوا مصالحهم الخاصة فوق مقدرات السُّودان وحُرمة ماله العام؛ ولذلك يرى المؤلف ضرورة تقديمهم لمحاسبات قانونيَّة، بغض النظر عن أوضاعهم الاجتماعيَّة والسياسيَّة؛ ليكونوا لغيرهم عبرة وعظة. وفي السياق نفسه، يقول المؤلف، إنَّ هذه "المواقف المبدئيَّة والأخلاقيَّة جعلته في طرفها الأدنى عُرضة للدسائس والمؤامرات التي أفضت إلى إحالته للصالح العام المزعوم ثلاث مرات دون مسوغات موضوعيَّة؛ كما أثبتت في طرفها الأسمى نقاءه من أدران الرشوة والاختلاس، وبرهنت كفاءته المهنيَّة في مجال إدارة البترول، وهو فخور بذلك." إذاً هذا الاقتباس يدفعنا إلى طرح أسئلة جوهريَّة: مَنْ عبد الفتاح محمد صالح؟ ما خلفيته الأكاديميَّة والمهنيَّة التي استند إليها؟ وإلى أي جيل من رموز الخدمة المدنيَّة ينتمي؟

عبد الفتاح محمد صالح: الرجل والتجربة:
وُلِدَ عبد الفتاح محمد صالح في قرية قنتي بالولاية الشماليَّة عام 1938م في أسرة ريفيَّة، متوسطة الحال بمقاييس ذلك الزمن. بدأ تعليميَّة الأولي بمدرسة قنتي الأوليَّة، وتعليميه الأوسط بمدرسة القولد الوسطى، وتعليميَّة الثانوي بمدرسة خورطقت. ثم التحق بكليَّة العلوم جامعة الخرطوم، حيث تخصص في مجال الكيمياء. وتقديراً لإدائه الأكاديمي المتميز، تمَّ اختياره مساعد تدريس بقسم الكيمياء. ولم يواصل عبد الفتاح دراساته العليا بجامعة الخرطوم، بل آثر الانتقال للعمل بمركز البحوث والاستشارات الصناعيَّة، التابع لوزارة الصناعة آنذاك. وبعد ذلك انتقل للعمل في مصفاة بورتسودان، التي أُسست في مطلع ستينيات القرن العشرين، ومنها انتقل إلى مكتب إدارة البترول بوزارة الصناعة، المكتب الذي تطور عليه يديه إلى قسم البترول بالوزارة نفسها. وبعد إنشاء الإدارة العامَّة للبترول، عمل مديراً عاماً لها، ورئيساً لمجلس إدارتها لعدة دوراتٍ، وشهد ترفيع الإدارة العامَّة للبترول إلى "المؤسسة العامَّة للبترول"، التي شغل منصب مديرها العام ورئيس مجلس إدارتها في فترات مختلفة. اشترك عبد الفتاح في العديد من الدورات التدريبيَّة في مجال إدارة البترول خارج السُّودان وداخله، وحضر الكثير من المؤتمرات المتعلقة بصناعة النفط وإدارتها، كما أنشاء شبكة من العلاقات المهنيَّة مع الخبراء العاملين في حقل البترول على المستويين الإقليمي والعالمي. ولا جدال في أنَّ هذه التجارب والخبرات قد أهلَّته أن يكون من أفضل الإداريين السُّودانيين، الملمين بإدارة البترول، وعلاقاتها المعقدة على المستويين المهني والتجاري. وفي إدارته لقطاع البترول، كان ينطلق من فرضيَّة مؤداها إنَّ الشركات الأجنبيَّة العاملة في قطاع البترول هي السبب الأساس في خلق معظم مشكلات هذا القطاع، ولذلك خطط ونفذ سلسلة من الإجراءات الإدارية لإخضاع قطاع البترول في السُّودان إلى سيطرة الحكومة الاتحادية والمؤسسات التابعة لها. ولذلك وصف الدكتور منصور خالد جيل عبد الفتاح "بالتكنوقراط" من ذوي الدُرْبَة والدراية، الذين أجهدهم العمل مع "لصوص القصر" الجمهوري، الذين ضرب حب المال سداً بينهم وبين كل مروءة،" ودفعهم جشعهم الجامح إلى التخلص من رموز التكنوقراط، أمثال عبد الفتاح، الذين كانوا يقفون حجرة عثرة في طريقهم.
