نعى مركز عبد الكريم الثقافي بأمدرمان بمزيد من الحزن والأسى المستشار مهندس زراعي محمد المصطفى حسن عبد الكريم، الذي انتقل إلى رحاب ربه في يوم الجمعة الموافق 26 يونيو 2020م بمدينة سنَّار. شرفتُ بمعرفة الفقيد اسماً عندما ترجم كتابي المشترك من البروفيسور آندرس بيوركيلو، "أسس ومبادئ الإدارة الأهلية في السودان الإنجليزي-المصري، 1898-1956م، والذي أصدر مركز عبد الكريم الثقافي طبعته العربية المترجمة عام 2006م. وبعد ذلك أهدى الفقيد ليَّ ترجمته العربية لكتاب دبيلو. أي. بي. بيفردج "فن التقصي والبحث العلمي"، وجاء في ذلك الإهداء الذي اعتز به: "إلى الدكتور أحمد إبراهيم أبوشوك، ضمير من ضمائر السودان الحيَّة، ورجل التقصي العلمي والأدبي والتاريخي والاجتماعي والسياسي. لا أعرفه، لكني أعرف موطنه وأباه إبراهيم (قنتي)، أيام مجلس إدارة مؤسسة الشمالية الزراعية. ولا يعرفني! لكنه قد يعرف بعض كتبي وتراجمي؛ لكنني أقرأ له فأبكي، ثم أقرأ له فابتسم، ثم أقرأ له فأتأمل." وتقديراً لترجمة كتاب الإدارة الأهلية، ووفاءً للإهداء المشار إليه، بدأتُ التواصل مع محمد المصطفى عبر الهاتف، وتعددت الحوارات الهاتفية في بعض القضايا المشتركة، وكان من أولوياتها نشر الترجمة التي أعدَّها لكتاب "الزراعة في السودان"، الذي حرره جى.دي. توتهل (J. D. Tothill)، أحد عمداء كلية غردون التذكارية، ومدير مصلحة الزراعة والغابات (1939- 1944م)، والذي صدر عن مطبعة جامعة أكسفورد عام 1948م، ويبلغ عدد صفحاته 974 صفحة، من القطع المتوسط، دون الصفحات الأولى المرقمة بالأرقام الرومانية. اشترك في تأليف الكتاب أكثر من ثلاثين خبيراً وباحثاً متخصصاً في مجال الزراعة، والجيولوجيا، وأبحاث التربة، وتربية الحيوان. وأهدى توتهل الكتاب إلى ذكرى السير دغلاس نيوبولد (ت. 1945م)، السكرتير الإداري لحكومة السودان (1939-1945م). وثمَّن عمل المحرر السير هربرت هدلستون، حاكم عام السودان (1940-1947م)، وكتب عنه تقديماً ضافياً، نقتبس منه الفقرة الآتية: "اتفق تماماً مع وجهة نظر المحرر أنَّ مستقبل السودان يتوقع أن يكون معتمداً على الزراعة. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الضروري أن يكون لدى كل موظف من الموظفين الكبار والصغار في الحكومة معرفة جيدة بالمبادئ العامة للزراعة، كما تمارس اليوم في السودان، ويجب ألا تكون المعرفة قاصرة على الموظفين الحكوميين بل عامة الناس. لا يمكن لأي شخص، بدون هذه المعرفة، سواء كان يعيش في الريف أو الحضر، أن يكون مواطنًا كاملاً. وقد تسبب نقص هذه المعرفة في إهمال الزراعة، والتي تُبرز تاريخ السودان الحديث للعديد من الدول. الآن بعد نشر هذا الكتاب، لا يوجد عذر لأي شخص أن يجهل أمور الزراعة في السودان." 

ويؤكد هذا التقديم أهمية الكتاب، الذي يتحدث بعمق عن تاريخ الزراعة في السودان، وأحوال الطقس والمناخ في المديريات الشمالية والجنوبية، وأنواع التربة والتركيبة الجيولوجية، والغطاء النباتي، وملكية الأرض، وأنماط الري الانسيابي والمطري، وأنواع المحاصيل الزراعية، والأسمدة المستخدمة في الزراعة، ومراكز البحوث الزراعية، والثروة الحيوانية، ومشكلات المواصلات، وترحيل المنتوجات الزراعية، والتعليم. وتدفعنا أهمية الكتاب إلى القول بأن الترجمة العربية التي أعدَّها المرحوم محمد المصطفى حسن عبد الكريم وراجعها البروفيسور صلاح الدين عبود جديرة بالطباعة والنشر. ولذلك آمل أن يتعاون مركز عبد الكريم ميرغني مع الأستاذ أسامة عوض الريح، مدير دار المصورات، الذي التزم مع المرحوم بطباعة الكتاب. ولا شك في أن نشر المسودة العربية المترجمة فيه إحياء لذكرى الفقيد، ووفاءً وعرفاناً لجهوده المقدرة في إثراء المكتبة السودانية بترجماته الرصينة. ألا رحم الله عبده الفقير إلى رحمته محمد المصطفى رحمة واسعة بقدر ما قدم للسودان وأهل السودان، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.