تؤكد هذه الخلفيَّة الأكاديميَّة والتجربة المهنيَّة الثرة أنَّ عبد الفتاح كان نموذجاً حيَّاً للإداري السُّوداني الكفوء، الذي يقدم مصلحة البلاد العليا على طاعة الرؤساء والمسؤولين النافذين من طرف، وعلى إرضاء المرؤوسين غير الأكفاء من طرف آخر. وكانت نتيجة هذه المعادلة، في بلد يسود فيها الولاء السياسي على الكفاءة المهنيَّة، والمصلحة الخاصة على المصلحة العامَّة، أن أُحيل الإداري عبد الفتاح "للصالح العام" في الربع الأخير من العهد المايوي (1969- 1985م)، ثم أُعيد للخدمة في عهد الحكومة الانتقاليَّة (1985- 1986م)، ثم أُحيل للصالح العام للمرة الثانية في عهد الديمقراطيَّة الثالثة (1986 -1989م)، ثم أعيد للخدمة في بداية عهد حكومة الإنقاذ، ثم أُحيل للصالح العام للمرة الثالثة في عهد حكومة الإنقاذ نفسها. وبعد إحالته الأخيرة للصالح العام، قدمت بعض الدول الخليجية النفطيَّة إليه عروض مغرية للعمل في مؤسساتها البترولية؛ لكنه رفض تلك العروض، محتجاً بأن قبولها ربما يثير حوله بعض الشبهات؛ لأنه كان يمثل حكومة السُّودان في إبرام كثير من الاتفاقيات والعقود النفطيَّة التي عُقدت مع تلك الدول. ومن جانب آخر تواصل معه المهندس حسن محمد علي التوم، المدير العام للمؤسسة العامَّة للبترول آنذاك، قائلاً له: "يا أخ عبد الفتاح أنت قمت بتأسيس هذا القطاع، وكنت على رأسه، فمن غير المقبول لدينا أن تعمل سواء خارج البلاد أو داخلها تحت أي مسؤول، فرأينا أن أنسب وظيفة بالنسبة لك وظيفة مستشار." فعرض عليه أن يكون مستشاراً لشركة النيل الكبرى لعمليات البترول؛ إلا أنه رفض هذا العرض بكبرياء وعِزَّة نفس، متعللاً بقوله: "إنَّ مجال الإنتاج، ليس مجال خبرتي، لأن خبرتي في مجال الاستيراد، والتصدير، والتكرير، والتوزيع الداخلي... أني أفضِّل العزوف عن العمل العام؛ لأن بعد كل هذا العمل، والعمر المديد، كُتبت عنا تقارير بأننا لم نفعل شيئاً." هكذا كان عبد الفتاح إدارياً فذاً، ورجل خدمةٍ مدنيَّة من الطراز الأول، يعتدُ برأيه، ويحافظ على المال العام، ويقف ضد الفساد والمفسدين بجراءة ومسؤوليَّة، ولا يخشى في الحق لومة لائمٍ.

ما أهميَّة هذا الكتاب؟
تتجسد أهمية كتاب تجربة الإداري-الكيميائي عبد الفتاح محمد صالح في النقاط الآتية:
أولاً: يعكس هذا الكتاب صورة ذهنيَّة حيَّة لتطور إدارة قطاع البترول في السُّودان، من واقع تجربة عبد الفتاح، وذلك بدءٍ بنشأة تلك الإدارة في مكتبٍ صغيرٍ تابعٍ لوزارة الصناعة، ثم تطويرها تدريجياً إلى مؤسسة رائدة (الإدارة العامَّة للبترول، ولاحقاً المؤسسة العامَّة للبترول)، تُعنى بتنظيم وإدارة علاقات حكومة السُّودان مع الشركات الأجنبيَّة العاملة في قطاع البترول بالسُّودان، والتعاقد مع الشركاء المحليين لجعل الخدمات البتروليَّة متاحة للمستهلك السُّوداني.
ثانياً: يقدم هذا الكتاب مقترحاً لقيام جهاز اتحادي للطاقة، تشرف عليه رئاسة الجمهوريَّة، وتتبع إليه وزارة النفط، والهيئة القومية للكهرباء، ووزارة الري والموارد المائيَّة، ووزارة المعادن، والوزارات والمعاهد البحثيَّة ذات الصلة. وتتبلور رسالة الجهاز المقترح في تطوير انتاج الطاقة من المصادر المحليَّة المتوفرة في السُّودان (مثل الطاقة الشمسيَّة، واستخدام المخلفات بأنواعها المختلفة)، وتقليل استهلاك المشتقات البتروليَّة بتطوير المواصلات العامَّة البريَّة والبحريَّة، والسكك الحديديَّة لنقل البضائع والركاب. ويعزي المؤلف تأخر السُّودان في انتاج الطاقة البديلة أو المتجددة من الموارد المحليَّة إلى دور الشركات الأجنبيَّة للبترول، والتي كانت تهتم في المقام الأول بتوفير العائد الربحي السريع من المواد البتروليَّة لشركاتها الأم، دون اهتمامٍ بتطوير موارد الطاقة المحليَّة، التي يمكن أن تُسهم في تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة في السُّودان.
ثالثاً: يُوثِّق الكتاب لبعض ملفات الفساد التي عاصرها المؤلف، مثل ملف مشروع مستودعات التخزين الرومانيَّة، والناقلة بشائر، وبيع منحة بترول السعوديَّة المخصصة للسودان في السوق الأسود العالمي لمصلحة شخصيات بعينها على حساب الخزينة العامَّة لدولة السُّودان. وكيف تعاملت لجان التحقيق مع هذه الملفات، ودور الوساطات والمحسوبيات والعلاقات الشخصيَّة والسياسيَّة في تسوية هذه الملفات بطريقة، حسب وجهة نظر المؤلف، تتنافى مع قواعد المساءلة والمحاسبة القانونيَّة الشفافة، وصون حُرمة المال العام.
رابعاً: إنَّ هذا السفر، كما ذكر المؤلف نفسه، قد كُتِبَ معظمه من الذاكرة، واكتمال الصورة التفصيلية يقتضي الاستئناس ببعض المصادر المكتوبة والمواد الأرشيفيَّة المحفوظة بالمؤسسة العامَّة للبترول ووزارة الطاقة والتعدين، والتي أشار إليها المؤلف في متون كتابه والوثائق الملحقة به. لأن بعض التواريخ والإجراءات الإداريَّة والملفات المتعلقة بالفساد تحتاج إلى مراجعة دقيقة في مظانها الأصليَّة.
وفي الختام، تبقي لي كلمة أخيرة، مقصدها التهنئة الصادقة للإداري-الكيميائي عبد الفتاح محمد صالح على إصدار هذا السفر القيم في موضوعه؛ لأن توثيق مثل هذه التجارب والخبرات، يساعد في إعداد الدراسات المستقبلية، التي تستند إلى استقراء وتحليل عناصر القوة، وعناصر الضعف، والفُرص المتاحة، والمهددات التي يمكن أن تحيط بأي مشروع يرتبط بسياسات الدولة التنمويَّة.

أحمد إبراهيم أبوشوك،
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر
جامعة قطر
الدوحة: 11 يونيو 2019م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.